لماذا الدخان مفطر

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٧:٤٠ ، ٥ أبريل ٢٠١٧
لماذا الدخان مفطر

التدخين والصيام

جرى الخلط عند بعض المُدخّنين في سبب جعل التّدخين من المُفطِرات التي تُؤدّي إلى إفساد صيام الصائم إذا ما لجأ للتدخين في نهار رمضان، حيث ظهرت دعوى مضمونها أنّ التدخين إنّما هو مُجرّد هواء ونَفَسٍ كما هو الحال في أي هواء يدخل إلى رئة الصائم، فليس فيه إثمٌ ولا يُؤدّي إلى إفطاره إن تناوله الصائم في نهار رمضان، وأنّ الصائم ربما يتعرّض للعديد من الأدخنة، مثل دخّان السيارات والمصانع وغير ذلك، وأن تلك الأدخنة لا تُؤدّي إلى إفساد صيامه إذا ما استنشقها، فيكون حكم التدخين في نهار رمضان للصائم كحكم تلك الأدخنة الدخيلة التي يتنفّسها يوميّاً بطريق الخطأ، لكن الذي يضع علامة استفهامٍ على تلك الدعوى هو وجود مادة التبغ في الدُّخان الذي يتناوله المُدخِّن إضافةً إلى بعض المُحترزات الأخرى، فهل يجب اعتبار التدخين ممّا يُؤدّي إلى إفساد صوم الصائم؟ وما العلة التي تجعله من المُفطرات مع أنه مُجرّد دخان يتنفسه الفرد كما يتنفس أيّ دخانٍ صادرٍ من حرق أي مادةٍ غيره؟


تعريف التّدخين

التّدخين عمليّةٌ يجري فيها إحراق مادّةٍ مُعيّنة عن طريق استنشاقها مُباشرةً عن طريق الفم، والمادة الأكثر استخداماً في ذلك هي مادة التّبغ، وبعد إحراقها يتذّوقها الشّخص ويَستنشقها.[١] ويتوفّر التدخين بعدّة أشكال يمكن للمدخِّن الوصول إلى حاجته من استنشاق المادة المحروقة عن طريقها، وهي السجاير، والشيشة أو الأرجيلة.


هل التدخين يُفطر

انتشرت معلومةٌ بين الناس مضمونها أن التّدخين إنّما هو مجرد هواء مطلق، فدخوله إلى الجوف لا يُؤدّي إلى إفطار الصائم أو إفساد صيامه، وبالتالي فإن المدخن لا يلزمه قضاء الصيام، ولا يجب عليه الامتناع عن التدخين في نهار رمضان، ومن أنصار هذا الرّأي المفكر المصري جمال البنا، وقد استند أصحاب هذا الادعاء على مجموعة من الأدلّة، منها:[٢]

  • إنّ التّدخين لا تجري به الفائدة الغذائيّة للجسد فلا نفع للصائم من شربه، وهو لا يتعارض مع قصد الصيام فليس مُفطراً.
  • إن كان التدخين مُفطراً فكأنّه يوجب على من اشتمّ عوادم السيّارات أو البخار الناتج عن المطاعم وعوادم المصانع الإفطار والقضاء في رمضان لاعتبار صيامه باطلاً بما اشتمّ من روائح.
  • إنّ التدخين ليس له جرمٌ يدخل من خلاله إلى جوف الصائم وبالتّالي إفساد صيامه كما يرى الفقهاء، وإن كان له جرمٌ فإنّ هذا الجرم الوهميّ لا يصل إلى باطن الجوف، وإنّما يصل إلى الرّئتين اللتين هما مكانٌ للهواء لا للغذاء كما يقول الأطباء.
  • إنّه لا يوجد نصٌّ صحيح صريح في القرآن الكريم أو السُنّة النبويّة يدلّ على كون التّدخين ممّا يفسد الصيام ويُؤدّي إلى إفطار الصّائم، وبالتالي لزوم القضاء عليه.
  • إنّ هذا القول فيه تيسير للأمّة؛ لأنّ من الناس من يترك الصّيام من أجل التّدخين، وقد أُبيح له التّدخين في نهار رمضان من باب ارتكاب أخفّ الضَررين لدفع أعلاهما وهو الإفطار.


وهذه الدعوى خطيرة ولها أبعادها الشرعيّة والاعتقاديّة لما له من تعلّقٌ بانتهاك حرمة الصّيام، ناهيك عن اقتراف كبيرةٍ هي من أشدّ الكبائر في الإسلام. أفتى فضيلة العلّامة الشيخ الدكتور نوح القضاة -رحمه الله- مُفتي المملكة الأردنيّة الهاشمية سابقاً بأن التّدخين مُفطرٌ للصائم، وأنّ الذي يُدخّن في نهار رمضان يلزمه القضاء والعقوبة وعليه الكفارة، وقد وافقه غالب علماء العصر الحالي الثّقات، وذلك لعدة أسباب بيانها فيما يأتي:[٣]

