تعريف بر الوالدين

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٥١ ، ٧ مارس ٢٠١٦
تعريف بر الوالدين

تعريف بر الوالدين

معنى البرّ ما كان ضدّ العقوق، وقال ابن الأثير: البِرُّ بالكسر الإحسان، ومنه الحديث في برّ الوالدين، وهو في حقّهما وحقّ الأقربين من الأهل ضدّ العقوق: وهو الإساءة إليهم والتضييع لحقهم. وبرّ الوالدين يشمل الإحسان إليهما بالقلب، والقول، والفعل تقرّباً إلى الله تعالى. ويقابله عقوق الوالدين، ويعني إغضابهما من خلال ترك الإحسان إليهما، وقيل أنّ عقوق الوالدين هو كلّ فعل يتأذَّى منه الوالدان، مع كونه ليس من الأفعال الواجبة. (1)


ولقد أمرنا الله سبحانه وتعالى ببرّ الوالدين، ومعاملتهما بالحسنى، وخفض الجناح لهما، ومخاطبتهما بطريقة ليّنة، وقد حرّم سبحانه وتعالى كلّ الأعمال التي تكون عكس ذلك (2)، قال الله سبحانه وتعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً) سورة النّساء، 36 ، وقال الله سبحانه وتعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إيّاه وبالوالدين إحساناً إمّا يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً * واخفض لهما جناح الذّل من الرّحمة وقل رب ارحمهما كما ربّياني صغيراً) سورة الإسراء، 23-24 .


أشكال بر الوالدين

هناك عدّة أمور يمكن للمسلم أن يبرّ بها والديه في حياتهما، منها: (3)

  • أن يطيع والديه، ويقدّم لهما الطاعة إن لم يكن في أمرهما أيّ معصية للخالق عزّ وجلّ أو للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ويبتعد عن معصيتهما، إلا في حالة الزّوجة لأنّها تقدّم طاعة زوجها على طاعة والديها.
  • أن يحسن إلى والديه، من خلال أقواله وأفعاله، وفي كلّ شكل من أشكال الإحسان المعروفة.
  • أن يخفض جناحه لوالديه، ويتذلل لهما، ويتواضع في تعامله معهما.
  • أن لا يزجرهما أو يهينهما، وأن يتلطف عند الكلام معهما، ويحذر من رفع صوته فوق صوتهما أو نهرهما عن شيء ما.
  • أن يصغي لحديثهما، عن طريق التواصل البصريّ معهما أثناء حديثهما، وعدم مقاطعتهما في الحديث أو منازعتهما، والحذر من تكذيبهما أو ردّ حديثهما.
  • أن لا يتأفّف من أوامرهما وطلباتهما، ولا يضجر منهما، قال الله سبحانه وتعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا) سورة الإسراء، 23 .
  • أن يقابلهما بوجه بشوش وترحاب، وأن لا يعبس في وجههما أو يتجهّم لهما.
  • أن يتحبّب إليهما، ويتودّد لهما، فمثلاً يبدء هو بالسلام عليهما، ويقبّل يديهما، ويوسع لهما في المجالس، ولا يأكل شيئاً من الطعام قبلهما، ويمشي خلفهما في النّهار وأمامهما في الليل.
  • أن يحترم وجودهما في المجلس، عن طريق تعديل جلسته، وأن يبتعد عن كلّ ما يمكن أن يشعرهما بالإهانة.
  • أن لا يتمنّن عليهما عن تقديمه لعمل ما أو خدمة لهما، لأنّ هذا يعدّ من مساوئ الأخلاق.
  • أن يقدّم حقّ الأم، ويحسن إليها، ويعطف عليها، ويزيد من تقديرها له، وذلك لما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النّبي - صلّى الله عليه وسلّم - فقال: يا رسول الله من أولى النّاس بحسن صحابتي؟ قال: أمّك، قال: ثمّ من؟ قال: أمّك، قال: ثمّ من؟ قال: أمّك، قال: ثمّ من؟ قال: أبوك) رواه البخاري .
  • أن يساعدهما في أعمالهما، فإنّه ليس من حسن الأخلاق أن يتفرّج الابن على والديه وهما يقومان بالأعمال.
  • أن لا يزعجهما أثناء نومهما، أو يحدث جلبةً أو صوتاً شديداً.
  • أن لا يثير الجدل أو الشّجار أمامهما، ويحلّ مشاكل بيته وإخوته بعيداً عنهما، حتى لا يؤذيهما.
  • أن يسرع في تلبية ندائهما، سواءً أكان مشغولاً أم لا.
  • أن يعمل على التّوفيق والإصلاح بين والديه، ويقرّب وجهات نظرهما من بعضهما البعض حال اختلافهما في أمر ما.
  • أن يستأذن عند الدّخول عليهما، لأنّهما ربّما كانا في وضع لا يرغبان أن يطلع عليهما فيه أحد.
  • أن يستنير برأيهما، ويأخذ بمشورتهما في جميع أمور الحياة.


