بحث عن سورة يس

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٦:٤٦ ، ١٢ مارس ٢٠١٧
بحث عن سورة يس

سورة يس

سورة يس هي سورة مكيّة نَزلت قبل الهجرةِ النبويّةِ الشّريفة من مكّةَ المُكرّمةَ إلى المدينةِ المنوّرة، وعدد آياتها ثلاثٌ وثمانون آيةً، وترتيبها في المصحف الشريف 36؛ حيث تَسبقها في المُصحف الشريف سورة فاطر، وتليها في الترتيب سورة الصافات.[١]


فضل سورة يس

وَردت العَديد من الأحاديث النبويّةِ الشريفة في فضل سورة يس وأهميّتها؛ فسورة يس تُعدّ قلب القرآن لما ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قلبُ القرآنِ يس لا يقرؤُها رجلٌ يريدُ اللهَ والدَّارَ الآخرةَ إلَّا غفر اللهُ له اقرؤُوها على موتاكم)[٢]فسورة يس هي قلب القرآن، والمسلم الذي يقرؤها خالصاً لوجه الله سبحانه وتعالى وطَمعاً في رضوانه ونعمته وجنّته فإنّ الله يغفر له.


لسورة يس فضلٌ، ولذلك فإنّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يوصي المسلمين بقراءتها على الموتى من المُسلمين عسى الله أن يُخفّف عنهم ويَغفر لهم، ولفضل سورة يس العظيم فإنّ بعض العلماء ذهبوا إلى أنّ قراءة هذه السورة تُيسّر كلّ عسير، ولها أيضاً أثرٌ كبيرٌ في التيسير والفرج بإذن الله تعالى،[٣]وقد ورد في فضلِ سورة يس أنّ من يقرؤها ابتغاء مرضاة الله وطلبا لمرضاته تعالى غفر له؛ فقد جاء في الحديث: (مَن قرَأ يس في ليلةٍ ابتغاءَ وجهِ اللهِ غُفِر له)[٤]


تسمية سورة يس

  • سُمّيت سورة يس بهذا الاسم لأنّها تبدأ بقوله تعالى (يس)، وتعدّدت تفسيرات العلماء لمعنى كلمة يس في بداية السورة، فمنهم من ذهب إلى القول بأنها من الحروف المقطّعة التي تأتي في بدايات بعض السور القرآنية الكريمة، وهي تحدٍّ للعرب الذين نزل القرآن بِلغتهم، وكأن الله يُخاطبهم ويقول لهم: هل تعرفون هذه الحروف؟ إنها حروف لغتكم العربية التي تتكلّمون وتتواصلون بها وتتفاهمون، وقد نزل القرآن الكريم بنفس اللغة العربية التي تتكلّمون بها وتحدّاهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو حتى سورةٍ من مثل هذا القرآن ، وبدلالة ما جاء بعدها من قسَم الله سبحانه وتعالى بالقرآن العظيم.
  • بعض العلماء ذهبوا إلى أنّ المقصود بـ (يس) سيّدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ومن العلماء من قال: معنى يس أي: يا رجل أو يا إنسان، وقال الواحدي المقصود يا إنسان؛ والمَعنيّ بهذا النداء محمد -صلى الله عليه وسلم- وقال أبو بكر الوراق إنّ معنى يس أي يا سيّد البشر، وقال بعض العلماء: إنّ يس هو اسمٌ من أسماء الله سبحانه وتعالى، وجاء عن بعض العلماء أن معنى يس أي يا سيد، وقال كعب: إنّ يس هو قَسمٌ أقسم الله به، ويُرجّح الزجّاج أن معنى يس يا محمد.
  • اختلف العلماء هل كلمة ولفظ يس عربيٌ أم ليس عربياً؟ فقال بعض العلماء منهم سعيد بن جبير ومنهم عكرمة: إنّ لفظ يس حبشي، وقال آخرون: إنّه لفظ سرياني تكلّم به العرب فصار جزءاً من لغتهم، وقال الشعبي: إنّ لفظ يس بلغة طيء، وقال الحسن: إنّه لفظ جاء بلغة كلب.[٥]


موضوعات سورة يس

عالجت سورة يس موضوعاتٍ متعدّدةً على النحو الآتي:[٦]

  • الحديث عن القرآن الكريم ومبعث محمّد -عليه الصلاة والسلام- للناس كافّةً نبيّاً ورسولاً.
  • الكلام عن البعث وإحياء الموتى ومبعثهم لينالوا جزاءهم.
  • قصة أصحاب القرية التي جاءها المُرسلون.
  • ترسيخ قواعد الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
  • لا يَملك النفع والضُر إلا الله سبحانه وتعالى.
  • استحقاق المُكذّبين للعقاب من الله سبحانه وتعالى المُعجّل في الدنيا والآجل في الآخرة.
  • لفت الأنظار إلى آيات الله، ونعمه، وعظيم خلقه، وقدرته.
  • الإشارة إلى أهميّة النفقة في سبيل الله والبعد عن البخل والشح.
  • بيان جزاء أهل الجنة وتمتّعهم هم وأزواجهم في مقامهم في جناتهم.
  • التنبيه إلى عظمة الله وقدرته، وأنّه إذا أراد حدوث شيءٍ فإنّما أمره أن يقول كن فيكون.


