كيف أؤمن بالله

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٦:١٧ ، ٢ أبريل ٢٠١٧
كيف أؤمن بالله

الإيمان بالله

الإنسان مخلوق من مخلوقات الله عزّ وجلّ، وصلاح حياته وفسادها مرهون بإيمانه بالله سبحانه عزّ وجلّ واتباعه للحق، وطاعته فيما أمر واجتنابه ما نهى، فإذا آمن بالله وحده واتبع هداه واتبع أوامره واجتنب نواهيه وعبده حق عبادته فقد صلحت حياته، وإن كفر بخالقه، وبما أنزل من الحق ولم يجتنب ما حرّم الله فسدت حياته، وعلى الإنسان معرفة الأمور التي توصله للإيمان بربه عزّ وجلّ.


معنى الإيمان

يُعرّف الإيمان في اللغةً بأنه: مصدر آمنَ يُؤمنُ إيماناً، فهو مؤمنٌ، وهو من الأمن الذي هو ضد الخوف، فهو مشتقٌّ من الأمن أي: القرار والطّمأنينة، ويرتبط معنى الإيمان في اللغة بالإيمان بالمعنى الشرعيّ، فهو استقرار الإيمان في القلب بمُطلَق التّصديق والانقياد لله سبحانه،[١] وفي اللغة عدة معانٍ للإيمان منها: التّصديق، أو الثّقة، وقيل: الطّمأنينة، وقيل: الإقرار، ولكلمة إيمان عند العرب استعمالان هما:

  • الإيمان بمعنى التأمين: الذي يشمل إعطاء الأمان، الذي هو ضدّ الخوف، ومنه قوله سبحانه: (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف)،[٢] ويشمل أيضاً معنى الحفظ والوقاية، كما جاء في الحديث النبوي: (النّجومُ أمَنَةٌ للسماءِ، فإذا ذهبتِ النّجومُ أتى السّماءَ ما توعَد، وأنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهَبتْ أتَى أصحَابي ما يوعَدون، وأصحابي أمَنَةٌ لأمّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمّتي ما يُوعدون)،[٣]
  • الإيمان الذي هو بمعنى التّصديق، ومنه قول الله عزّ وجلّ في سورة يوسف: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)،[٤] أي: لست بمُصدِّق.[١]


أما تعريف الإيمان في الاصطلاح فقد عُرّف بعدة تعريفات، منها أنه: قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح يزيد وينقص.[٥] والإيمان عند الحنفية: هو قولٌ باللّسان، واعتقاد بالجَنان.[٦]


كيفية الإيمان بالله

يمكن الوصول إلى الإيمان بالله من خلال العقل والفطرة، فإنّ الفطرة السليمة مجبولة على الإيمان والتديُّن، كما أنَّ العقل البشري لا يتعارض مع وجود الله بل يدعو إلى ذلك ويُدلّل عليه، كما أنّ الإيمان بخالقٍ مدبّرٍ للكون أقرب للعقل والمنطق من أن تكون تلك المخلوقات قد نشأت ووُجِدت بمفردها دون تدخّل خالق في إنشائها وتكوينها، ومما يُمكن من خلاله الاستدلال على الإيمان بالله ما يلي:[٧]

