كيف أدعو الله فيستجيب لي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٠٨ ، ٦ ديسمبر ٢٠١٦
كيف أدعو الله فيستجيب لي

حقيقة الدّعاء

الدّعاء هو أن يتوجّه الإنسان إلى الله تبارك وتعالى طالباً منه أن يُحقّق لهُ حاجاتهُ ومُتَطَلباتِه، وهو طلبُ العونِ من الله بأن يمنحَهُ من النِّعَم العظيمة التي يُنعِمُ بها على خَلقِهِ من جميعِ أنواعِ الخيرِ.[١] وفي الدّعاءِ يتعلّقُ قلب المُسلم بالله، وتتوثّقُ صلة العبد المُسلمِ بخالقهِ تباركَ وتعالى؛ لأنّ المُسلمَ حينَ يرفعُ كفَّيه راجياً ربه يُوقنُ أن لا حاجزَ بينه وبين الله، ولا وسائط، ولا واسطات، بل الحبلُ وثيقُ الصّلةِ بالله،[٢] الخالقُ العظيم، مُبدعُ الكون الذي بيده الخيرَ كلَّه، ولا يُعجِزُهُ شيءٌ في الأرضِ ولا في السّماء، فيمنحُ ما يشاءُ لمن يشاءُ من عباده، ويشملهُ بنعمتهِ ورحمتهِ ومنِّه وكرمِه،[٣] فهو تبارك وتعالى مُدبّر شؤون الخلق جميعاً بحكمته وقدرته، وهو الذي يملك النّفعَ والضُّر، فلا نافع حقيقةً إلا بإذنه، ولا ضارّ إلا بإذنه؛ ولذلك كان الدّعاءُ عبادةً.[٤] وبما أنّ الدّعاء عبادةٌ فيجب أن تكون خالصةً للهِ سبحانه وتعالى، مثلها كمثل أيّ عبادةٍ أُخرى، كالصّلاة والصّوم، فكما أنّ الصّلاة تكون لله وحده؛ لأنّ الصّلاة عبادةٌ، فكذلك الدّعاء يكون لله وحدهُ؛ لأنّ العبادةُ لا تكون إلا لله وحده لا شريك له.[٥]


أهميّة الدّعاء وفضله

للدّعاء والتَوجّه إلى الله تبارك وتعالى بالطّلب والرّجاء وتمنّي ما عند الله من خير ونعمة فضلٌ عظيمٌ وأهميةٌ بالغةٌ تتمثّل بما يأتي:[٦][٧]

