كيفية قيام ليلة القدر

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٤١ ، ١٢ ديسمبر ٢٠١٦
كيفية قيام ليلة القدر

ليلة القدر

ميَّز الله سبحانه وتعالى شهر رمضان المُبارك من بين الشّهور، وميَّز من بين أيام شهر رمضان العشر الأواخر ولياليهن، وميَّز من بين تلك اللّيالي ليلة القدر، فهي خيرٌ من خيرٍ من خير، ولذلك تُعتبر ليلة القدر أهمّ ليلةٍ في شهر رمضان المبارك، وقد جعلها الله غير معروفةٍ ومُبهمةٍ بالنّسبة للمسلمين؛ حتى يجتهدوا في العبادة كلّ ليلة من ليالي العشر الأواخر، كيف لا وقد جعل الله أجر قيامها بأجر ألف شهرٍ، أي ما يُقارب أجر قيام ثلاثة وثمانين سنة وزيادة، قال تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ).[١]


كيفية قيام ليلة القدر

ليس لِليلة القدر صلاةٌ مَخصوصةٌ، إنّما تُقام تلك اللّيلة بكلّ طاعةٍ مُستحبّةٍ، وأفضل تلك الطّاعات الصلّاة، وأفضل الصّلاة قيام اللّيل وصلاة التّراويح، ويُؤجَر المسلم على قيامها بغير صلاةٍ إن عجز عن ذلك أو كان عنده شيءٌ يمنعه من الصّلاة كعذرٍ شرعيٍ مثلاً للنّساء، أو عملٍ ليليٍّ للرّجال، أو غير ذلك، وبيان الصّلوات التي تُقام بها ليلة القدر كما يأتي:


قيام اللّيل

  • القيام لُغةً: مصدر قَوَمَ، قام الشَّخْصُ: وقف ونَهَض، انتصب، وعكسُه قَعَد، كان قاعداً فقام، قام الأمرُ: ظهر واستقرَّ، وقام اللَّيل: صَلّى.[٢]
  • قيام اللّيل اصطلاحاً: الصّلاة تَطَوُّعاً والذِّكرُ ليلاً، وصلاة قيامُ اللّيل: هي ما يُصَلّى من النّوافل بعد صلاة العشاء قبلَ النَّوم،[٣] وقيل: هو قَضاءُ اللّيل كلّه أو ساعةً منه بالصّلاة أو الدّعاء أو غير ذلك، فلا يُشترط أن يكون القيام طوال اللّيل أو أكثره، بل يصحّ إن كان لساعةٍ أو ساعتين أو حتّى لجزءٍ قليلٍ منه، ويرى ابن عباس رضي الله عنهما أنّه يحصل بصلاة العشاء جماعةً، والعزم على صلاة الصّبح جماعةً، لقول الرّسول عليه الصّلاة والسّلام: (من صلّى العشاء في جماعة فكأنّما قام نصف اللّيل، ومن صلّى الصُّبحَ في جَماعة فكأنَّما صَلّى الليل كُلَّه).[٤] وقيل: معنى القيام أن يكون مُشتغلاً مُعظم اللّيل بطاعةٍ، وقيل: ساعةٌ منه، يَقرأ القرآن، أو يُسبِّح، أو يذكر الله، أو يسمع الحديث.[٥]


كيفيّة صلاة قيام اللّيل

يُستحبُ أن تُبدأَ صلاة قيام اللّيل بركعتين خفيفتين ثم تُكمَّل الصّلاة ركعتين ركعتين لما ورد عن رسول الله - عليه الصّلاة والسّلام- من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (صلاةُ الليلِ مَثْنى مَثْنى، فإذا رأيتَ أنَّ الصبحَ يُدركُك فأَوتِرْ بواحدةٍ، فقيل لابنِ عمرَ: ما مَثْنَى مَثْنَى؟ قال: أن تُسلِّمَ في كلِّ ركعتَينِ)،[٦] ولحديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ - رضي الله عنه - قال: قُلْتُ: (لَأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ - عليه الصّلاة والسّلام - اللَّيْلَةَ، فَتَوَسَّدْتُ عَتَبَتَهُ أَوْ فُسْطَاطَهُ (البيت من الشَعْر) فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - عليه الصّلاة والسّلام - رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ هُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً).[٧]


وبذلك تُصلّى صلاة القيام رَكعتين رَكعتين، ويجوز أن تُصلّى أربعاً أربعاً كالظّهر، ولكن الأفضل أن تُصلّى ركعتين ركعتين لفعله - عليه الصّلاة والسّلام- ذلك، أمّا عن هيئتها، فهي صلاة كغيرها من الصّلوات؛ تُفتَتَح بتكبيرة الإحرام، ثمّ دُعاء الاستفتاح، وقراءة سورة الفاتحة، وما تبع ذلك من ركوع وسجود، وعند الانتهاء من صلاة القيام يَختتمها بركعة وِتر.


