ما مظاهر ليلة القدر

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:١٧ ، ٥ مارس ٢٠١٧
ما مظاهر ليلة القدر

ليلة القدر

هناك بعض الأمور والمظاهر في الحياة الدُّنيا ميَّزها الله سُبحانه وتعالى بصبغةٍ خاصّةٍ، وأعطاها مكانةً فريدةً، ومنزلةً جعلتها ترقى من كونها أمراً دُنيويّاً بحتاً؛ لتُصبحَ شعيرةً من الشعائر التي يتقرّب بها العبد إلى خالقه سبحانه وتعالى، فمن ذلك أن ميَّز شهر رمضان المُبارك من بين شهور السّنة بالصّيام، والقيام، ومُضاعَفة الأجر، كما ميَّز أيّام شهر رمضان العشر الأواخر ولياليهنّ، وجعل قيامَهُنَّ فضيلةً لا يبلُغُها إلّا من بلغ مكانةً رفيعةً من العلوّ الدينيّ، وميَّز بين تلك اللّيالي؛ خاصّةً ليلة القدر التي ذكرها في كتابه العزيز؛ فليلة القدر تُعدّ من أهمّ ليالي شهر رمضان المُبارَك الذي هو أهمّ شهرٍ في السّنتَين الهجريّة والميلاديّة.


وقد جعل الله سبحانه وتعالى لِلَيالي العشر الأواخر وليلة القدر تحديداً علاماتٍ ومظاهرَ خاصّةً تتميّز بها؛ ليُدرك من يُقيمها أنّه أصاب ليلة القدر، ويرجع ذلك إلى عِظَم أجر قيامها؛ فالمسلمون يترقّبونها؛ لينالوا أجر قيامها الذي يُعدّ خيراً من قِيام وصِيام وعبادة ألف شهرٍ، قال تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)،[١] فما هي مظاهر ليلة القدر وعلاماتها التي أشارت إليها النّصوص الصّحيحة؟


معنى ليلة القدر

ليلة القدر لُغةً

للوصول إلى تعريفٍ تامٍّ لليلة القدر، لا بُدّ أن تُعرَّف اللفظتان اللتان تتكوّن منهما، وهما: ليلة، وقدر، وفيما يأتي بيان معناهما في اللُّغة:[٢]

  • الليلة: هي التي يُراد بها عُرفاً جزءٌ ممّا يتكوّن منه اليوم من نهارٍ وليلٍ، ويتعلّق الليل أو الليلة بالجزء المُظلِم من اليوم، وحدُّ الليلة في اللُّغة يبدأ بعد غروب شمس كلِّ يومٍ، وحتّى طلوع الفجر الثاني.
  • القَدر: له في اللّغة عدّة معانٍ، ومنها:
    • القدر: الشّرف والوقار والعَظَمة، ومن ذلك قول الله -سبحانه وتعالى- في كتابه: (وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ)،[٣] فقد سُمِّيت ليلة القدر بذلك؛ لأنّها ليلة لها مكانةٌ خاصّةٌ، ولها شرفٌ ووقار وعظمة تفوق غيرها من اللّيالي؛ ومن عظمتها وشرفها ورِفعتها أن نُزِّل فيها القرآن الكريم.
    • القدر: القدر الذي يقترن لفظه مع لفظة القضاء غالباً، يُراد به أنّ الله -عزّ وجل- يُقدِّر في تلك الليلة أحكام السنّة كاملةً، ويُقدّر وقتها وساعتها، كما يقدِّر من سيُدركها ممَّن لن يُدركها، ومن ذلك قول الله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين*فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم).[٤]


ليلة القدر اصطلاحاً

تُعرَّف ليلة القدر اصطلاحاً بأنّها ليلة مُبارَكة من ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، أنزل الله -سبحانه وتعالى- فيها القرآن العظيم، وفيها يُفصّل ما يكون في السّنة من مقادير الخلائق والعباد، ويُعدّ العمل فيها خيراً من العمل في ألف شهر من غيرها من الأيام واللّيالي.[٥]


