لولا الله ما اهتدينا

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٤٧ ، ٢١ يناير ٢٠١٨
لولا الله ما اهتدينا

لولا الله ما اهتدينا

يسعى المسلم في حياته إلى عبادة الله والإخلاص له في العبادة، ولكن قد تمرُّ به حالات فتورٍ وضعفٍ، وتتقاذفه الشهوات والمعاصي، فإمّا أن يركن لها ويرضخ لشهواته، أو يعصي هواه ويترك المعاصي، ويتوجّه بلُبِّه وجميع أقواله وأفعاله إلى ما يُرضي الله تعالى، ويبتعد عن جميع ما حرّمه، فيكون ثوابه جنة عرضها السماوات والأرض أُعدّت لمَن اتّقى.


والهداية أمر لا يُمكن لأحدٍ من البشر أن يتصرّف به، فهي بأمر الله -تعالى- فقط؛ فهو يهدي من يشاء، ويُضِلُّ من يشاء، ويجعل من يشاء من أهل الجنة، ومن يشاء من أهل النار، وذلك بناءً على علمه الأزليّ بعباده وأعمالهم وطبائعهم، وقد قال -تعالى- في كتابه: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)،[١] فكيف تكون الهداية من الله؟


معنى الهداية

للهداية عدّة معانٍ لغةً واصطلاحاً، وفيما يأتي بيان ذلك:

  • الهداية لغةً: هي مصدر للفعل هَدَى يَهدي، فهو هادٍ والمفعول منه مَهدِيّ، وهي الإرشاد والدلالة إلى ما يوصل إلى الهدف المطلوب، ويُقال للشخص الذي يُوزِّع المعرفة وينشرها: منار الهداية، وهَدَى الحائرَ: أي أرشده، وأوصله، ودلّه على الطريق السليم، وضدُّ الهداية الضّلال، وهدَى هَدْيَ فُلانٍ: أي أنّه سلك طريقه، واسترشد به، وتبِع نهجه، أمّا المقصود بهداية الله: فهي حُسن الله وتوفيقه لعباده؛ للوصول إلى الإيمان والحقّ.[٢]
  • الهداية اصطلاحاً: الدلالة بلُطف إلى ما يوصِلُ المرء إلى بُغيته وهدفه، والهداية خاصّةٌ بالخير، ولا يمكن أن تكون للشّر.[٣]


الهداية من الله

من مُسلَّمات الأمور أنّ الهداية والصلاح رزق من الله -تعالى- يرزقها من يشاء من عباده؛ وذلك وفق حكمةٍ وتقديرٍ وعلمٍ مُسبَقٍ من الله -سبحانه وتعالى- بأحوال عباده وحقيقة صفاء نيّاتهم، أمّا كيفية هداية الله -تعالى- لعباده وتوفيقه لهم فلا يعلم حقيقة ذلك إلّا الله، فهو القادر على ذلك، وهو المتصرّف به، فله الأمر في هداية من يشاء من عباده، وقد قال الله تعالى في كتابه: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ*قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).[٤] وقد جعل الله -تعالى- العقل مناط التّكليف؛ فالعاقل يختار بالدليل والبُرهان الطاعة ويبتعد عن المعصية، فمن أطاع الله -تعالى- وأطاع رسوله -صلّى الله عليه وسلّم- واتّبع النّهج القويم الذي ارتضاه له الله تعالى، وجَبَت له الجنة، ومن عصاه واتّبع الهوى وجَبَت له النّار.[٥]


وتفسير الهداية من الله تعالى، يعني أنّ لا أحد يملك الهداية إلّا الله تعالى، حتى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الذي بعثه الله هُدىً للناس، اقتصرت وظيفته على تبليغ الناس وإرشادهم إلى الطريق القويم، ثمّ يهدي الله من يشاء، قال الله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)،[٦] فالرسول -صلّى الله عليه وسلّم- لمّا أراد الهداية لأقرب الناس إليه عمِّه أبي طالب لم يستطع ذلك، وجاءه من الله -تعالى- البيان بأنّ الهداية بيد الله وحده، قال الله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).[٧][٨]