  • استشعار عظمة الله تعالى وقدرته، وأن الله تعالى بيده كلّ شيء، وأنّه سبحانه هو النّافع الضّار، فلا يُطلَبُ شيءٌ إلا من العظيم مالك كل شيء ومليكه.
  • توثيق الصّلة بالله تعالى والشّعور بالقرب منه، فالله سبحانه يُحبّ العبد اللّحوح كثير اللّجوء إليهِ بالدّعاء، الذي يدعو ويُلحّ بالدّعاء، أي يُكثِر من الدّعاء، ويُكثِر من مُناجاة الله تبارك وتعالى، ويُكثِر من الطّلب والسّؤال من الله تعالى، الخير كلّهُ في الدّنيا والآخرة.
  • الشّعور بالطُمَأنينة وهدوء النّفس واستقرارها، فالمُؤمنُ يُدرِك أنَّهُ يدعو الله، وهو ربٌّ كريمٌ قريبٌ سميعٌ مُجيب، فإذا علم الإنسان ذلك اطمأنّت نفسهُ، وعلم أنّه بجوار وحماية من لا يُخشى جواره، وهذا من شأنهِ أن يُساعد على انطلاق المُؤمن في الكون يُجِدُ ويَجتَهِدُ، ويُؤثّرُ إيجابيّاً في نظرة الإنسان وسلوكه قولاً وعملاً، وإيماناً وصلاحاً.
  • إنّ الله سبحانه وتعالى يُكافِئ صاحب الدّعاء حينما يدعو، فإمّا أن يستجيبَ لهُ الدّعاءَ وإما أن يدَّخر له هذا الدّعاء للآخرة، فيكون ثوابه في الآخرة أعظم ممّا لو تمّت إِجابتهُ في الدّنيا. جاء في الحديثِ الذي يرويهِ أبو هريرة أنّ رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام- قال : (ما من رجل يدعو بدعاءٍ إلا استجيبَ لهُ فإما أن يُعجّل له في الدنيا، وإما أن يُؤخَر لهُ في الآخرةِ وإما أن يُكفِر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا، مالم يدعُ بإثمٍ أو قطيعةِ رحم أو يستعجل فيقول : دعوت ربي فما استجاب لي).[٨]
فالحديث يوضّح بكل صراحةٍ أنّ كل دعاءٍ يدعوهُ المسلمُ يستفيد منه إمّا فائدةً فوريّةً بأن يستجيب اللهُ له الدّعاء كما طلب، وإمّا أن تكون الفائدة في الآخرة بأن ينعم الله عليه بنعمٍ جزيلةٍ في الآخرة، وخيرٍ عظيمٍ في الجنّةِ مُقابل هذا الدّعاء الذي دعا به في الدّنيا فادّخرالله له خير هذا الدّعاء للآخرة ليُجزيه عليه نعيماً في الجنّةِ أو كفّارة ذنوبٍ ومغفرةٍ، ولكنّ كل ذلك مشروطٌ بأن لا يدعو بِشَراً أو إثماً، أو أن يكون في دعائه قطيعةُ رحم، وبشرط ألا يستعجل الإجابة، ويُطلِق من الألفاظ ما فيه تجاوز وقلّة أدبٍ مع الله، كأن يقول: دعوت الله فلم يستجب لي.


كيف أدعو الله فيستجيب لي

  • الطّريقة الصّحيحة للدّعاء أن يُبدأَ بحمد الله تعالى، والثّناء على الله سبحانه وتعالى بما يستحقّ، ثم الصّلاة والسّلام على النبي -عليه الصّلاة والسّلام-، وبعد حمد الله والثناء عليه والصّلاة والسّلام على رسوله، ينتقل المُسلم للدّعاء والطّلب، وعرض حاجته وفقره إلى الله تعالى بكل خشوعٍ، وحضور قلبٍ، واستيعابٍ لمعنى ما ينطق ويقول، ويتوجّه إلى الله بالدّعاء مع اليقين أنّ الله سبحانه وتعالى سيستجيب الدّعاء، ولعل المُسلم يتعلّم هذه الطّريقة في الدّعاء من سورة الفاتحة، وطريقة عرضها للدّعاء، حيث بدأت بحمد الله تعالى والثّناء عليه؛ فهو الرّحمن الرّحيم، وهو مالك يوم الدّين، وهو الوحيد المُستحقّ أن يُتَوجَه له بالخضوع وبالعبادة والاستعانة.[٩] وقد علَّم رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام- المسلمين إذا أرادوا أن يدعوا في الحديث الذي يرويه فضالة بن عبيد -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام- قال: (إذا صلَّى أحدكم، فليبدأ بتحميد الله تعالى، والثناء عليه، ثم ليصلي على النبي -عليه الصّلاة والسّلام-، ثم ليدعو بما شاء).[١٠]
  • أن يتوجّه المُسلم إلى الله بالدّعاء في كل وقتٍ، في الرّخاء والشّدة، فيبقى قلبه مُعلّقاً بالله في وقت الرّاحة والرخاء، ويُسمِعُ صوتَه لله في كلّ ساعةٍ وفي كل حين، وذلك أدعى أن يستجيب الله لهذا الإنسان إن وقع في ضيقٍ وشِدّةٍ.[١١]
  • خفض الصوت أثناء الدّعاء.[١٢]
  • أن يتضرّع المُسلم إلى الله في دعائه، ويُلِحُّ على الله في الدّعاء.[١٢]
  • أن يذكر المُسلمُ نِعَم الله عليه ويعترف بها ويعترف بفضل الله عليه ومنِّه وكرمه.[١٢]
  • البعد عن التكلّف في الدّعاء، فلا يتكلّف الإنسان أثناء الدّعاء، بل يبتعد عن السّجع ونحوه، ويدعو بكل خشوعٍ، ويجعل همّه عرض حاجته وفقره إلى الله.[١٢]
  • أن يُكرّر المُسلم الدّعاء ثلاثاً، وهو من السّنة وممّا ورد عن الرّسول -عليه الصّلاة والسّلام- في كيفيّة الدّعاء.[١٣]
  • الأفضل أن يستقبل المُسلمُ القِبلةَ أثناءَ الدّعاء، وهو أفضل وأدعى إلى الإجابة بإذن الله.[١٣]
  • رفع اليدين أثناء الطّلب والدّعاء، ففي رفع اليدين إظهارٌ لافتقار المُسلم لما عند الله من خير.[١٣]