صلاة التّراويح

  • تعريفها: صلاة التّراويح مفردها ترويحة ومصدرها (رَوَحَ)، وصلاة التّراويح: صلاة تؤدَّى في رمضان بعد صلاة العشاء، يستريح المُصلّي فيها بين كلِّ ركعتين، لذلك سُمِّيت بالتّراويح.[٨] تُؤدّى صلاة التّراويح كصلاة قيام اللّيل ركعتين ركعتين؛ لقول رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام- : (صلاةُ الليلِ مَثْنى مَثْنى، فإذا رأيتَ أنَّ الصبحَ يُدركُك فأَوتِرْ بواحدةٍ، فقيل لابنِ عمرَ: ما مَثْنَى مَثْنَى؟ قال: أن تُسلِّمَ في كلِّ ركعتَينِ).[٦]
  • عدد ركعاتها: ثبت أنَّ صلاةَ التّراويح عشرون ركعةً سوى الوتر، وقال المالكيّة: هي عشرون ركعةً دون الشَّفع والوتر.[٩] وروي عن ابن حبان (أنّ صلاة التراويح كانت في بداية الأمر إحدى عشرة ركعة، وكان الصّحابة يُطيلون في القراءة فثقل عليهم ذلك، فخفّفوا القراءة وزادوا في عدد الرّكعات؛ فكانوا يُصلّون عشرين ركعةً غير الشّفع والوتر بقراءة مُتوسّطة، ثم خفّفوا القراءة وجعلوا الرّكعات ستاً وثلاثين غير الشّفع والوتر، ومضى الأمر على ذلك).[١٠]


صلاة الوتر

  • الوتر لُغَةً: من وَتَرَ، والوتر: الفَرد، وتُلفَظُ وَتْر ووِتر بِالفَتح والكَسر.[١١]
  • الوتر في الاصطلاح: هي صلاةٌ مَخصوصةٌ في أوقاتٍ مَخصوصةٍ تُختَتَمُ بها صلاة اللّيل؛ سواء كان في أول اللّيل، أو وسطه، أو آخره، وتكون عدد ركعاتها فرديةً، ولذلك سُمِّيَت وِتراً.[١٢]
  • عدد ركعاتها: اختلف العُلماء في عدد ركعات صلاة الوتر وتفصيل ما ذهبوا إليه فيما يأتي:
    • ذهب الحنفيّة إلى أنَّ عدد ركعات صلاة الوتر ثلاث ركعاتٍ تُصلّى كالمغرب بتسليمةٍ واحدةٍ.[١٣]
    • ذهب المالكيّة إلى أنَّ أقلُّ صلاة الوتر ثلاث ركعات تُصلّى ركعتين ثم واحدةً، ويجوز أن تُصلّى أربعاً أو ستاً أو أكثر من ذلك، وتُختتم بركعة وترٍ واحدة.[١٤] واستدلّوا بحديث عائشة - رضي الله عنها - أن النّبي - عليه الصّلاة والسّلام - (كان يُصلّي باللّيل إحدى عشرة ركعةً يُوتر منها بواحدة).[١٥]
    • ذهب الشافعيّة إلى أنَّ أقلَّ الوتر واحدةٌ، وأدنى الكمال ثلاث ركعات، ويجوز أن يُوتر بخمسٍ أو بسبعٍ أو بتسعٍ، وأكثرها إحدى عشرة ركعةً، وقيل: ثلاث عشرة ركعة،[١٦] ودليلهم ما رُوِي عن النّبي - عليه الصّلاة والسّلام - أنّه قال: (من شاء أوترَ بسبعٍ ومن شاء أوترَ بخمسٍ، ومن شاء أوترَ بثلاثٍ، ومن شاء أوترَ بواحدةٍ).[١٧]
    • وقال الزهريّ: (هي في رمضان ثلاث ركعات وفي غيره ركعة)، وقال الحسن: (أجمَعَ المُسلمون على أنّ الوِتر ثلاثُ ركعاتٍ بتسليمةٍ واحدةٍ في آخِرِهِنّ؛ لأنّ الوتر من النّوافل، والنّوافل جاءت فرضيتها كتوابعَ للفرائض، فيجب أن يكون لها مثيلٌ منها، والرّكعة الواحدة ليس لها مثيلٌ في الصّلوات المفروضة)،[١٣] ومَثيلَتُها في الفرائض من حيث الإفراد في عدد الرّكعات صلاة المغرب فتُصلى كالمغرب؛ ثلاث ركعاتٍ بتسليمةٍ واحدة.
    • ذهب الحنابلة إلى أنَّ أقلَّ الوتر ركعةً، ولا يُكره الإتيان بها مُنفردةً كما يقول الشافعيّة، وأكثرها إحدى عشرة ركعةً، وله أن يُوتر بثلاث، وهو أقلّ الكمال، وبخمس، وبسبع، وبتسع.[١٨]


