كيف يعامل الزوج زوجته

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٠٦ ، ٢٦ يناير ٢٠١٧
كيف يعامل الزوج زوجته

الزواج

يُعتبر الزّواج من أسمى وأقدس العلاقات الاجتماعيّة الموجودة بين البشر، حيث إنّه ليس مجرد علاقةٍ بين رجل يعيش مع امرأةٍ تحت سقف واحد فقط؛ بل هو علاقة بين شخصيّتين كلّ منهما لها كيانها المُستقلّ، ولكلٍ منهما حقوق التي ينبغي أن تؤمّن، وعلى كل شخصيّةٍ كذلك واجبتها التي ينبغي أن تُؤدّيها بحقّها، فالعلاقة بين الزّوجين علاقةٌ مُقدّسة بُنِيَت على إحصان كلّ طرفٍ منهما لشريكه، حتى أنّهما يندمجان في الحقوق والواجبات فيُصبحان وكأنّهما شخصاً واحداً، قال تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).[١]


فالزّواج إذا تُوِّجَ بالحب والسّعادة بين الزّوجين، وعامل الرّجل زوجته بالحُسنى وأحسن مُعاملتها وحفظ لها كرامتها، وأدّت هي واجباتها تجاهه، كانت حياتهما هانئةً مُستقرّةً كما وصفها الله سبحانه وتعالى في الآية سابقة الذّكر؛ يسكن إليها إذا أهمّه أمرٌ فيجد الحلول لمَشاكله والتّخفيف عنه بمصابه إذا تعرّض لمكروه، وإذا مرَّ بفرحٍ فرحت لفرحه، حتى يصلا بتقواهما وحسن مُعاملتهما مع بعضهما إلى جنّات الخلد، وكانا من خير خلق الله، حيث قال المُصطفى -عليه الصّلاة والسّلام- في الصّحيح: (خيرُكم خيرُكم لأهلِه وأنا خيرُكم لأهلي)،[٢] أمّا إذا عامل الزّوج زوجته بالإهانة فإنّ حياتهما ستنقلب إلى شقاءٍ وعذاب، وسيسودها القلق وعدم الاستقرار، وكي تستقر حياة الزّوجين وتنعم بالحب والمودّة التي أخبر عنها الله سبحانه وتعالى لا بدّ أن يُعامل الزّوج زوجته وفق طريقةٍ مُعيّنةٍ بيانها فيما يأتي.


كيفيّة المعاملة بين الزّوج وزوجته

أُشير سابقاً أن لكلا الزّوجين على الآخر مجموعةً من الحقوق وعليه مجموعة من الواجبات، وتُقسم واجبات الزّوج التي ينبغي أن يُؤمّنها لزوجته إلى عدد من الأقسام والفروع، فمنها ما هو ماليّ ومنها ما هو معنويّ في طريقة التّعامل وطبيعتها، وبيان تلك الواجبات فيما يأتي:


واجبات الزوج الماليّة تجاه زوجته

قسّم العلماء حقوق الزّوجة إلى حقوق ماليّة وحقوق معنويّة، وقسّموا الحقوق الماليّة إلى مُتجدّدة يجب أداؤها دوريّاً، وغير مُتجدّدة تُؤدَّى مرّةً واحدةً فقط، وتفصيل ذلك فيما يأتي:[٣]

  • المهرين المعجل والمؤجل: ينقسم المهر إلى مُعجّلٍ يُعطيه الزّوج لزوجته عند انعقاد عقد الزّواج وتمامه حالاً، ومهرٌ مُؤجّل يُستَحقّ بوفاته أو حصول الطّلاق بينهما، ويُعتَبر المهر من الحقوق الماليّة المُستقرّة؛ فيجب على الزّوج أن يوفيه للزوجة بحسب ما اتّفقا عليه في العقد، وذلك لقوله تعالى: (وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).[٤] يُقسم المهر في الوقت الحاضر إلى مُعجّل تأخذه الزّوجة حالاً، ومُؤجّل يُستَحقّ لها بوفاة الزّوج أو حصول الطّلاق بينهما.
  • حقّ الزّوجة في النّفقة عموماً: من المطعم والمأكل، والملبس، والمشرب، والمسكن، والتّطبيب؛ فالزّوج مُكلَّفٌ بالإنفاق على زوجته بحسب استطاعته وحاجتها، ويجب عليه أن يُؤمِّن لها كلّ ما تحتاجه ويكفيها عناء إيجاد وتدبير القوت والسّعي لأجل النّفقة بكل ما يختصّ هو به؛ وذلك لاستمرار حياتها اليوميّة دون تكلُّف أو تصنُّع؛ وذلك لقوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)،[٥] ولقوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ).[٦]


