كيف تكون توبة الزاني

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:١٧ ، ٢٧ مارس ٢٠١٧

باب التوبة مفتوح

من طبيعة البشر حبُّ الشهوات والوقوع في الخطأ، ومن طبعِ الإنسان المَيل إلى الأمور الممنوعة، ولو حاول الإنسان دائماً التزام الخير والتوجّه إليه؛ فهو لا يعني أن ينفي مُيوله الطبيعيّة إلى حب الراحة، والشهوة، واستحبابُ المعاصي، وكذلك عدم العصمة في الوقت نفسه، وإمكانيّة اقتراف الذنوب، والآثام، والأخطاء.


من رَحمة الله أن جَعل باب التوبة مفتوحاً على مِصراعيه؛ فكُلّ من يَبتعد عن جادة الصواب فالطريق مفتوحة له للعودة إلى الله والإنابة إليه قبل فوات الأوان، قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَوَّابونَ).[١] ومن رَحمةِ اللهِ بِعبادهِ أن تركَ لهم باباً للتّوبة مفتوحاً لا يُغلقُ حتَّى ترجعَ الرُّوح إلى خالِقها.[٢]


حقيقة التَّوبة

التّوبةُ لغةً: هي العودة عن الذّنوب والإقلاع عن الآثام، والأخطاء، وتَركها، والتوبة مَصدر من توَبَ، ومعنى التوب التّرك، والعودة، والتوبةُ اصطلاحاً هي ترك الإثم، والذّنبِ لقبحه، والنَّدمُ على فعله، وارتكابه، وبَذل كلّ الوسع للتّكفير عنه، وإظهار الندم على الذنب، والعزيمة على تركه، وعدم تجدّد اقترافه، والإقلاع عنه نهائياً، وأن يَستبدل المُسلم الذنوب والآثام بالأعمال الصَّالحة؛ طاعةً لله تعالى، وتقرُّباً إليه، واستدراكاً لما فات، وطلباً لمَغفرته، ورضوانه سبحانه وتعالى، وطَمَعاً في جنّته.[٣]


تُعدّ التّوبةُ أجمل طرق الاعتذار وأسمى درجاته؛ لأنّ فيها اعترافٌ صريحٌ بالضّعف البشري، والمَيل إلى الخطأ ثمّ النَّدمُ على ما اقترفت يد الإنسان، والعزيمة على هَجر الذنوب، وتَرك المعاصي دون أيّ تبريرٍ لها. [٣] قال تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ)[٤]


توبة الزاني

الزنا

هو العلاقة الجنسيّة المُباشرة في الفرج بين رَجلٍ وامرأةٍ لا يربطهما عقدُ زواجٍ شرعي، وهو من أكبرِ الكَبائر، ويُوجب الحدّ على مُرتكبه من المسلمين من الرجال والنساء بشروطٍ مُحددة، إمّا بإقرار الزاني، وإمّا بشهادة أربعة شهود.[٥]


حكم الزنا

الزّنا من الأفعال المُحرَّمة في الشريعة الإسلامية؛ بل يُعتبر من أكبر الكبائر، قال تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلا)[٦]، ويَروي الصحابيّ الجليل أبو أُمامة الباهلي، (إنَّ فتًى شابًّا أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ ائذنْ لي بالزِّنا فأقبل القومُ عليه فزجَروه وقالوا: مَهْ مَهْ فقال: ادنُهْ فدنا منه قريبًا قال: فجلس قال: أَتُحبُّه لِأُمِّكَ؟ قال: لا واللهِ جعلني اللهُ فداءَك قال: ولا الناسُ يُحبونَه لأُمهاتِهم قال: أفتُحبُّه لابنتِك قال: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ جعلني اللهُ فداءَك قال: ولا الناسُ يُحبونَه لبناتِهم قال: أفتُحبُّه لأُختِك قال: لا واللهِ جعلني اللهُ فداءَك قال: ولا الناسُ يُحبونَه لأَخَواتِهم قال: أَفتُحبُّه لعمَّتِك قال: لا واللهِ جعلني اللهُ فداءَكَ قال: ولا النَّاسُ يُحبُّونَه لعمَّاتِهم قال: أفتُحبُّه لخالتِك قال: لا واللهِ جعلني اللهُ فداءَكَ قال: ولا النَّاسُ يحبونَه لخالاتِهم قال: فوضع يدَه عليه وقال: اللهمَّ اغفرْ ذنبَه وطهِّرْ قلبَه وحصِّنْ فرْجَهُ فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفتُ إلى شيء)[٧]، والأدلّة على تَحريم الزنا كثيرةٌ، مُفَصّلةٌ في كتاب الله، وفي سُنّة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-


