كيف يتم عقد الزواج الشرعي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:٤١ ، ١٣ ديسمبر ٢٠١٦
كيف يتم عقد الزواج الشرعي

عَقد الزَّواج

يُعتبر عقد الزواج من أسْمى العقود على وجه البسيطة لما يترتَّب عليه من حُرمة نَسَبٍ ومُصاهرةٍ وعلاقاتٍ أُسريةٍ واجتماعيّة، ولما ينْبَني عليه من أحكام تَخُصّ الفرد والأسرة والمُجتمعات، وقد جعله الله عزَّ وجل السَّبيل الوحيد للإحْصان، بعد أن حرَّم كل الطّرق المُفضيَة إلى انتهاك حُرمة الفروج، وعليه، فقد جُعل للزّواج أركانٌ وضوابط وشروطٌ ينبغي مراعاتُها قبل العقد وحينه وبعده، ويجب على العاقدين الانصياع لتلك الشّروط والأركان حتى يقع الزّواج صحيحاً.


ومن المَعلومِ أنَّ عقد الزّواج لا يَنعَقِدُ بمجرد الخِطبة أو قراءة الفاتحة، فالخِطبةُ وعدٌ بالزّواج وليست عقداً فقد نصّ الفقهاء أنّ: (الخِطبة هي طلب التَّزَوُّج أو الوعدُ به)، وعلى أنّه: (لا ينعَقِدُ الزواج بالخِطبة ولا بقراءة الفاتحة ولا بقبض أيِّ شيءٍ على حساب المهر ولا بقبول الهديَّة)،[١]، وبهذه المرحلة تُعتبر المخطوبة أجنَبيَّةً عن خاطِبها ولا يجوز لهما الجلوسُ معاً دون مَحْرَمٍ إلا بعد أن يتمّ إجراء العقد بشروطه وأركانه، فالوعد بالزّواج يَختلف اختلافاً كُليّاً عن عقد الزّواج، وقد دَرَج في بعض المُجتمعات المُعاصرة أن يتمّ العقد قبل الزّفاف، وتُسمى الفترة بين العقد والزّفاف بالخِطبة مع أن تلك الفترة تكون بالحقيقة داخلةً ضمن العقد الشرعيّ، وتكون المرأة في تلك الحالة زوجةً شرعيّةً للعاقد.


كيفيّة عقد الزّواج الشرعيّ

أركان عقد الزواج العقد

من المُسَلَّمات في الشّريعة الإسلاميّة أنّ لكل عقدٍ مجموعةٌ من الأركان والشّروط التي لا يُنعقد إلا بها، وإن فُقِد أحد تلك الأركان أو الشّروط فإنّ العقد سيتأثّر بذلك سلباً، ومن تلك الأركان أو الشّروط ما تجعل العقد لاغياً بالكُلِّية ويُصبح العقد باطلاً، ومنها ما تجعله فاسداً ويجب إتمامها أو حذفها لتصويب العقد وذلك بحسب الشّرط. ولعقد الزّواج خمسةُ أركانٍ عند جمهور الفقهاء، وركنٌ واحدٌ عند الحنفية، والآتي بيانٌ لذلك:

  • صِيغَة العقد: وهو الرُّكنُ المُتَّفَقُ عليه بين الفقهاء الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ وأحمد، والرُّكن الوحيد عند الحنفية، وتَتَكوَّنُ الصّيغة من الإيجاب والقَبول، والإيجاب: ما يَصدر من العاقد الأول، والقَبول: ما يصدر من العاقد الثّاني، ويتحقّق الإيجاب والقبول باللّفظ، أي الكلام الذي به يَدلّ ويُعبّر فيه العاقد عن رغبته من العقد. وقد اختلف الفقهاء في شأن الألفاظ المُسْتعملة في عقد الزّواج نظراً لخُطورَته وقَداسَته، فقال الحنفيّة والمالكيّة: يَصِحُّ انعقاد الزَّواج بكل لَفْظٍ يدُلُّ على تَمليك العَين في الحال، كالتَّزويج والنِّكاح والتَّمليك، والجُعْل، والهِبَة والعَطيَّة والصَدَقَة، بشرط توافر النِيَّة أو القَرينة الدَالّة على أنَّ المُراد باللّفظ هو الزّواج، وبشرط فهم الشّهود للمقصود؛ لأنَّ عقد الزّواج كغيره من العقود التي تنشأ بتراضي العاقدين، فيَصحّ بكل لَفْظٍ يدلّ على تَراضِيهِما وإرادَتِهِما.[٢]
وقال الشافعيّة والحنابلة: يُشتَرط لصحّة عقد الزّواج استعمال لفظَي (زَوَجَ أو نَكَحَ) وما يُشْتَقُّ منهما لمن يفهم اللّغة العربيّة. أما من لا يعرف اللّغة العربيّة فيصِحُّ الزّواج منه بالعبارة التي تُؤدّي الغرض المقصود وتُفْهَم هذا المعنى؛ لأنَّ عقد الزّواج له خطورة لوروده على المرأة وهي حرّة، وشُرِعَ لأغراض سامية، ولم يَرِد في القرآن الكريم إلا هذان اللّفظان فقط وهما (النِّكاحُ والتَّزْويج).[٢]
  • الصَّداق (المَهر): الصَّداقُ رُكنٌ من أركان النّكاح، والدّليل عليه الكتاب والسُّنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: (وءاتْوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ)،[٣] وأما السُنّة: فقول الرّسول عليه الصّلاة والسّلام- : (التَمِسْ ولو خَاتَماً من حديد)[٤]، وذلك يَدُلُّ على أنَّهُ مُشتَرَطٌ، قال الرّسول عليه الصّلاة والسّلام-: (لا نِكاحَ إلا بِوَلي وصَداق وشاهِدَي عَدل)، وقد انعقد الإجماع على ذلك، ولا يَجوز التَّراضي على إسقاطه.[٥]
  • العاقِدان: وهما الزَّوج والزّوجة، وكلٌ منهما ركنٌ مُستقلّ، فلا ينعقد الزّواج دون أحدهما، ويُشتَرَطُ في الزّوجة خُلُوُّها من مَوانِع النّكاح، ومن المَوانِع أن تَكون مُتَزَوِّجَة، أو مُعْتَدَّة عن غيره، أو مُطلَّقة منه بالثّلاث ما لم تُحَلَّل، أو مُرتَدة، أو مَجوسية، أو وثَنِيَّة، أو أَمَة (عَبْدَةً) والنَّاكِحُ حُر، أو تَكونَ مَحْرَماً له، أو زوجةً خامِسَة، أو يَكونُ مُتَزوِّجاً بأخِتها وغيرها ممّن لا يجمع بينه وبينها، أو تكون مُحْرِمَةً بحجّ أو عمرة.[٦]
  • الشُّهود: فلا يَنْعَقِدُ النِّكاح إلا بِحُضُور رَجُلَين مُسلمين بالِغَين عاقِلين حُرَّيْن عَدلَين سَميعَيْن بَصيرَين عارِفَين لِسان المُتَعاقِدَيْن، وقيل: يصحّ بالأعميين. وحكى أبو الحسن العبادي - رحمه الله - أنَّه يَنْعَقِدُ بمن لا يَعْرِف لِسان المُتَعاقِدين، لأنّه يَنْقُلُه إلى القاضي.[٦]
  • الوَلِيّ: فَلَا يَصح النِّكاح إِلَّا بولِي، لقَوْله تَعَالَى: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ)،[٧] نزلت هذه الآية فِي معقل بن يسَار حِين حلف أَلَّا يُزَوّج أُخْته من مُطلقهَا. وَعَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن النَّبِي صلّى الله عَلَيْهِ وَسلّم قَالَ: (أَيّمَا امْرَأَة نَكَحَت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل ثَلَاثاً).[٨] فَلَا تَصِحُّ عبارَة الْمَرْأَة فِي النِّكَاح إِيجَاباً وقبولاً، فَلَا تُزوّج نَفسهَا بِإِذن الْوَلِيّ وَلَا بِغَيْر إِذْنه وَلَا غَيرهَا لَا بِولَايَة وَلَا بوكالة.[٩]


هذه الأركان الخمسة التي اتّفق الفُقَهاء عليها لِصِحَّة عقد الزَّواج، حتى الحنفيّة، الذين جَعَلوا للنِّكاح رُكْناً واحداً وهو الصّيغة، فقد جعلوا باقي تلك الأركان شُروطاً له، فلا ينعقد إلا بِوُجودِها، والخِلافُ بينهم خِلافٌ شَكليٌ بَحت.


شُروط عقد الزواج

تَنقسم الشُّروط إلى ثلاثة أقسامٍ: شُروطُ انعقادٍ، وشُروط نَفاذٍ، وشُروطُ جَواز. وقد اتَّفق الفقهاء على هذه الشُّروط بما في ذلك الحنفيّة، إلا أنّهم لا يعتَبرون من أركان عقد النِّكاح إلا الصّيغةَ، وعَدّوا هذه الشّروط مُندرجةً تحت الشُّروط الأصليّة التي هي أركانٌ عند المالكيّة والشافعيّة والحنابلة، بينما عدَّها الجمهور شروطاً مُستقلَّة لعقد النِّكاح.