أفضل الدّعاء

لا شكّ أنّ الإنسان الذي تعلّق قلبهُ بالله سبحانه وتعالى إذا أرادَ أن يُناجي اللهَ فإنَّه يتحرَّى أن يدعو بأفضل الدّعاء، وأفضلُ الدّعاء هو ما كان من القرآن والسُنّة،[١٤] وما كان جامعاً للخير؛ فالإنسان فقير إلى الله سبحانه وتعالى يحتاج إلى كلّ خير من عند الله، وأفضل الدّعاء هو ما كان يدعو به النبيّ محمد -عليه الصّلاة والسّلام- وقد ورد عن النّبي -عليه الصّلاة والسّلام- أنّه كان يُكثِر من الدّعاء بطلب الخير في الدّنيا والآخرة. رُوي عن أنس -رضي الله عنه- أنّه قال: (كان أكثر دعاء النّبي -عليه الصّلاة والسّلام-: اللّهم آتنا في الدّنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النّار).[١٥]


كان عليه الصّلاة والسّلام يُكثر من الأدعية الجامعة التي فيها طلب الصّلاح للمُؤمن في كلّ جوانب دنياه وآخرته، ولا يَكاد يخلو جانب من جوانب الدّنيا والآخرة إلا ولرسول الله -عليه الصّلاة والسّلام- دعاءٌ فيه، فالأولى أن يدعو المسلم بهذه الأدعيةِ الجامعةِ كما وردت عن رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام-، فإن لم يفعل لقلة المعرفة، أو قد يكون أميّاً لا يقرأُ ولا يكتب، أو لم يصلهُ دعاء الرّسول -عليه الصّلاة والسّلام-، فإنّه يجتهد بأن يدعو مُناجياً الله سبحانهُ وتعالى من قلبه، فيدعو بكل بساطةٍ بما يتيسّرُ لهُ من لفظٍ، ويُخلِصُ في الدّعاءِ، ويُلحُّ على الله في الطّلبِ ولا يملّ، فالله سميعٌ مُجيبٌ، واللهُ قريبٌ مُطّلعٌ وعالمٌ بما في الصّدور، وهو القائلُ في مُحكمِ التّنزيل في القرآن الكريم مُخاطباً النّبي محمداً -عليه الصّلاة والسّلام-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)،[١٦] وكان النّبي -عليه الصّلاة والسّلام- يدعو بصلاح الدّين، وصلاح الدّنيا، وصلاح الآخرة، وأن تكون الحياة زيادةً في الخير للإنسان، وأن يكون الموت راحةً من كلّ شرّ، فقد رُوِي عنه -عليه الصّلاة والسّلام- أنّه كان يقول: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دُنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خير، واجعل الموت راحةً لي من كل شر).[١٧]


