كيف أجعل قلبي يخشع

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٠:٣١ ، ٢١ أغسطس ٢٠١٧
كيف أجعل قلبي يخشع

الخشوع

تمرُّ على الإنسان من حينٍ إلى آخر أوقاتٌ يشعر فيها بالضِّيق، ويعتري قلبَه الإحساسُ بالقسوة وعدم التأثُّر عند سماع كلام الله تعالى من القرآن الكريم، أو عند تلاوته، أو أثناء أدائه الصّلوات، ممّا يؤدّي إلى فتورٍ في علاقته مع الله تعالى، وقد يحدث هذا نتيجةً لأمرٍ عارضٍ يُصيب القلب، ألا وهو عدم الخشوع، وفيما يأتي تعريفٌ لمعنى الخشوع، وبيانُ كيفيّة استحضاره وجعل القلب عامراً به، وذِكر بعض ثمراته.


تعريف الخشوع

الخشوع لُغةً

الجذر اللّغويّ لكلمة الخشوع هو خَشَعَ؛ الخاء والشين والعين أصلٌ صحيحٌ واحدٌ دالٌّ على الطّمأنينة والاستِكانة، يُقال: خشع فلانٌ؛ إذا اطمأنّ وطَأطَأ رأسه، والخشوع قريبٌ في معناه من الخضوع، إلّا أنَّ الخضوع يكون في الجسد وحسب، أمّا الخشوع فيكون في الصَّوت والبصر كذلك،[١] ومنه قول الله تعالى: (...وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا)،[٢] وقوله تعالى: (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ...)،[٣] وخَشَعَ واختَشَعَ: إذا رمى ببصره اتجاه الأرض وغضَّه، وأخفض من صوته، ويُقال في اللُّغة: أرضٌ خاشِعةٌ؛ أي هامِدةٌ لا ماء ولا خُضرَة فيها.[٤]


الخشوع اصطلاحاً

تعدَّدت تعريفات الخشوع عند العُلماء؛ فمنهم مَن عرَّفه بأنَّه الانقياد والإذعان للحقِّ، ومنهم من قال: إنَّ الخشوع هو خضوع القلب بين يدَي الله تعالى والتَّذلُّل له، وقيل: إنَّه معنىً يقوم في النَّفس، ينتج عنه سكونٌ في الأطراف بما يُلائم ويناسِب مقصودَ العبادة.[٥]


طرق استِحضار الخشوع في القلب

أوْلَت الشَّريعة الإسلاميَّة بهَدْيِها وتعاليمها اهتماماً عظيماً بالقلب، وحثّت النّصوص الشَّرعيَّة من آياتٍ قرآنيَّةٍ وأحاديث نبويَّةٍ على إصلاح القلب وتولّيه بالعناية والتّهذيب؛ لأنّه ركيزة صلاح الإنسان وفلاح عمله، ومن ذلك ما رُوِي عن النَّبيّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- أنَّه قال: (ألا إنّ في الجسدِ مُضغَةً، إذا صَلَحتْ صلَحَ لها سائرُ الجسدِ، وإذا فَسَدتْ فَسَد لها سائرُ الجسدِ، ألا وهِي القلبُ)،[٦] والقلب كذلك هو محطُّ نظر الله تعالى، وهو مكمن التّفاضُل بين العِباد؛ لأنَّ الله تعالى ينظر إلى القلوب والأعمال لا إلى الأشكال والأموال، ومن ذلك ما رُوِي عن النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- أنَّه قال: (إنّ اللهَ لا ينظرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أموالِكم، وإنّما ينظرُ إلى قُلوبِكم وأعمالِكم)؛[٧] فالقلب هو محكُّ الإيمان، ومِعيار صلاح الأعمال والأحوال، ومحلُّ التّقوى ومستودعها.


ذكر العلماء أعمالاً عدَّةً تستحضر الخشوع لله تعالى في القلب، وتُمكِّنه من المُداومة عليه، ومن هذه الأعمال:[٨]