أما شرائِط الانعِقاد فهي التي لا يَنعَقد الزَّواجُ إلا بها، وهي نوعان: نَوعٌ يرجِعُ إلى العاقِد وهو العَقْلُ، فلا يَنْعَقِدُ نِكاح المَجْنون والصَّبي الذي لا يَعْقِل؛ لأنّ العقل من شرائط الأهليّة. ونَوعٌ يرجِع إلى مَكان العقد وهو اتّحاد المجلس إذا كان العاقدان حاضِرَيْن، وهو أن يكون الإيجاب والقبول في مجلسٍ واحد، فإذا اختَلَفَ المَجْلس لا يَنْعَقد النِّكاح، فإن كانا حاضِرَين فأوجب أحَدُهُما فَقام الآخر عن المَجْلِس قَبل القَبول، أو اشتغل بِعَمَلٍ يوجِبُ اختلاف المَجلس لا يَنْعَقد؛ لأنّ انعقاده عبارة عن ارتباط أحد الشّرطين بالآخر.


أمّا شَروطُ الجَواز والنَّفاذ فمنها: أن يكون العاقِد بالِغاً؛ فإنّ نِكاح الصَّبي العاقِل وإن كان مُنعَقداً فهو غَير نَافِذ، بل نَفاذُهُ يَتَوَقف على إجازَة وَليِّه، ولا يتوقّف على بُلوغِه حتى ولو بَلَغ قَبل أن يُجيزَهُ الوَليُّ لا يَنفَذ بالبلوغ.[١٠]


خُطوات إجراء عقد الزّواج الشرعيّ

ويُمكن حصُر خطوات الزّواج الشرعيّ بناءً على ما تمَّ بيانه من أقوال الفُقهاء إلى النّقاط الآتية:

  • يتقدَّم شابٌ لخِطبة فتاة، فيخبر أهلها بنيّته عازماً على إتمام العقد عليها إن تمّت المُوافقة من قِبَلِهم.
  • يَعِدُ أهل الفتاة الشّاب بإتمام العقد بَعد أخذ المُوافقة من الفتاة.
  • يَتِم الاتّفاقُ على المهر والشُّروط لكلا الطّرفين والتي يُريدان إضافتها إلى عقد الزّواج إن رَغِبا.
  • يُخاطِب وَلِيُّ المَخطوبة - والدها أو شقيقها أو من يكون له حقّ الأهليّة عليها- الخاطب قائلاً له: زَوَّجْتُكَ مُوَكِّلّتي فلانة على مَهرِ مُعَجّّلُه كذا وكذا ومُؤجلُهُ كذا وكذا وعلى كتاب الله وسنة رسوله، فيُجيبُه الخاطب فوراً وفي نفس مَجلس العَقد: وأنا قبلت زواج مُوكّلتك فُلانة لنفسي على ذلك.
  • يَحضُر العقدَ شاهِدَينِ مُسلِمَين عاقِلَين بالغين، سامِعين للإيجاب والقَبول، فاهِمين المَقصود بهما.
  • يُشْهَرُ العقدُ لأهلي الطّرفين المُتعاقِدين.
  • يَتم بعد ذلك توثيق العقد رسميّاً لدى الدّوائر المُختصّة.


أثر الشّروط في عقد النكاح

اختلف الفُقهاء في أَثَر الشُّروط في عقد النِّكاح، هل تُبطِل النِّكاح أو لا تُبطِلُه؟ وهل يصحُّ العقد بإلغائها أم لا؟ فيرى الحنفيّة أنّ النِّكاح لا يَبطُل بالشُّروط الفاسِدة، فيصِحُّ النِّكاح ويُلغى الشّرط. وقال الشّافعية: الشَّرط في النِّكاح إن لم يَتَعلّق به غَرَضٌ فهو لَغْو، ولو شَرَطَ الزّوج أنّ الزّوجة لا تَرِثه أو أنّه لا يَرِثُها أو أنّهما لا يتوارثان، أو أنّ النّفقة على غير الزّوج بَطُل النّكاح، وإلى ذلك ذهب المالكيّة والحنابلة.[١٠]


المراجع

  1. مجموعة من المؤلفين، قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم 36 لسنة 2010، صفحة 1.
  2. ^ أ ب وهبه الزحيلي، الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الطبعة الرابعة )، دمشق: دار الفكر، صفحة 2934، جزء 4. بتصرّف.
  3. سورة النساء، آية: 4.
  4. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن سهل بن سعد الساعدي، الصفحة أو الرقم: 5135.
  5. عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد المعروف بابن بزيزة (2010)، روضة المستبين في شرح كتاب التلقين (الطبعة الأولى)، السعودية: دار ابن حزم، صفحة 744، جزء 1.
  6. ^ أ ب أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (1991)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (الطبعة الثالثة)، بيروت: المكتب الإسلامي، صفحة 43، جزء 7.
  7. سورة البقرة، آية: 232.
  8. رواه الإمام الشافعي ، في الأم ، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، الصفحة أو الرقم: 8/611، صحيح.
  9. أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن الحصني (1994)، كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار (الطبعة الأولى)، دمشق: دار الخير، صفحة 356.
  10. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين (1427)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، صفحة 305، جزء 41. بتصرّف.