أفضل الأوقات للدعاء

يُستحبّ الدّعاء في كل حين، ولكن هناك أوقاتٌ يكون الدّعاء فيها أكثرُ استحباباً من غيرها، بل هي أوقاتٌ ومواضعُ قد تكون زمانيّةً أومكانيّةً يكون الدّعاء فيها أدعى لاستجابة الله سبحانه وتعالى تعظيماً من الله تبارك وتعالى لتلك الأوقات والأماكن، وأفضل مواقيت الدّعاء إن صحّ التّعبير زمانيّاً ومكانيّاً تتلخص بما يأتي:[١٨]

  • الدّعاء بين الأذان والإقامة.
  • الدّعاء في السّجود؛ لأن الإنسان يكون أقرب ما يكون إلى الله وهو ساجد.
  • الدّعاء بعد الصّلوات المفروضة.
  • الدّعاء عند نزول المطر.
  • الدّعاء عند التقاء الصّفوف في سبيل الله، ويُقصَد به التقاء صفوف المُجاهدين في سبيل الله عند الجهاد ومُقاتلة الأعداء.
  • الدّعاء عند إقامة الصّلاة.
  • من الأماكن الفاضلة والأوقات الفاضلة للدّعاء عند القدوم إلى الحرم المكيّ ورؤية الكعبة.
  • من أفضل الأوقات للدّعاء في الثّلث الأخير من اللّيل.
  • دعوة المظلوم مُستجابةٌ؛ ولذلك ينبغي على الإنسان أن يحذر الظّلم حتّى لا يدعو عليه من ظلمه فيستجيب الله دعوة المظلوم.
  • دعاء المُسافر؛ فإذا سافر الإنسان فعليه أن يستغلّ سفره بالإكثار والإلحاح على الله بالدّعاء.
  • دعاء الوالد مستجابٌ كذلك؛ ولذلك على الإنسان أن يحرصَ على رضى والده ليدعو له بالخير، وأن يحذر من عقوقه ويحذر من دعاء والده عليه.


المراجع

  1. أزهري أحمد محمود، طريقك إلى الدّعاء المستجاب، .: دار ابن خزيمة، صفحة 5.
  2. أحمد عبد الجواد، الدّعاء المستجاب في الحديث والكتاب، جدة: مؤسسة عبد الفتاح المدني، صفحة 5.
  3. أزهري أحمد محمود، طريقك إلى الدّعاء المستجاب، .: دار ابن خزيمة، صفحة 8.
  4. سليمان بن أحمد الطبراني تحقيق محمد سعيد البخاري (1407هـ-1987)، الدّعاء (الطبعة الأولى)، بيروت: دار البشائر، صفحة 787، جزء 1.
  5. أحمد عبد الجواد، الدّعاء المستجاب من الحديث والكتاب، جدة: مؤسسة عبد الفتاح المدني، صفحة 5.
  6. أزهري أحمد محمود، طريقك إلى الدّعاء المستجاب، .: دار ابن خزيمة، صفحة 8.
  7. أحمد عبد الجواد، الدّعاء المستجاب من الحديث والكتاب، جدة: مؤسسة عبد الفتاح المدني، صفحة 39.
  8. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 3677.
  9. أزهري أحمد محمود، طريقك إلى الدّعاء المستجاب، .: دار ابن خزيمة، صفحة 10.
  10. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن فضالة بن عبيد، الصفحة أو الرقم: 3477، حديث حسن صحيح.
  11. خالد سليمان الربعي، من عجائب الدّعاء، .: دار القاسم، صفحة 16.
  12. ^ أ ب ت ث سليمان بن أحمد الطبراني (1407هـ-1987م)، الدّعاء (الطبعة الأولى)، بيروت: دار البشائر، صفحة 808، جزء 1.
  13. ^ أ ب ت خالد سليمان الربعي، من عجاب الدّعاء، .: دار القاسم، صفحة 16.
  14. أحمد عبد الجواد، الدّعاء المستجاب من الحديث والكتاب، جدة: مؤسسة عبد الفتاح المدني، صفحة 5.
  15. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 2688.
  16. سورة البقرة، آية: 186.
  17. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 2720.
  18. نبيل بن السيد بن عمار، موسوعة الدّعاء من الكتاب والسنة، المنصورة: مطبعة النهضة، صفحة 10.