  • الاستدلال على وجود الله من خلال الفطرة السليمة: فإنّ كل المخلوقات قد فُطِرت على الإيمان بخالقٍ وإله واحد، من غير سبق تفكير أو نظر في الكون وعجيب خلق الله، ولا يحيد عن هذه الفطرة إلا ما جاء بطريق الاكتساب، بأن تتغير تلك الفطرة بتأثير من الأهل أو المجتمع.
  • الأدلة العقلية الموصلة إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى؛ فإنّ الناظر بتدبُّرٍ إلى المخلوقات، والكواكب، والمجرّات، والبحار، والسماوات، والمحيطات، وما تحوي كل تلك من دوابٍ وهوامٍ، سيصل إلى أنها لم تأتِ عبثاً، ولم تُنشأ بطريق الصدفة، بل إنّ لها خالقاً مُدبّراً، خلقها وقدَّر صورها وهيئاتها، وهيّأ لكل مخلوقٍ ما يلزمه لضمان بقائه، فكل تلك المخلوقات وما أعقبها من نظام كونيّ بالغ الدقة لم تأتِ بطريق المصادفة فضلاً عن أن تَخلق نفسها بنفسها، فكل حادثٍ لا بُدَّ له من مُحدِث: إذا وصل الإنسان لنتيجةٍ تقضي بأنّ هذه الخلائق لا بدّ لها من خالق فقد استقرّ في نفسه أن كلّ حدثٍ لا بُدّ له من مُحدِث، أي أنّ تلك الخلائق لا بد لها من خالق، وهو المستحقّ بالعبادة، والشكر على ما هيّأ للإنسان من وسائل الراحة التي تُعينه في السير في حياته، والقدرة على البقاء في الدنيا.
  • مما يؤدي بالمرء إلى الإيمان بالله حقيقةً بعد أن يعاين إعجاز الله في كونه ويشاهده ما يلي:[٨]
    • إعجاز الله في خلق السموات والأرض: تدلُّ الآيات الكونية العديدة على عظيم قدرة منشئ هذا الكون وخالقه، وعلى عظيم خلق الله وقدرته، فخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ومع هذه السرعة العالية في خلقهنّ فإن خلقهنّ كان بأعلى درجةٍ من الإبداع والإتقان، فرفع السموات بلا أعمدة، وهو ما لا يمكن تصوُّره بالمنظور البشري، وقد أُشير في كتاب الله إلى أن ذلك كان من إعجاز الله في كونه، وأنّ الله يتصرَّف في رفع السموات بأمره، فهو يمسكها إمساكاً يليق بجلاله، وبيده وحده حفظ السموات والأرض من أن تزول، ولإن زالتا لزال معهما الوجود كاملاً، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)،[٩] يقول علماء الفلك: (لو حاولنا استبدال قوى الجاذبية التي خلقها الله بين السموات والأرض بأعمدة فإننا نحتاج إلي ما يزيد عن مليار عمود قطر الواحد منها خمسة أمتار يفصل بين كل منهما مسافة عمود واحد، وأصبحت الحياة على الأرض مستحيلة) وهذا اللأمر لا يُمكن تخيُّل وجوده على الحقيقة، إذ تتعذر مع ذلك الحياة، وذلك يدلُّ على عظيم صُنع الله وإبداعه في خلقه).
    • إعجاز الله في خلق المجرات، وما فيها من كواكب ونجوم وأقمار: حيث يدلُّ وجود الكواكب العديدة المتوزّعة بين المجرّات، والأقمار الكثيرة واسعة الانتشار، والنجوم الهائلة المتلألئة على عظيم خلق الله سبحانه وتعالى، حيث تتسع تلك المجرات والكواكب والأقمار والنجوم، وتسبح في السماء المنظورة المعاينة بسرعةٍ رهيبةٍ، كما تدور في فَلَك السماوات دون أن تصطدم ببعضها البعض، فكل شيءٍ يجري فيما قُدِّر له السير فيه، دون أن يحدث في ذلك خللٌ أو خطأ على كثرة تلك الأقمار والكواكب والنجوم وتعددها، ويتمُّ ذلك وفق نظامٍ متناسقٍ عالي الدقة، قال الله سبحانه وتعالى: (وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ*وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ*لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).[١٠]
    • سخر الله سبحانه وتعالى القمر، وجعله آية من آياته ومن دلائل قدرته وعظمته، فهو يستمد القمر نوره من الشمس، ويعكس هذا الضوء على الأرض، ويتحرك وفق نظام دقيق، وتحدث بسبب ذلك ظاهرة تحوّل القمر من هلال إلى بدر في نظام بديع، ويحدث بسبب ذلك الليل والنهار، والشروق والغروب، قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )[١١](لقمان:29 ﴾ وقال الله تعالى أيضاً: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)[١٢] كل هذه الآيات والدلائل تشهد على عظيم قدرته سبحانه وتعالى في هذا الكون الشاسع الذي يجري فيه كل شيء وفق نظام دقيق ومحكم قدّره الله سبحانه دون خلل أو اضطراب.
وبذلك تعيَّن أن يكون الخالق هو الله تبارك وتعالى، فقد روى الصحابي الجليل جبير بن مطعم أنه قال: (سمعتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقرأُ في المغربِ بالطُّورِ، فلمَّا بلغَ هذه الآية: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ*أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ*أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ)[١٣] كادَ قلبِي أنْ يطيرَ. قالَ سفيانُ: فأمَّا أنَّا، فإنَّما سمعتُ الزهريَّ يحدِّثُ عن محمدِ بن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، عن أبيهِ: سمعتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقرأُ في المغربِ بالطورِ. لم أسمَعْهُ زادَ الذي قَالُوا لِي).[١٤]


