كيف يسامحني ربي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:١٣ ، ٤ مايو ٢٠١٧

مسامحة الله للعبد

لا بدَّ للعبد مهما بلغ إيمانه وتعلّقه بالله أن يقع بالذنوب والخطايا والآثام، وهذه الذنوب تتفاوت في درجتها بين القوة والضعف، فربما بعض الذنوب تسبّب بُعد المرء عن الله وتحمُّل وزر ذنبٍ عظيم، كأن يُشرك بالله غيره من الخلق بقصدٍ أو بغير قصد، ومثال الذنوب التي يقترفها الإنسان في حياته اليومية أثناء تعامله مع الناس ومحادثته لهم، وما يجلبه له لسانه إذا نطق بما يوقعه بالحرام، أو نظر إلى مُحرَّمٍ، أو عاون ظالماً على ظلمه وهكذا، وإنّ هذه الذنوب صغيرها وكبيرها يجب على المسلم أن يتوب منها، ويستغفر الله لوقوعه فيها، ويطلب منه أن يُسامحه عليها، وفيما يلي بيان كيفية مسامحة الله للعبد.


كيف أجعل ربي يسامحني

التوبة

أول ما ينبغي على العبد أن يقوم به إذا أراد من الله أن يُسامحه بعد أن يُذنب أن يلجأ إلى الله ويتوب إليه من ذلك الذنب الذي اقترفه، ويُشترط في التوبة عددٌ من الشروط منها:[١]

  • أن يندم على ما اقترفه من المعاصي والذنوب، ويجد في قلبه حُرقةً لذلك الذنب الذي ارتكبه بحق الله سبحانه وتعالى، ولا يستسيغه أو يقبله.
  • أن يعلم يقيناً أنه مُقصِّرٌ في حق الله عزَّ وجل، وأنه قد ارتكب ما يجعله يطلب المسامحة من الله عليه.
  • أن يبتعد عن فعل ما يطلب من الله أن يُسامحه عليه، فإذا ما ارتكب معصيةً ثم طلب من الله أن يسامحه عليها فيجب أن ينتهي عن فعلها، وإلا لكان فعله مناقضاً لطلبه.
  • أن ينتهي عن فعل المحرّمات بأشكالها، ويُقبل على الطاعات والعبادات، ويبتعد عن الرفقاء الذين يُعينونه على الوقوع في المعصية التي طلب من الله أن يسامحه عليها.
  • أن يعزم ألّا يعود للمعصية أبداً.
  • إذا كانت المعصية متعلقةً بحق آدمي فيجب أن يرده له أولاً، ثم يتوب من المعصية.


كثرة الاستغفار

جاءت العديد من النصوص القرآنيّة والأحاديث النبويّة في إثبات فضل الاستغفار وعلاقته بقبول الله لتوبة العبد، ومسامحته له على ما بدر منه من الذنوب والآثام والمعاصي ومغفرته لها، بل وقلب تلك الذنوب إلى رزقٍ وخير للمستغفرين، ومن ذلك ما جاء على لسان نوح -عليه السلام- حينما دعا قومه للإيمان بالله -سبحانه وتعالى- والكفر بآلهتهم والاستغفار عن ذلك، قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا*يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا*وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا)،[٢] فقد قرن نوح بين الاستغفار وكثرة الرزق والخير الذي يأتي من جميع الجوانب المهمة في حياة كل إنسان، كالزرع والمال والولد، ومن أهمّ أسباب كون الاستغفار من طرق مسامحة الله للعبد ما يلي:[٣]

  • بالاستغفار تُكفَّر الذّنوب: فإن العبد الذي يطلب من الله أن يُسامحه هو بحاجة لتكفير ذنوبه التي اقترفها، والطريق إلى ذلك يكون بكثرة الاستغفار واللجوء إليه في كل وقتٍ وساعة، قال تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا).[٤]
  • الاستغفار يقوي علاقة المسلم بالله ويُنجيه من عذابه: فإن العبد الذي يطلب مسامحة الله له يحتاج لأن يكون قريباً منه، ولا يكون ذلك إلا باللجوء للاستغفار والبعد عن الذنوب، قال الله تعالى مخاطباً نبيه محمد -عليه الصّلاة والسّلام- ومبيناً فضل المكثرين من الاستغفار: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)،[٥] فمن يستغفر الله كثيراً يستحق أن يُسامحه الله على ذنوبه، بل إنّ ذلك يجعل العبد أكثر قرباً من الله وبعداً عن الذنوب والآثام.
  • الاستغفار طريق الأنبياء -عليهم السّلام- للوصول إلى مسامحة الله: فقد ارتكب بعض الأنبياء ما يلزم لأجله طلب المسامحة من الله عليها، كما حصل مع آدم وزوجه قبل أن ينزلا إلى الأرض، قال تعالى على لسانهما: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)،[٦] كما أنّ موسى عليه السّلام قد طلب من الله أن يُسامحه بعد أن قتل رجلاً من بني إسرائيل بطريق الخطأ، قال تعالى على لسان موسى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).[٧]


