كيف أغض بصري

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٧:٠٤ ، ١٠ يوليو ٢٠١٧

غضُّ البصر في الإسلام

العين هي مرآة القلب، وهي المُعبِّرة عن الباطن، فإذا صلحت العين صلح القلب واستقام، وإذا فسدت فسدَ القلب وزاع عن الطّريق القويم، كما أنّ العين تُشير إلى مدى قُرب العبد من ربّه وصدقه معه، فمتى كان العبد مؤمناً حقَّ الإيمان فإنّه سيغضّ بصره ويُبعده عن المُحرَّمات، وسيدلُّ ذلك على بُعده عن الله سبحانه وتعالى، وإذا أطلق العبد بصره بالنّظر إلى المُحرَّمات فسيتعلّق قلبه بها، وسيُعيد النّظرة تِلو الأُخرى، حتّى يقع فيما لا تُحمَد عُقباه من المعاصي؛ فالنّظر سهمٌ مسمومٌ من سِهام الشّيطان.


للأسباب السّابقة كلّها دعا الدِّينُ الإسلاميّ إلى غضّ البصر وشدّد في ذلك، فقال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ*وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا...)؛[١] فالعبد المؤمن يسعى لتنفيذ أوامر الله حسب ما وصلت إليه، مُلتزِماً بذلك مُتوجِّهاً إليه بكُلِّه، ومن المعلوم أنَّ غضّ البصر من أصعب ما يجب على المسلم فعله لتعلُّقه بشيءٍ لا يستطيع كبحَ جماحه بسهولة، فكيف يتمكّن المسلم من غضّ بصره، وما هي الوسائل المُعينة على ذلك؟ هذه الأسئلة وغيرها ستجيب عنها هذه المقالة بعد توفيق الله.


كيفيّة غضّ البصر

هناك العديد من الوسائل التي تُعين المسلم وتُساعده على غضّ بصره إن عزم على ذلك، ويبقى عليه مجرّد العزم الصّادق على تحقيق ذلك، ومن تلك الوسائل ما يأتي:[٢]

  • أن يستحضر في نفسه أنّ الله مُطّلعٌ عليه، يُراقبه في حركاته وسكَناته كلّها، ويحيط به في أحواله كلِّها، قال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ).[٣]
  • أن يستعين بالله سبحانه وتعالى، ويطرح نفسه بين يدَيْه؛ يدعوه ويرجوه أن يُبعِده عن تلك المعصية.
  • أن يُدرك أنّه ما به من نعمةٍ إلا بما آتاه الله، وأنّ تِلك النِّعم جميعها تستوجِب شُكر الله عليها، ونعمة البصر من تلك النِّعم؛ ومن شَكرها حفِظها، ومنعها من العبث والاقتراب ممّا حرّم الله، ونهى عنه.
  • يجب على المسلم أن يُجاهِد نفسه ويُعوِّدها على غضّ البصر، ويُصبِّرها على ذلك، وأن يبتعد عن الوسائل المُعينة على النّظر إلى ما حرَّم الله، قال صلّى الله عليه وسلّم: (... ومن يستعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، ومَن يَستَغنِ يُغنِهِ اللَّهُ، ومَن يتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيراً وأوسعَ مِنَ الصَّبرِ).[٤]
  • أن يجتنب الأماكن جميعها التي يخشى فيها على نفسه من الوقوع في فتنة النّظر إلى ما حرَّم الله، حتّى يصل إلى غضِّ البصر، مثل: الذّهاب إلى الأسواق، وأماكن الاختلاط، والجلوس في الطُّرقات، قال -صلّى الله عليه وسلم- في الصّحيح: (إيّاكم والجلوسَ في الطُّرقاتِ، فقالوا: ما لنا بدٌ، إنّما هي مجالِسُنا نتحدّثُ فيها، قال: فإذا أبَيْتم إلا المجالسَ، فأعطُوا الطريقَ حقَّها، قالوا: وما حقُّ الطريقِ؟ قال: غضُّ البصرِ، وكفُّ الأذى، وردُّ السّلامِ، وأمرٌ بالمعروفِ، ونهيٌ عن المُنكَرِ).[٥]
  • أن يعلم أنّه ليس مُختاراً في هذا الأمر؛ إذ يجب عليه الامتثال لأمر الله حالاً، مهما كانت الظروف والأحوال، بل يجب عليه اللجوء إلى غضّ البصر بمجرّد رُؤية المُحرَّمات، وعدم السّماح للنّفس بأن توغل فيها، ولا يجب على المسلم أن يُبرِّر لنفسه بفساد الأُمّة وانتشار المُحرَّمات ممّا يستدعي صعوبة غضّ البصر، بل ينبغي دفع النّفس إلى البُعد عن تلك الأماكن ما أمكن، والسّعي إلى عدم النظر إلى المُحرَّمات.
  • أن يُكثر من العبادات والطّاعات مع المحافظة على الفرائض؛ حيث يدعو ذلك إلى البُعد عن المُحرَّمات بأنواعها، والتمسُّك بالأخلاق الحميدة، وتعلُّق العبد بالله وارتباطه الوثيق به في تصرُّفاته جميعها، كما يُعدّ ذلك سبباً في حفظ الجوارح، قال -صلّى الله عليه وسلّم- في الحديث القُدسي الذي يرويه عن ربّه: إنّ الله -سُبحانه وتعالى- قال: (من عادَى لي وليّاً فقد آذنتُه بالحربِ، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضتُ عليه، وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أُحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الَّذي يسمَعُ به، وبصرَه الَّذي يُبصِرُ به، ويدَه الَّتي يبطِشُ بها، ورِجلَه الَّتي يمشي بها، وإن سألني لأُعطينَّه، ولئِن استعاذَني لأُعيذنَّه...).[٦]
  • أن يتذكّر أنّ جوارحه وأعضاءه ستشهد عليه يوم القيامة بالمعاصي التي ارتكبها، حتّى الأرض التي عصى الله عليها ستشهد عليه بما فعل.
  • أن يستذكر الملائكة الذين يُسجِّلون أعماله، ويحصونها عليه.
  • أن يتذكّر الآيات والأحاديث التي تدعو إلى ضرورة غضّ البصر والنهي عن إطلاقه في محارم الله.
  • البعد عن الفضول في النظر، فلا ينبغي على المسلم أن ينظر إلا إلى ما يحتاج أن ينظر إليه، فلا ينبغي له أن يُطلق بصره يميناً وشمالاً حتى يقع في المحرمات ويصيب فتنة تزيغه عن ما يسعى لحفظه.
  • أن يتزوّج؛ فالزّواج أنفع ما يمكن التمسُّك به لكبح جماح النّظر إلى المُحرَّمات، ومن لم يستطع الزّواج فعليه اللجوء للصيام؛ للبُعد عن النّظر إلى المُحرَّمات والتمكُّن من غضّ البصر؛ حيث ثبت عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: (يا معشرَ الشّبابِ، منِ استَطاع الباءَةَ فلْيتزوَّجْ، فإنّه أغضُّ للبصَرِ وأحصَنُ للفَرْجِ، ومَن لم يستَطِعْ فعليه بالصَّومِ، فإنّه له وِِجاءٌ).[٧]
  • أن يستحضر المسلم ويدرك جوانب النّقص والخلل فيما ينظر إليه من المُحرَّمات، ويتذكّر أنّها مليئة بصفات النّقص والقاذورات، ممّا يدفعه لترك النّظر إليها.
  • أن يُحاسِبَ النّفس بين الحين والآخر.
  • أن يتذكّر ألم النظر يوم القيامة وعاقبته، وأنّ ما يجده إنّما هو لذّة ساعةٍ يعقُبُها ندمٌ إلى قيام السّاعة.
  • أن يعمد إلى إصلاح أقاربه من النّساء ومَن يُمكنه التّأثير عليهنّ، ونصحهنّ وأهلهنّ بعدم لبس ما يُثير الفتنة بين الرّجال، ويدعو إلى النّظر إلى محاسنهنّ، وأمرهنّ بالتستُّر ولبس الثياب الشرعيّة التي تُساعد في غضّ البصر.
  • أن يختار الصُّحبة الصّالحة التي تُعينه على الخير، وتمنعه من الوقوع في المعاصي والآثام.