  • إنَّ من مُبطلات الصّيام إدخال عينٍ ذات جُرمٍ إلى جوف الصائم أثناء النهار من خلال منفذٍ مفتوح، كالفم مثلاً، شريطة أن يكون ذلك عن قصدٍ وتعمُّد مع تذكُّره أنّه صائم، سواء كان ذلك الشيء الداخل إلى الجوف مشروباً أو مطعوماً أو غير ذلك، وسواءً بذلك أن يكون القصد من إدخاله أن يُتغذّى به أو لا، يميل إليه الطّبع كسائر المطعومات والمشروبات، أو لا يميل إليه كالحصاة ونحوها.
  • يُعتبر شرب الدخان من المُفطرات؛ لأنّ في شربه شهوةٌ ظاهرة، ولذّة يصل إليها المدخِّن، فتُغنيه عنه فترةً من الوقت.
  • في التدخين جرمٌ مَرئيٌّ يُدخله الصّائم إلى جوفه عمداً بقصد شربه، حتى إن كانت ذرّاته صغيرةً جدّاً، وهو يحتوى بالفعل على بعض المواد التي تُعتَبر، ممّا يُؤدّي إلى إفطار الصائم إن دخل إلى جوفه، منها أنّ في السيجارة الواحدة 3ملجم من النيكوتين، و36ملجم من القطران أو القار، و20ملجم من أول أكسيد الكربون، إضافةً إلى مواد أخرى كثيرة.


حُكم التَّدخين

يستند العلماء في القول بحرمة التَّدخين إلى مجموعة من الأحكام الفقهية، حيث لم يرد له حكمٌ صريحٌ في الكتاب ولا في السُنّة ولا في إجماع الصّحابة، بل ما جاء فيه ليس إلا أدلةً قيست على بعض الأحكام المُماثلة في العلة، وبعض النصوص التي وجد العلماء فيها إشارة إلى حرمة التَّدخين، ويُعتَبر ذلك من باب الاجتهاد الفقهيّ والقياس التطبيقيّ لمسألة لم يرد بخصوصها نصٌ شرعي.


يرى معظم علماء العصر الحالي الثقات أن التدخين مُحرَّمٌ بإجماع الأمّة، ويصدق ذلك الحكم على جميع أنواع التدخين الداخل فيها ما يحتويه من مواد، كالأرجيلة/ الشيشة والسجائر وغير ذلك من أنواع التدخين، وقد استند القائلون بحرمة التدخين على ما ذهبوا إليه بعددٍ من الأدلة من القرآن والسُنّة وغيرها، ومن أهمِّ ما استند إليه العلماء في ذلك نهي النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- عن الاقتراب من أي شيءٍ يُلحِق الضّرر بالنّفس البشريّة أو بالغير حتى إن لم يكن بشراً، وقد أثبت علماء الطب الحديث الثقات أن التّدخين يُؤدّي إلى إلحاق الضّرر بصاحبه وبغيره ممن يصله رائحة التّدخين ويشتمّه من المدخِّن حال تدخينه، أمّا أدلّة الفقهاء على تحريم التدخين فمنها:[٤]

  • قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)؛[٥] فإنّ الله -سبحانه وتعالى- يُخاطب المسلمين جميعاً في هذه الآية بأنّه أباح لهم الطيّبات من الطعام والشراب، والتّدخين قطعاً ليس من الطيّبات، فيكون مُحرّماً لكونه خبيثاً.
  • قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)؛[٦] فقد أباحت هذه الآية صراحةً أن يأكل المسلم ويشرب كلَّ ما كان في أصله وتأصيله طيّباً، سواءً بذلك إن كان من المأكولات أو المشروبات، ولا يُؤدّي تناوله إلى إلحاق الضّرر بالإنسان، وحيث إنّ التدخين بأصله خبيث وفي تأصيله خبيث، ويُؤدّي تناوله إلى إلحاق الضّرر بالإنسا،ن فلا يكون تناوله مُباحاً بل محرماً.
  • ما جاء عن النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- من قوله: (لا ضَررَ ولا ضِرارَ)؛[٧] وبناءً على هذا الحديث فإنّه لا يجوز للمُسلم أن يُلحق الضّرر بنفسه أو بغيره، وقد ثبت بالدليل القطعيّ عن الأطباء الثّقات أن التّدخين يُلحِق الضّرر بالمدخِّن كما يُلحق الضّرر بجُلَسائه، فقد حوى النَهيَين الواردَين في الحديث السابق؛ وهما الضّرر بالجسم، والإضرار بالغير.
  • استدلّ أهل العلم القائلون بحرمة التّدخين بما رُوِيَ عن أم سلمة رضي الله عنها حيثُ قالت: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ)؛[٨] وقد أثبت العلم الحديث أنّ التدخين يحوي مواد مُسِكرة، وما أسكر كثيره فقليله مُحرَّم.


المراجع

  1. "إتيكيت التدخين"، البوابة، 28-11-2016، اطّلع عليه بتاريخ 14-3-2017.
  2. "الرد على من يقول إن التدخين لا يفطر الصائم"، إسلام ويب، 8-12008، اطّلع عليه بتاريخ 20-3-2017. بتصرّف.
  3. سماحة الشيخ الدكتورنوح القضاة (23-7-2012)، "التدخين في نهار رمضان يبطل الصيام"، دائرة الإفتاء العام في المملكة الأردنية الهاشمية، اطّلع عليه بتاريخ 20-3-2017. بتصرّف.
  4. "من الأدلة على حرمة شرب الدخان"، إسلام ويب، 22-2-2004، اطّلع عليه بتاريخ 12-3-2017. بتصرّف.
  5. سورة المائدة، آية: 4.
  6. سورة البقرة، آية: 172.
  7. رواه النووي، في الأذكار، عن أبو سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم: 501، حسن.
  8. رواه أبو داود، في سنن أبي داود، عن أم سلمة هند بنت أبي أمية، الصفحة أو الرقم: 3686، يؤخذ به.