واجبات الزّوج المعنوية

يجب على الزّوج لزوجته العديد من الواجبات المعنويّة غير الماليّة المُهمّة لاستمرار حياتهما بهناءٍ واستقرارٍ وسكينة، حيث إنّ وجودها وتأمينها هو من مُستلزمات عقد الزّواج، ويمكن بيان بعض تلك الواجبات فيما يأتي:

  • المُعاشرة بالحُسنى: فإنّ أول ما يجب على الزّوج تجاه زوجته إكرامها والإحسان إليها ومُعاشرتها بالمعروف، وحفظ الكرامة لها، وسدّ جميع ما تطلبه من مُستلزمات تخصّ البيت وتخصّها، وتوفير الأمن والاستقرار وجميع وسائل الرّاحة لها، وتحقيق كلّ ما يدفع إلى التّأليف بينهما، ويجب عليه أن يتحمّل ما يصدر منها من أخطاء ويصبر عليها، لقول الله سبحانه وتعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيراً).[٧]
يُعدّ الإحسان للزّوجة من أفضل مظاهر اكتمال الإيمان وصدقه وقوّته، وهو دليلٌ على اكتمال الرّجولة وثباتها، فينبغي على المُسلم أن يكون مُتسامحاً مع أهله، يقول المُصطفى -عليه الصّلاة والسّلام: (أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنُهم خُلقاً، وخيارُكم خيارُكم لنسائهم)،[٨] ولقوله صلى الله عليه وسلم أيضاً: (خيرُكم خيرُكم لأهلِه وأنا خيرُكم لأهلي)،[٢] وإكرام المرأة يُظهر صدق الإيمان وحبّ الله ورسوله، حيث حثَّ رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام- عليه ودعا له في الكثير من الحوادث والأحوال، وقد ورد في ذلك الكثير من الأحاديث النبويّة الصّحيحة التي تدعو إلى احترام الزّوجة والإحسان إليها، وأشارت بعض الأحاديث إلى أنّ إهانة النّساء عموماً دليلٌ على النّذالة واللّؤم، حيث ورد أن عمرو بن الأحوص -رضي الله عنه- قال: (شَهِدَ حجَّةَ الوَداعِ معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فحَمدَ اللَّهَ وأَثنى علَيهِ وذَكَّرَ ووعظَ ثمَّ قالَ استَوصوا بالنِّساءِ خيرًا فإنَّهنَّ عندَكُم عَوانٍ ليسَ تملِكونَ منهنَّ شيئًا غيرَ ذلِكَ إلَّا أن يأتينَ بفاحشةٍ مبيِّنةٍ فإن فَعلنَ فاهجُروهنَّ في المضاجِعِ واضرِبوهنَّ ضربًا غيرَ مبرِّحٍ فإن أطعنَكُم فلا تَبغوا عليهنَّ سبيلًا إنَّ لَكُم مِن نسائِكُم حقًّا ولنسائِكُم عليكُم حقًّا فأمَّا حقُّكم على نسائِكُم فلا يُوطِئْنَ فرُشَكُم من تَكْرَهونَ ولا يأذَنَّ في بيوتِكُم لمن تَكْرَهونَ ألا وحقُّهنَّ عليكم أن تُحسِنوا إليهنَّ في كسوتِهِنَّ وطعامِهِنَّ)،[٩] لذلك يجب إكرام النّساء والإحسان إليهنّ عموماً، ويُخصّص في ذلك الزّوجات والأمّهات.[١٠]
  • أن يعفِها من الوقوع في الإثم والحرام بتحقيق المَقصود من عقد النّكاح والذي يُعدّ الجماع جزءً منه؛ وذلك مراعاةً لمصلحتها في النّكاح، وحفظاً لها من الفتن والوقوع في المُحرَّم، لقوله سبحانه وتعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّه)،[١١] وقوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)،[١٢] ولقوله -عليه الصّلاة والسّلام-: (وفي بُضعِ أحدِكمْ صَدقَةٌ، قالوا يا رسولَ اللَّهِ يأتي أحدُنا شهوتَهُ ويكونُ له فيها أجرٌ؟ قال أرأيتُمْ لو وضعها في حرامٍ أكان يكونُ عليه وِزْرٌ؟ قالوا: نعمْ، قال فكذلِكَ إذا وضعها في الحلالِ يكونُ لهُ أجرٌ)،[١٣] والمقصود في قوله: بضع أحدكم؛ الجماع.[٣]
  • أن يُعامل الزّوج زوجته وفق ما أمره الله ورسوله من خلال الكتاب والسُنّة، وذلك يكون أثناء العلاقة الزوجيّة بينهما، وخلال حياتهما الزوجيّة عموماً، فلا يحقّ له أن يأمرها بمُحرّم، ولا يجوز له كذلك إتيانها بما حُرِّمَ عليه فعله؛ كأن يأتيها من الدّبر، أو أن يُجامعها في فترة حيضها ونفاسها، أو ما شابه ذلك، وإن أمرها بشيءٍ من ذلك وجب عليها منعه وعدم إجابته إلى ما طلب.[١٤]
  • أن يرعى شؤونها الحياتيّة والدينيّة والدنيويّة، ولا يجعلها بحاجة غيره من النّاس، وأن يقوم بكل ما ينبغي عليه القيام به من واجباتٍ بيتيّة تُوفّر لها الأمن والاستقرار، وتُؤمِّن لها حياةً تستقرّ إليها نفسها ويطمئنّ بالها وتهنأ بحياتها.[١٥]