الحياء وغضّ البصر

يُعدّ الحياء من الأخلاق التي تدعو إلى حفظ البصر وعدم إطلاقه فيما حرَّم الله، لذلك ينبغي على المسلم التمسُّك بخلق الحياء والتخلُّق به في أحواله جميعها؛ حيث يدعو إلى فعل كلّ ما هو حسن وترك كلّ ما كان شاذّاً مُستقبَحاً، كما أنّ الحياء صفةٌ يتميّز بها عباد الله المُتّقون، وهي من أكثر الأخلاق والصّفات التي يُحبّها الله؛ حيث ثبت عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: (الإيمانُ بِضعٌ وستّونَ شُعبةً، والحَياءُ شُعبةٌ منَ الإيمانِ)؛[٨] فالحياء يحثّ على الخير، ومن أكثر ما يدعو له الحياء هو غضّ البصر عن المُحرَّمات، وحفظ النّفس من نظر الغير إليها، فإذا تخلَّق به المسلم كفَّ بصرَه عن المُحرَّمات، وإذا تخلّقت به المسلمة كفّت بصرها، وحفظت نفسها من لبس ما يدعو إلى النّظر إليها، وقد قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في ذلك: (إنَّ اللَّهَ حييٌّ ستِّيرٌ، يُحبُّ الحياءَ والتَّستُّرَ، فإذا اغتسلَ أحدُكُم فليستَتِر)؛[٩] فإن كان التستُّر في الاغتسال مطلوباً، فالتستُّر خارجه أمام النّاس أوْلى، خصوصاً للنساء اللواتي حرم عليهنّ إبداء ما ظهر من زينتهنّ.[١٠]


المراجع

  1. سورة النور، آية: 30-31.
  2. محمد صالح المنجد (10-6-2002)، "الوسائل المعينة على غضّ البصر"، الإسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 28-6-2017. بتصرّف.
  3. سورة غافر، آية: 19.
  4. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم: 1469.
  5. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم: 2465.
  6. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 6502.
  7. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن مسعود، الصفحة أو الرقم: 5066.
  8. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 9.
  9. رواه الألباني، في تخريج مشكاة المصابيح، عن يعلى بن أمية، الصفحة أو الرقم: 425، إسناده حسن.
  10. "الحياء وغضّ البصر"، مشكاة، اطّلع عليه بتاريخ 29-6-2017. بتصرّف.