التوبة من الزنا

إذا أراد الإنسانُ المُسلم الذي وقعَ في جَريمة الزنا أن يتوبَ ويرجع إلى الله فإنّ للتَّوبةِ والعودة إلى الله والإنابةُ إليه أحكاماً وشروطاً يُطلب من المُسلم الذي عزم على التوبة من الزنا تحقيقها ليثبت صدق نيَّته في توبته من الزنا، وجديَّة توبته وعودته، وأنّه نادمٌ على أخطائِه وزلاته ونادمٌ على ذنب الزنا، والمُسلِمُ إذا قصد الله وتوجَّه إليه بتوبَتِهِ فإنّ الله يفتحُ لهُ أبواباً من الخير والتَّوفيقِ ومجالاتٍ شتَّى تفسح له مجال التوبة والإنابة وتثبته عليها؛ حتى إنَّ الله سبحانه وتعالى يفرحُ بتوبة الإنسان متى ما وجد لديه صدق الشعور بالندم، وأنّه يريد التوبة فعلاً فيُوفّقه ويُعينهُ على التوبة ويَجزيهُ بها، ورد في الحديث النبوي الشّريف أنّ رسول الله -عليه الصَّلاة والسَّلام- قال: (للهُ أشدُّ فرحاً بتوبةِ عبدِه حين يتوبُ إليه من أحدِكم كان على راحلتِه بأرضِ فلاةٍ فانفلتت منه وعليها طعامُه وشرابُه فأيس منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلِّها، قد أيس من راحلتِه، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمةٌ عنده، فأخذ بخطامِها ثم قال من شدةِ الفرحِ: اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك؛ أخطأ من شدّةِ الفرحِ).[٨]


تكون التوبة لِمن مَلك صدق العزم وعلو الهمّة مُيسّرةً باتّباع الخطوات الآتية:[٩]

  • تركُ الذُّنوبِ والمَعاصي وعلى رأسها الزنا.
  • استشعار مُراقبة الله تعالى وأنّه مُطّلعٌ على عباده في كل وقت، والالتزام بأوامره سُبحانه واجتناب نواهيه.
  • العزم على عدم العودة إلى الزنا.
  • مُحاسبة النَّفس ولومها وتهذيبها.
  • النية الصادقة بالتَّوبة من جريمة الزنا والفاحشة، وأن تكون التوبة خالصةً لله تعالى وَحده.
  • تذكير النَّفسِ دائماً بِعظَمة الله تعالى، وأن لا يَنظر الإنسان إلى متعة الزنا المؤقّتة بل ينظر إلى عظمة الله الذي حرّم الزنا.
  • التفكّر في عواقب الزنا وشروره، وما قد يؤدّي إليه من فسادٍ وتدمير للمُجتمع بأسره.
  • التفكّر والتدبّر في مصير الزاني في الدنيا بالخزي أمام الناس، وفي الآخرة بالعقاب الشديد من الله.
  • أن يُشغل التائب من الزنا وقته بكلّ ما من شأنه أن يُبعده عن الزنا ودواعيه عن طريق اتّباع الأعمال الصالحة.[١٠]


وَردَ عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-:(مَن تاب إلى اللهِ قبل أن يموتَ بيومٍ قَبِل اللهُ منه قال: فحدَّثتُ بذلك رجلًا آخرَ مِن أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: أنتَ سمِعتَ ذلك؟ قلتُ: نعَم قال: أشهدُ لَسمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: مَن تاب إلى اللهِ قبل أن يموتَ بنصفِ يومٍ قبِل اللهُ منه قال: فحدَّثتُ بذلك رجلًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: أنتَ سمِعتَه؟ قال: قلتُ: نعَم فقال: أشهدُ لَسمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن تاب إلى اللهِ قبل أن يموتَ بضحوةٍ قبِل اللهُ منه قال: فحدَّثتُ بذلك رجلًا آخرَ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: أنتَ سمِعتَ ذلك؟ قلتُ: نعَم قال: فأشهَدُ لَسمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: مَن تاب إلى اللهِ قبلَ أن يُغَرغِرَ قبِل اللهُ منه)[١١]