الابتعاد عن المعاصي والآثام

يجب على المسلم إذا طلب من الله أن يسامحه ثم استغفره من المعاصي والذنوب التي ارتكبها، فإنه ينبغي عليه أن يبتعد عن تلك الذنوب، ويعزم ألا يعود إليها أبداً، وأن يبتعد عن كل ما يجعله يقترب منها، وعن مسبباتها التي تجعله يفكر بذلك، فإنّ ذلك من أفضل ما يوصله إلى محبة الله ومسامحته له، ويحقق له المطلوب من استغفاره والمرجوَّ منه، قال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)،[٨] وإن البعد عن شهواتِ الدنيا ومَلذّاتها التي كان المسلم يقع بها بعد التوبة ليس بالأمر الهيِّن، فإذا أراد المسلم من ربه أن يسامحه فيجب عليه أن يُوطِّن نفسه على ذلك، ولأجل هذا ينبغي عليه القيام ببعض الأمور من بينها ما يلي:[٩]

  • أن يستعين بالله سبحانه وتعالى، ويصبر على ما يراه ويجده في نفسه من تفكيرٍ بالمعاصي، ويصبر على ما يقع له من البلاء والاختبار نتيجة البعد عن المعصية التي كان يتنعم بها ظاهراً، قال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).[١٠]
  • أن يتوجه إلى الله بين الفترة والأخرى بالتوبة الصادقة، ويستعين على ذلك بكثرة الدعاء، وأن يسأل الله سبحانه وتعالى أن يقرّبه مما يُحبه، وأن يُبغّضه فيما يؤدّي به إلى الوقوع بالمعصية، وألا يُحوجه للتفكير بها، فإن المسلم يتردد بين المعصية والطاعة، ويتقلب بين الخوف والرجاء، وكثرة التوبة تجعله متعلّقاً بالله متمسكاً به، ومن صدقت توبته فإن الله سيعلّق قلبه به، ويحفظه من الزيغ بعد الهداية، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك: (ما مِن قلبٍ إلَّا بَيْنَ إصبَعَيْنِ مِن أصابعِ الرَّحمنِ إنْ شاء أقامه وإنْ شاء أزاغه)،[١١] وكان رسولُ اللهِ عليه الصّلاة والسّلام يسأل الله أن يثبّت قلبه على الحق بعيداً عن الزيغ والهوى فيقول: (يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّتْ قلوبَنا على دِينِكَ)،[١١] ويقول عليه السّلام أيضاً: (والميزانُ بيدِ الرَّحمنِ يرفَعُ قومًا ويخفِضُ آخَرينَ إلى يومِ القيامةِ).[١١]
  • أن يؤدّي المسلم ما افترضه الله عليه من الفرائض، المتمثّلة بالصّلوات الخمس وغيرها والتقرُّب إليه بالنوافل، فإن ذلك أدعى للوصول إلى حب الله ومسامحته.
  • الاستعانة بالرفقة الصالحة التي تُعين العبد على القيام بما يرضي الله من القول والعمل والبعد عن أسباب المعاصي، فقد قال النبيّ عليه الصّلاة والسّلام: (المرءُ على دينِ خليلِه، فلينظُرْ أحدُكم من يَخالُّ).[١٢]
  • الإكثار من تلاوة القرآن الكريم قراءةً وفهماً وحفظاً وترتيلاً وتفسيراً، والمواظبة على الأذكار اليوميّة التي تجعل العبد أقرب من الله، وتزيد اتصاله به، حتى يصل إلى المسامحة التي يرجوها من الله.


المراجع

  1. "من علامات قبول التوبة حسن الحال بعدها"، إسلام ويب - مركز الفتوى، 18/6/2001، اطّلع عليه بتاريخ 17/12/2016. بتصرّف.
  2. سورة نوح، آية: 10-12.
  3. محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، تفسير القرطبي، بيروت: دار الفكر، صفحة 277، جزء 11. بتصرّف.
  4. سورة النساء، آية: 110.
  5. سورة الأنفال، آية: 33.
  6. سورة الأعراف، آية: 23.
  7. سورة القصص، آية: 16.
  8. سورة النور، آية: 51-52.
  9. "نصائح للبعد عن المعاصي"، إسلام ويب، 31/10/2013، اطّلع عليه بتاريخ 25/2/2017.
  10. سورة آل عمران، آية: 186.
  11. ^ أ ب ت رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن النواس بن سمعان، الصفحة أو الرقم: 943، صحيح.
  12. رواه ابن عساكر، في معجم الشيوخ، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 2/1220، حسن غريب.