*أن يسعى لإصلاحها إن وجد منها ما فيه معصيةٌ، أو ارتكاب مُحرّم، أو تركٌ لفرائض الله وأموامره، وأن يُعينها على الطّاعة إذا نشطت إليها، ويأمرها بها ويُشجّعها عليها في كل وقتٍ وحين.[١٦]


المراجع

  1. سورة الروم، آية: 21.
  2. ^ أ ب رواه ابن جرير الطبري، في مسند عمر، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، الصفحة أو الرقم: 1/408، إسناده صحيح.
  3. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين (1424هـ)، الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، السعودية: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، صفحة 304-305. بتصرّف.
  4. سورة النساء، آية: 4.
  5. سورة البقرة، آية: 233.
  6. سورة النساء، آية: 34.
  7. سورة النساء، آية: 19.
  8. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 1162، حسن صحيح.
  9. رواه الألباني، في صحيح ابن ماجة، عن عمرو بن الأحوص، الصفحة أو الرقم: 1513، حسن.
  10. سيد سابق (1977)، فقه السنة (الطبعة الثالثة)، بيروت: دار الكتاب العربي، صفحة 185-186، جزء 2. بتصرّف.
  11. سورة البقرة ، آية: 222.
  12. سورة البقرة، آية: 223.
  13. رواه ابن القيم، في إعلام الموقعين، عن أبي ذر الغفاري، الصفحة أو الرقم: 1/181، صحيح.
  14. وهبة مصطفى الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (الطبعة الرابعة)، بيروت: دار الفكر، صفحة 6846، جزء 9. بتصرّف.
  15. فقه الأسرة، أحمد علي طه ريان، صفحة 179.
  16. فقه النكاح والفرائض، محمد عبد اللطيف قنديل، صفحة 57.