بالتوبة يسقط اللوم عن الزاني

إذا تاب الزاني ورجع إلى الله تبارك وتعالى يسقط اللوم عنه، وينبغي ألا يُراجعه أحدٌ في ذلك، فأمره إلى الله، فقد جاء في صحيح مسلم: (أنَّ امرأةً من جهينةَ أتت نبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهي حُبْلَى من الزنى؛ فقالت: يا نبيَّ اللهِ! أصبتُ حدًّا فأقِمْهُ عليَّ؛ فدعا نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وليها، فقال (أحسِنْ إليها، فإذا وضعتْ فائتِنِي بها) ففعل؛ فأمر بها نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فشكت عليها ثيابَها، ثم أمر بها فرُجِمَتْ، ثمّ صلّى عليها؛ فقال لهُ عمرُ: تصلّي عليها؟ يا نبيَّ اللهِ ! وقد زنت؛ فقال (لقد تابت توبةً لو قُسِّمَتْ بين سبعين من أهلِ المدينةِ لوسِعَتْهُم، وهل وجدتْ توبةً أفضلَ من أن جادتْ بنفسِها للهِ تعالى؟)[١٢].


هذا الحديث يدلّ على أنّ الزاني إذا تاب لا تجوز مُعايرته، ولا ذِكر ما ارتَكب، أو جَعله حديثاً بين الناس؛ فأمره إلى الله تعالى، وحِسابه على الله، ولا يَملك الناس من أمره شيئاً إلا تَطبيق شرع الله، إن وصَل المَوضوع إلى القضاء أو الحاكم، إمّا بإقرار الزاني، أو بشهادة أربعة شهود، كما يَجوز للزاني التائب من الزنا أن يتزوّج بعد توبته؛ ليُعفّ نفسه، ولا يُشتَرط أن يُخبر المخطوبة أو أهلها بما وقع به من ذنب الزنا قبل توبته.[١٣]


المراجع

  1. رواه ابن حجر العسقلاني، في بلوغ المرام، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 439، إسناده قوي.
  2. "لماذا كثر الخطأ من الإنسان؟"، إسلام ويب، الأربعاء 9 جمادى الآخرة 1435 - 9-4-2014 ، اطّلع عليه بتاريخ 25-2-2017م.
  3. ^ أ ب "لفظ (التوبة) في القرآن"، إسلام ويب، 4-8-2013، اطّلع عليه بتاريخ 25-2-2017.
  4. سورة النساء، آية: 17.
  5. رقم الفتوى: 12492 ( الإثنين 23 شوال 1422 - 7-1-2002 )، "تعريف الزنا"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 22-2-2017.
  6. سورة الإسراء، آية: 32.
  7. رواه الألباني، في السلسلة الصحيحة، عن أبي أمامة الباهلي، الصفحة أو الرقم: 1/712، إسناده صحيح.
  8. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 2747.
  9. زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795هـ) (1996م)، فتح الباري شرح صحيح البخاري (الطبعة الأولى)، المدينة المنورة: مكتبة الغرباء الأثرية، صفحة 154وما بعدها، جزء 1.
  10. ابن رجب (2001م)، جامع العلوم والحكم (الطبعة السابعة)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 418 وما بعدها، جزء 1.
  11. رواه البوصيري، في إتحاف الخيرة المهرة، عن رجل من الصحابة، الصفحة أو الرقم 7/414: إتحاف الخيرة المهرة، إسناده متصل.
  12. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عمران بن الحصين، الصفحة أو الرقم: 1696، صحيح.
  13. محمد بن صالح المنجد (1-8-2015)، "وقع في الزنا ثم تاب ، فهل يجوز له الزواج من امرأة عفيفة؟"، الإسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 1-3-2017.