ويمكن للمسلم أيضاً أن يقوم ببرّ والديه حال موتهما، ومن ذلك: (1)

  • أن يكثر من الاستغفار لوالديه، وذلك لقول الله سبحانه وتعالى في ذكر دعاء إبراهيم: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) سورة إبراهيم، 40-41 ، وقال تعالى في ذكره لدعاء نوح: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا) سورة نوح، 28 ، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (إنّ الله ليرفع الدّرجة للعبد الصّالح في الجنّة، فيقول: يا ربّ أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك) رواه أحمد .
  • أن يدعو لهما بالرّحمة والمغفرة، وما شاء من الأدعية، وذلك لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له) رواه مسلم والترمذي .
  • أن يقضي ما عليهما من ديون، وذلك لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (نفس المؤمن معلقة بدَينه، حتّى يقضى عنه) رواه أحمد ، ولحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال: (يغفر للشهيد كلّ شيء إلا الدّين) رواه مسلم .
  • أن يقضي ما عليهما من نذور، مثل نذر الصّيام، أو الحجّ، أو العمرة، أو غير ذلك ممّا يمكن للمسلم أن ينوب عن غيره فيه.
  • أن يقضي ما عليهما من كفّارات، ككفارة القتل الخطأ، أو اليمين، أو غر ذلك، لأنّ هذه الواجبات تدخل في قوله في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه: (أنّ امرأة نذرت أن تصوم شهراً، فلم تصم حتّى ماتت، فجاءت قرابة لها، إمّا أختها أو ابنتها إلى النّبي - صلّى الله عليه وسلّم - فذكرت ذلك له، فقال: أرأيتك لو كان عليها دَين كنتِ تقضينه؟ قالت: نعم، قال: فدَين الله أحقُّ أن يقضى) متفق عليه .
  • أن ينفّذ وصيّتهما إن كان لهما وصيّة، والوصيّة تكون بمقدار الثّلث أو أقلّ، ويجب تنفيذ هذه الوصيّة.
  • أن يقضي ما عليهما من صيام الفرض في رمضان، وذلك لقوله - صلّى الله عليه وسلّم - في حديث عائشة رضي الله عنها: '(من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه) متفق عليه .
  • أن يصل الأرحام التي توصل إلا عن طريقهما، وذلك لحديث أبي بردة رضي الله عنه قال: (قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر، فقال: أتدري لِمَ أتيتك؟ قال: قلت: لا، قال: سمعت رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - يقول: من أحبّ أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده، وإنّه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاءٌ ووُدٌّ، فأحببت أن أصل ذاك) رواه ابن حبّان .
  • أن يكرم أصدقاءهما بعد موتهما، وذلك لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النّبي - صلّى الله عليه وسلّم - أنّه قال: (إنّ أبرَّ البرّ صلةُ الولدِ أهلَ وُدِّ أبيه) رواه مسلم.
  • أن يتصدّق عنهما، وذلك لحديث سعد بن عبادة رضي الله عنه، أنّ أمّه توفيت، فقال: (يا رسول الله! إنّ أُمي تُوفِّيتْ وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: نعم، قال: فإنّي أشهِدُك أنّ حائطي المخراف صدقةٌ عليها) متفق عليه .


عقوق الوالدين

عقوق الوالدين هو ما كان عكس برّهما، حيث قال ابن منظور: وعقّ والده يعقّه عقّاً، وعقوقاً، ومعقّةً: أي شقّ عصا طاعته، وعقّ والديه: أي قطعهما، ولم يصل رحمه منهما لسان العرب ، وقال كذلك: أنّه - صلّى الله عليه وسلّم - نهى عن عقوق الأمهات، وأصله من العقّ: أي الشقّ والقطع. (4)


وهناك عدّة مظاهر لعقوق الوالدين، منها: (4)