  • الإكثار من ذكر الله تعالى والمداومة عليه، لقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)،[٩] ففي ذكر الله تعالى سكينةٌ للنّفس وطمأنينةٌ للقلب، فيخشع القلب وتخشع لخشوعه الجوارح.
  • التوجُّه بالدُّعاء لله تعالى، والإلحاح عليه في أن يُرقِّق القلب، ويجعله خاشعاً له ويُثبّته على ذلك، ومن ذلك ما رَوَته أمُّ سلمة -رضي الله عنها- عن النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام: (كانَ أَكْثرُ دعائِهِ: يا مُقلِّبَ القلوبِ، ثبِّت قلبي علَى دينِكَ، قالَت: فقُلتُ يا رسولَ اللَّهِ ما أَكْثرَ دعاءِكَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قَلبي علَى دينِكَ! قال: يا أمَّ سلمةَ إنَّهُ لَيسَ آدميٌّ إلَّا وقلبُهُ بينَ أصبُعَيْنِ من أصابعِ اللَّهِ، فمَن شاءَ أقامَ ومن شاءَ أزاغَ، فَتلا معاذٌ: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)[١٠]).[١١]
  • التزام أوامر الله تعالى، والمحافظة على أداء ما فرضه من العبادات من صلاةٍ وغيرها وعدم التفريط فيها؛ لأنَّ في أدائها حفظاً للقلب وربطاً له بالله تعالى، فيخشع ويرقُّ ويتجنّب كلَّ سيِّئٍ وقبيح، وفي ذلك يقول الله تعالى عن الصَّلاة: (...وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ...)،[١٢] فمتى التزم الإنسان أوامرَ الله تعالى واجتنب نواهيه صان قلبه عن كلِّ سوءٍ، فيرقُّ ويلين ويخشع.
  • الإكثار من الطّاعات غير المفروضة من النَّوافل والقُرُبات، مثل: قيام الليل، والصِّيام المَسْنون، وغيرها؛ لأنَّ في ذلك مَدعاةً للقُرب من الله تعالى ومن ثمّ مَحبَّته، فيأنس القلب بالله تعالى، ويرقُّ ويخشع له، ومن ذلك ما رواه النَّبيّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- عن الله تعالى في الحديث القُدسيّ: (إنَّ اللهَ قال: من عادَى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحربِ، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضتُ عليه، وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أُحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الَّذي يسمَعُ بهِ، وبصرَه الَّذي يُبصِرُ به، ويدَه الَّتي يبطِشُ بها، ورِجلَه الَّتي يمشي بها، وإن سألني لأُعطينَّه، ولئِن استعاذني لأُعيذنَّه، وما تردَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه ترَدُّدي عن نفسِ المؤمنِ، يكرهُ الموتَ وأنا أكرهُ مُساءتَه).[١٣]
  • الإحسان إلى النَّاس، ومعاملتهم برِقّةٍ، ومُخاطَبتهم بلِين، فيبادله النَّاس الإحسان بمثله، فتتطهّر قلوبهم جميعاً وتلين، وهذا سبيلٌ لتحقُّق خشوع القلب.
  • تذكُّر الموت واليوم الآخر والحساب؛ لأنَّ في تذكُّرها ترقيقاً للقلب، فيخشع لتذكُّر المَآل والمَصير الذي سينتهي إليه، وأنَّه سيلقى الله تعالى، ويقف بين يدَيه.
  • تحرِّي الحلال في طلب الرّزق، وكسبه بالوجوه المشروعة؛ لأنَّ في الكسب الخبيث وأكل الحرام تقسيةً القلب وإماتتَه.
  • الحرص على حضور مجالِس العلم والذِّكر؛ لأنَّ فيها تذكيراً للقلب بالله تعالى، فيخشع ويلين.
  • الإكثار من التَّوبة والاستغفار والرجوع إلى الله تعالى؛ فقد نُقِل عن ابن القيِّم قوله: (صدأ القلب بأمرَين: بالغفلَة، والذَّنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار، والذِّكر).


ثمرات الخشوع

إنَّ للخشوع فوائد وثمراتٍ عديدةً، يجنيها العبد الذي يخشع قلبه، ومن الفوائد والثَّمرات ما يأتي:[١٤]

  • إذا خشع قلب العبد، ذاق طعم الأُنس بالله تعالى وحلاوة محبّته، فينعكس ذلك على سعادته وراحة نفسه وطمأنينتها، فتطيب حياته وعلاقته ومعاملاته مع النَّاس مِن حوله.
  • نيل رضوان الله تعالى، والفوز بجنّته.
  • الخشوع يورِث في القلب مخافة الله تعالى وتقواه، واستشعار مُراقَبته في الأحوال والأوقات كلّها.
  • الخشوع يدفع مُلتزِمه إلى غضِّ البصر عن المُحرَّمات، وخَفْض الجناح، والتّواضع للنَّاس.
  • الخشوع مدعاةٌ للقبول والفَلاح في الدُّنيا والآخرة إذا كان حاضراً في العبادات، مثل: الصَّلاة، وتلاوة القرآن، وغيرها.
  • لا تأثير لوسوسات الشّيطان في من خشع قلبه، ولا يتأذّى من محاولاته في إلهائه وإشغاله عن ذكر الله تعالى، وعبادته وأدائه لها بخشوع.


المراجع

  1. ابن فارس (2002)، مقاييس اللغة، دمشق: اتّحاد الكتاب العرب، صفحة: 146، جزء: 2. بتصرّف.
  2. سورة طه، آية: 108.
  3. سورة القلم، آية: 43.
  4. ابن منظور (1414هـ)، لسان العرب (الطبعة الثالثة)، بيروت: دار صادر، صفحة: 71-72، جزء: 8. بتصرّف.
  5. صالح بن حميد وآخرون، نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (الطبعة الرابعة)، جدة: دار الوسيلة، صفحة: 1824-1825، جزء: 5. بتصرّف.
  6. رواه ابن تيمية، في مجموع الفتاوى، عن النعمان بن بشير، الصفحة أو الرقم: 13/40، حديثٌ صحيح.
  7. رواه ابن تيمية، في مجموع الفتاوى، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 11/130، حديثٌ صحيح.
  8. خالد البليهد، "علاج قسوة القلب"، صيد الفوائد، اطّلع عليه بتاريخ 27-3-2017. بتصرّف.
  9. سورة الرعد، آية: 28.
  10. سورة آل عمران، آية: 8.
  11. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن أم سلمة بنت أبي أمية، الصفحة أو الرقم: 3522، حديثٌ حسن.
  12. سورة العنكبوت، آية: 45.
  13. رواه البخاري، في صحيح البخاريّ، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 6502، حديث صحيح.
  14. صالح بن حميد وآخرون، نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (الطبعة الرابعة)، جدة: دار الوسيلة، صفحة: 1837، جزء: 5. بتصرّف.