تعزيز الإيمان بالله

يُعتبر ضعف الإيمان من الأمراض التي تصيب القلوب المؤمنة، بل ومن أخطرها؛ بسبب ما ينشأ عنها من وقوع العبد في المعاصي والآثام، وترك للواجبات، وقسوة للقلب، والغفلة عن ذكر الله، إلى غير ذلك مما ينشأ عن ضعف الإيمان، وحتى يتخلّص العبد من هذا المرض لا بدّ له من السعي إلى ما يقوّي به إيمانه مثل:[١٥]

  • المحافظة على أداء الصلوات في أول وقتها.
  • المحافظة على الورد اليوميّ من القرآن الكريم.
  • المحافظة على قراءة الأذكار؛ أذكار الصباح والمساء، والأذكار التي عقب الصلوات.
  • الصدقة ولو بشيء يسير من المال.
  • التأمل في آيات الله الكونيّة؛ من سماء، وأرض، وجبال، وسهول، وبحار، وأنهار، وغير ذلك الكثير.
  • العلم بأسماء الله وصفاته.
  • التأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
  • حضور مجالس الذكر وسماع المواعظ الإيمانيّة بشكل مستمرّ.
  • مراقبة النفس ومحاسبتها على تقصيرها.
  • الإكثار من ذكر الموت، والاعتبار بالصحة والعافية.


المراجع

  1. ^ أ ب مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف، "تعريف الإيمان لغة"، الدرر السنيّة-الموسوعة العقدية، اطّلع عليه بتاريخ 21/2/2017. بتصرّف.
  2. سورة قريش، آية: 4.
  3. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي موسى الأشعريّ، الصفحة أو الرقم: 2531.
  4. سورة يوسف، آية: 17.
  5. حياة بن محمد بن جبريل (2002)، الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة (الطبعة الأولى)، المدينة المنورة-المملكة العربية السعودية: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، صفحة 541، جزء 1. بتصرّف.
  6. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية، الرياض: دار العاصمة للنشر والتوزيع، صفحة 146.
  7. محمد صالح المنجد، "معنى الإيمان بالله"، الإسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 20-3-2017. بتصرّف.
  8. فريق عمل الموقع (21-10-2015)، "دلائل قدرة الله في الكون"، معرفة الله، اطّلع عليه بتاريخ 2-4-2017.
  9. سورة فاطر، آية: 41.
  10. سورة يس، آية: 38-40.
  11. سورة لقمان، آية: 29.
  12. سورة فصلت، آية: 37.
  13. سورة الطور، آية: 35-37.
  14. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن جبير بن مطعم، الصفحة أو الرقم: 4854، صحيح.
  15. أسماء بنت راشد الرويشد، طريقك إلى تقوية إيمانك، السعودية: دار الوطن للنشر، صفحة 28-49. بتصرّف.