  • أن يقوم الشّخص بإبكاء والديه، أو إدخال الحزن إلى قلبيهما، سواءً أكان ذلك من خلال القول، أو الفعل، أو التّسبب في ذلك.
  • أن يقوم بنهر والديه أو زجرهما من خلال رفع صوته فوق صوتيهما، أو إغلاظ القول عليهما، قال الله سبحانه وتعالى: (وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) سورة الإسراء، 23 .
  • أن يتأفّف أو يتضجّر من أوامرهما، وقد أمرنا الله عزّ وجلّ بترك كلّ ذلك، حتّى وإن كان يريد طاعتهما في الأمر فلا يجوز له أن يظهر التذمّر أو الاستياء منه، قال الله سبحانه وتعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) سورة الإسراء، 23 .
  • أن يعبس في وجهيهما، أو يقطب جبينه أمامهما، ويكون حاله العكس من ذلك تماماً أمام النّاس.
  • أن ينظر إلى والديه بطريقة غير مؤدّبة، ويرمقهمها بنظرات مليئة بالحنق، أو الازدراء، أو الاحتقار.
  • أن يتأمّر على والديه، مثل الذي يأمر أمّه بكنس المنزل، أو غسل ثيابه، أو أن تعدّ له الطعام، وهذا أمر غير لائق خاصّة في حال كانت الأمّ كبيرةً، أو عاجزةً، أو مريضةً، وأمّا إذا قامت الأمّ بكلّ هذه الأمور مع عجزها وضعفها فلا بأس في ذلك، وعليه أن يشكرها ويدعو لها.
  • أن ينتقد الطعام الذي تعدّه أمّه، وهذا الأمر يندرج تحته أمران محذوران، هما: أنّه قد عيّب على الطعام وهذا أمر غير جائز شرعاً، لأنّ النّبي - صلّى الله عليه وسلّم - لم يعيّب على أي طعام أبداً، والأمر الآخر أنّ في ذلك تقليلاً للأدب مع الأمّ، وتكديراً لها، وعدم احترام تعبها وعنائها.
*أن يترك مساعدتهما في شؤون المنزل، سواءً أكان ذلك في الترتيب أم في التنظيم، أو إعداد الطعام، وغير ذلك من الأمور.


أسباب عقوق الوالدين

إنّ من أهمّ الأسباب التي تؤدّي إلى أن يقوم الشّخص بعقوق والديه، ما يأتي: (4)

  • أن يكون المرء جاهلاً، لأنّ الجاهل يعدّ عدواً لنفسه، ولأنّ جهله بنتائج البرّ، سواءً العاجلة أم الآجلة منها، جعله يعقّ والديه، وصرفه ذلك عن البرّ بهما.
  • أن تكون تربيته في الأصل سيّئةً، لأنّ الوالدين إذا لم يقوما بتربية أبنائهما على البرّ، وصلة الرّحم، والتقوى، فذلك سيؤدّي إلى أن يصبحوا متمرّدين وعاقّين لوالديهم في حال كبرهم.
  • أن يكون الوالدان متناقضان، قيربيان أبناءهما على شيء ما ويعملان غيره أو نقيضه، فهذا الأمر يؤدّي إلى تمرّد الأبناء وعقوقهم لوالديهم في المستقبل، نتيجةً للتناقض الحاصل في تربيتهم وشخصيّتهم.
  • أن يكون للأبناء صحّبة سيّئة تحيط بهم، فهذا الأمر يؤدّي إلى إفسادهم، ويتجرّؤون بالتالي على عقوق والديهم، وهذا يؤدّي إلى إرهاق الوالدين، وضعف أثرهم في تربية أولادهم.
  • أن يكون الوالدان في الأساس عاقّين لوالديهما، وذلك أنّ الأبناء في هذه الحالة سيقتدون بوالديهما في عقوقهما لآبائهما، وأنّ الجزاء من جنس العمل كذلك.
  • أن لا يتقي الوالدان الله سبحانه وتعالى حال طلاقهما، فيبدأ كلّ منهما بإغراء الأطفال بالآخر، وتشويه صورة الطرف الثّاني أمامهما.
  • أن يفرّق الوالدان بين أبنائهما في أمور الحياة، ممّا يزيد الشّحناء والبغضاء بينهم، وبالتالي تزيد الكراهيّة بينهم، ويؤدّي ذلك إلى بغضهم لوالديهم، وقطيعتهم لهم.


المراجع

(1) بتصرّف عن كتاب بر الوالدين في ضوء الكتاب والسنة/ د. سعيد بن وهف القحطاني/ مطبعة سفير- الرياض/ الجزء الأول.

(2) بتصرّف عن فتوى رقم 5925/ وجوب مخاطبة الوالدين باحترام./ 17-10-2000/ مركز الفتوى/ إسلام ويب/islamweb.net

(3) بتصرّف عن كتاب عقوق الوالدين: أسبابه، مظاهره، سبل العلاج/ محمد بن إبراهيم بن أحمد الحمد/ موقع وزارة الأوقاف السعودية/ الجزء الأول.

(4) بتصرّف عن عقوق الوالدين: أسبابه - مظاهره - سبل العلاج/ محمد بن إبراهيم بن أحمد الحمد/ موقع وزارة الأوقاف السعودية.