قيام ليلة القدر بالذِّكر وقراءة القرآن

من كان عاجزاً عن قيام ليلة القدر لعذرٍ أو انشغالٍ أو عملٍ وأراد أن يُقيمها بذكر الله وتحميده، وتسبيحه، والصَّلاة على رسوله، وقراءة القرآن، ومُذاكرة أحاديث المُصطفى - عليه الصّلاة والسّلام- فله ذلك، ويُحسب من الذّاكرين، ويُؤجر على قِيامه وذكره وقراءته، وينال أجر قيام ليلة القدر، وذلك لقوله عليه الصّلاة والسّلام: (مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخر سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ)،[١٩] قِيلَ: كَفَتَاهُ مِنْ قِيامِ اللَّيْلِ، قال الحافظ: (وقيل: معناه أجزأتاه فيما تعلّق بالاعتقاد، لِما اشتملتا عليه من الإِيمان والأعمال إجمالاً)، ثم ذكر أقوالاً أخرى، قال: (ويجوز أن يُراد جميع ما تقدّم والله أعلم). وعن أبي مسعود قوله: (من قرأ خاتمة البقرة أجزأت عنه قيام ليلة).[٢٠]


المراجع

  1. سورة القدر، آية: 3.
  2. أحمد مختار عبد الحميد عمر (2008)، معجم اللغة العربية المعاصرة (الطبعة الأولى)، بيروت: دار عالم الكتب، صفحة 1874، جزء 3.
  3. محمد رواس قلعجي، حامد صادق قنيبي (1988)، مُعجم لُغة الفقهاء (الطبعة الثانية)، عمان: دار النفائس، صفحة 276.
  4. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عثمان بن عفان، الصفحة أو الرقم: 656.
  5. مجموعة مؤلفين (1427هـ)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: دار الصفوة ، صفحة 117، جزء 34.
  6. ^ أ ب رواه مسلم، في صحيح مسلم ، عن عبدالله بن عمر ، الصفحة أو الرقم: 749.
  7. رواه مسلم بن الحجاج، في صحيح مسلم، عن زيد بن خالد الجهني، الصفحة أو الرقم: 765، صحيح.
  8. أحمد مختار عبد الحميد عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، بيروت: دار عالم الكتب، صفحة 955، جزء 2.
  9. عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري (2003)، الفقه على المذاهب الأربعة (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 310، جزء 1. بتصرّف.
  10. سيد سابق (1977)، فقه السنة، بيروت: دار الكتاب العربي، صفحة 206.
  11. عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، مشارق الأنوار على صِحاح الآثار، تونس: المكتبة العتيقة، صفحة 278، جزء 2. بتصرّف.
  12. أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح بن حمد بن محمد بن حمد بن إبراهيم البسام التميمي (2003)، توضِيحُ الأحكَامِ مِن بُلوُغ المَرَام (الطبعة الخامسة)، مكة المكرمة: مطبعة الأسدي، صفحة 427، جزء 2.
  13. ^ أ ب علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (1986)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 271-272، جزء 1. بتصرّف.
  14. القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي (1999)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (الطبعة الأولى)، بيروت: دار ابن حزم، صفحة 287-288، جزء 1. بتصرّف.
  15. رواه مسلم، في صحيح مسلم ، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، الصفحة أو الرقم: 736.
  16. أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي (1983)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج، مصر: المكتبة التجارية الكبرى، صفحة 225-226، جزء 2. بتصرّف.
  17. رواه الألباني، في صحيح النسائي، عن أبو أيوب الأنصاري، الصفحة أو الرقم: 1712.
  18. عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري (2003)، الفقه على المذاهب الأربعة (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 306، جزء 1.
  19. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عقبة بن عمرو بن ثعلبة أبو مسعود، الصفحة أو الرقم: 4008.
  20. فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي (2002)، تطريز رياض الصالحين (الطبعة الأولى)، الرياض: دار العاصمة، صفحة 593.
637 مشاهدة