قصة أصحاب القرية في سورة يس

وردت في سورة يس قصة أصحاب القرية من الآية 13 إلى الآية 30 في قوله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ*إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُرْسَلُونَ* قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَـنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ*قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ*وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ* قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ*قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ*وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ *اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ*وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ*أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَـنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ*إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ*إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ*قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ*بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ*وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ*إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ*يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)[٧]


تتحدّث الآيات عن أهل قرية لم يُحدّد اسمها بالضبط، وهذا من أسلوبِ القصص القرآني؛ فالآيات القرآنيّة في القصص القرآني لا تهتمّ بالأشخاص على الأغلب، وإنّما يُقصد بالقَصص القرآني أخذ العِبرة والعظة؛ ليستفيد المسلمون دروساً من قصص من سبقهم من الأمم، فيتّعظون، ويَبتعدون عن مَواطن الزّلل، ويَبتعدون عن كلّ الأسباب الموجبة لغضبِ الربّ وعِقابه تبارك وتعالى، وليَتعلّموا من هذه القصص سُنَن الله في الكون، ومَواطن القوّة وقواعدها، ويَستفيدوا من كلّ مَن سبقهم ممّا حصل ووقع من الأمم السابقة، فيأخذوا بالقوّة وأسبابها، ويتمسّكوا بها ويعرفوا الخلل وعواقبه فيجتنبوه ويتنبهّوا له، ويبتعدوا عنه، فأهل القرية هؤلاء جاءهم المرسلون من عند الله يدعونهم إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى.


تبرّأ أهل القرية من هؤلاء المرسلين، وما يدعونهم إليه ممّا فيه حياتَهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، ولكن يبقى هذا حال العناد الموصل إلى الكفر، والبعد عن الإيمان، فأينما وُجِد العناد وجد الكفر، فلا يجتمع عنادٌ وإيمان، بل إنّ الملحوظ من خلال قصص الأوّلين أنّ العناد رفيق الكفر وقرينه؛ لأنه تقديمٌ للهوى والضلال على كلّ قواعد الإيمان، فلعَلّ الإنسان في قرارة نفسه يَعلمُ الحقّ والصواب، ولعلّ هناك صوت خفي يدعوه من داخله ليتّبع الحقيقة والصواب، ولكنَّ عناده يَزجره ويُعيده رغم قناعاته بطريق الحقّ فإن العناد يُعيده إلى اتّباع نفسه، وعبادة هواه، وتقديمه على الإيمان الصحيح.


في غمرة النقاش بين أهل الإيمان المتَمثّل بالمُرسلين، وبَين أهل الكفر والعناد المُتمثّل بأهل القرية يَدخل في القصة مَشهد جديدٌ بأسلوبٍ في غاية الروعة والجمال، يجعل القارئ والمُستمع للآيات يَعيش جوَّ المَشهد وكأنّه كان حاضراً لكل أحداث المشهد وتطوراته، فبينما كان الرسل يَدعون أهل القرية إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وهم أصرّوا على كفرهم يأتي رجلٌ رشيدٌ عاقلٌ مُؤمنٌ وكأنّه يدخل المشهد مُسرعاً مشفقاً على هؤلاء الغارقين في ظلمات كفرهم، وتَعقيدات ظلمهم لأنفسهم، فيدعوهم وهو حريصٌ عليهم، يريد الخيرَ كلَّ الخير لهم، فيدعوهم للإيمان بما جاء به المرسلون واتباعهم، ويُبيّن أنّه لا يستحقّ العبادة إلا الله الخالق جلّ وعلا، فهو الخالق، وهو الرازق، وهو النافع والضار، ثم يُعلنها ويصدح بها عالياً مُعلناً إيمانه الثابت، غير القابل للشكّ أو التردد.


تورد بعد ذلك الآيات الجزاء والخاتمة السعيدة لهذه القصة التي تُمثّل صراعاً بين الحق والباطل، فيستحقّ هذا الرجل المؤمن الرشيد الجنّة فيقول ليت قومَه يعلمون بهذا الجزاء، والتكريم الرائع الراقي، ويا ليتهم يَعلمون بما يَرفع الإيمان صاحبه، فيرقى في الجنات، والنِعم، والتكريم الرباني؛ نتيجة الإيمان بالله، ونصرة الحق وأهله، لتنتقل الآيات بعد ذلك، لبيان جزاء الطرف الآخر، بعدما عَرضت جزاء أهل الحق؛ حيث بيّنت جزاء أهل الباطل، وجزاء المُعاندين، المُصرّين على كفرهم بالله، فاستحقّوا العقاب، والعذاب نتيجة كُفرهم وعنادهم.


تُختتَم آياتُ القصّة بالتحسّر على أهل الكفر، الذين نالوا جزءاً من العذاب مُعجّلاً لهم في الدنيا، وهم في الآخرة مع كلّ الأسف والحسرة عليهم خالدون مخّلدون في العذاب؛ نتيجة عنادهم وكفرهم.[٨]


المراجع

  1. سيد قطب (1412هـ)، في ظلال القرآن (الطبعة السابعة عشرة)، القاهرة: الشروق، صفحة 2955، جزء 5.
  2. رواه المنذري، في الترغيب والترهيب، عن معقل بن يسار، الصفحة أو الرقم: 2/319، إسناده صحيح.
  3. ابن كثير ( 1419 هـ)، تفسير القرآن العظيم (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 499، جزء 6.
  4. رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن جندب، الصفحة أو الرقم: 2574، أخرجه في صحيحه.
  5. محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250هـ) (1414هـ)، فتح القدير (الطبعة الأولى)، دمشق: دار ابن كثير، صفحة 413، جزء 4.
  6. عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: 1376هـ) (1420هـ)، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (الطبعة الأولى)، دمشق: مؤسسة الرسالة، صفحة 692 وما بعدها.
  7. سورة يس، آية: 13-30.
  8. مجير الدين بن محمد العليمي المقدسي الحنبلي (المتوفى: 927 هـ) ( 1430 هـ - 2009 م)، فتح الرحمن في تفسير القرآن (الطبعة الأولى)، دمشق: النوادر، صفحة 471 وما بعدها، جزء 5.
573 مشاهدة