مراتب الهداية

هداية الله -سبحانه وتعالى- لعباده لها عدّة مراتب، فهي تتفاوت حسب مقصدها، وحسب حال المُكلَّف، وطبيعة الهداية ذاتها، وبيان مراتب الهداية على النحو الآتي:[٩]


الهداية العامّة

الهداية العامّة هي الهداية التي تكون عامّةً لجميع مخلوقات الله تعالى؛ وهي تشمل الخَلق، والتسوية، والتقدير، والهِداية؛ فكلّ نفس خلقها الله تعالى، هداها لِما يُصلح حالها من جلب المنافع، ودفع المضارِّ عنها، وتأتي هذه المرتبة من الهداية للمخلوقات بالفطرة، فقال الله تعالى في القرآن الكريم: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى*الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى*وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)،[١٠] ومن أشكال الهداية العامة من الله لمخلوقاته هداية الذكران لإتيان الإناث، وهداية الجنين للخروج من رحم أمّه، ومن أمثلة الهداية العامة للمخلوقات ما ألهمه الله -سبحانه وتعالى- للنّحل والنّمل في اتّخاذها من الجبال والشجر والأرض بيوتاً، قال الله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ).[١١][٩]


هداية الدلالة والإرشاد

هداية الدلالة والإرشاد هي مرتبة من الهداية خاصّةٌ بالرُّسل والأنبياء، وما جاءت به الكتب السماوية، وهذه الهداية خاصّة بالمُكلَّفين، وهي حجّة الله -تعالى- على عباده، قال الله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)،[١٢] يقول ابن كثير في تفسير الآية: (أي أنّه تعالى أنزل كُتُبه، وأرسل رُسُله بالبشارة والنذارة، وبيّن ما يحبّه ويرضاه ممّا يكرهه ويأباه؛ لئلّا يبقى لمُعتَذِر عُذر).[٩]


هِداية التوفيق والمعونة والإلهام

تستلزم هِداية التوفيق والمعونة والإلهام أمرين، هما: فعل الله -تعالى- المتمثّل بالهداية التي لا تكون إلّا منه، وفعل العبد المتمثّل باهتدائه إلى ما يُرضي الله تعالى، وهذه المرتبة من الهداية لا يقدر عليها أحد إلّا الله تعالى، فقد قال في مُحكَم كتابه: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى)،[١٣] فلا تكون لمَلَك مُقرَّب، ولا لنبيٍّ مُرسَل.[٩]


الهداية إلى الجنّة والنّار يوم القيامة

الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة هي آخر مرتبةٍ من مراتب الهداية؛ فالله -تعالى- يهدي عباده في الحياة الدنيا إلى ما يوصلهم إلى الجنة يوم القيامة، فمن اتّبع الرُّسل وآمن بما في الكتُب السماويّة، وسار على النهج القويم والصِّراط المستقيم، هُدِي يوم القيامة إلى الصراط المستقيم، والجنة التي أعدّها الله -تعالى- لعباده المؤمنين.[٩]


المراجع

  1. سورة القصص، آية: 56.
  2. "تعريف ومعنى هداية"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 4-1-2018. بتصرّف.
  3. عبد الرحمن بن محمد القماش، الحاوي في تفسير القرآن الكريم، إمارة رأس الخيمة: وزارة الأوقاف الإماراتية، صفحة: 206. بتصرّف.
  4. سورة الأنعام، آية: 148-149.
  5. محمد صالح المنجد (11-9-2014)، "الهداية من الله والأسباب من العباد"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 3-1-2018. بتصرّف.
  6. سورة يونس، آية: 99.
  7. سورة القصص، آية: 56.
  8. الطبري، تفسير الطبري، صفحة: 392. بتصرّف.
  9. ^ أ ب ت ث ج محمد فتحي حسان (16-5-2010)، "مراتب الهداية في القرآن الكريم"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 4-1-2018. بتصرّف.
  10. سورة الأعلى، آية: 1-3.
  11. سورة النحل، آية: 68.
  12. سورة النساء، آية: 165.
  13. سورة مريم، آية: 76.