أيّام ليلة القدر

ليلة القدر هي ليلةٌ اقتصر وجودها على شهر رمضان المُبارك، وتحديداً في الليالي الفرديّة من العشر الأواخر فقط؛ حيث رُوِي عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: (أتاكُم رَمضانُ شَهرٌ مُبارَك، فرَضَ اللَّهُ عزَّ وجَلَّ عليكُم صيامَه، تُفَتَّحُ فيهِ أبوابُ السَّماءِ، وتُغَلَّقُ فيهِ أبوابُ الجحيمِ، وتُغَلُّ فيهِ مَرَدَةُ الشَّياطينِ، للَّهِ فيهِ ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شَهرٍ، مَن حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ)،[٦] أمّا تخصيص الليالي الفرديّة لها عن باقي ليالي العشر؛ فدليلُه ما رواه عُبادة بن الصّامت -رضي الله عنه- حيث قال: (خرج النبيّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخبرنا بليلةِ القدرِ، فتلاحَى رجلانِ من المسلمينَ، فقال: خرجْت لأُخبِركم بليلةِ القدرِ، فتلاحَى فُلانٌ وفُلانٌ فرُفِعَت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمِسوها في التّاسعةِ والسّابِعةِ والخامِسةِ).[٧]


المقصود من الحديث السّابق أنّ ليلة القدر كانت معلومةً، وقد أوشك رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- على إخبار الصّحابة بها، حتّى اختلف في موعدها رجُلان من الصّحابة، فغُيِِّب موعدها الدّقيق وبقي مُعوَّماً؛ كونها من الليالي الفرديّة من العشر، وهي حسب نصّ الحديث تحديداً ليلة التّاسع أو السّابع أو الخامس والعشرين من العشر الأواخر من ليالي شهر رمضان المُبارَك، وقد جاء في حديثٍ آخر رواه عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (هيَ في العَشرِ، هيَ في تِسعٍ يَمضِينَ، أو في سَبعٍ يَبقَينَ؛ يعني ليلةَ القدرِ)؛[٨] فقد حدّد رسول الله ليلة القدر في هذا الحديث، وخصَّها بليلة التّاسع والعشرين، أو السّابع والعشرين من شهر رمضان فقط.


علامات ليلة القدر

لِلَيلة القدر الكثير من العلامات التي تدلّ عليها، وتُرشِد إلى تحقُّقها في ليلةٍ دون الأُخرَيات من ليالي العشر؛ حيث إنّها مجهولةٌ للمسلمين، ومن بين تلك العلامات ما أخبرَ عنه النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في أكثر من حديثٍ، ومنها ما رواه عبادة بن الصّامت -رضي الله عنه- وفيه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (... إنَّ أمارةَ ليلةِ القدرِ أنّها صافيةٌ بَلِجَةٌ، كأنَّ فيها قمراً ساطعاً، ساكنةٌ ساجيةٌ لا بردَ فيها، ولا حرَّ، ولا يحلُّ لكوكبٍ أنْ يُرمى به فيها حتّى تُصبِحَ، وإنّ أمارتَها أنَّ الشّمسَ صبيحتَها تخرجُ مُستوِيةً ليس لها شعاعٌ مثلَ القمرِ ليلةَ البدرِ، لا يحلُّ للشّيطانِ أن يخرُجَ معها يومَئذٍ).[٩]


ومن علامات ليلة القدر التي ذُكِرت في الحديث السّابق ما يأتي:[٥]

  • تكون الشّمس فجر ليلة القدر وصباحها خافتةً، لا شُعاع فيها؛ فليست ساطعةً حارِقةً.
  • تكون ليلة القدر عموماً ليلةً مُستقِرَّة الأجواء؛ فلا هي باردة، ولا حارّة.
  • تكون السّماء ليلة القدر صافيةً؛ لا غيمَ فيها ولا غُبار، ويكون القمر ساطعاً مُنيراً.
  • تُصفَّد الشّياطين في ليلة القدر، ولا يكون لها وجود، وتنتشر الملائكة في أرجاء المعمورة.


فضل ليلة القدر

لِلَيلة القدر منزلة رفيعة جليلة، وفضائل كثيرة عديدة، ومن تلك الفضائل:[١٠]

  • أنزل الله عزَّ وجلّ في ليلة القدر القرآنَ الكريمَ، الذي فيه هداية عامّة للجنّ والإنس، وفيه سعادتهم وصلاحهم في الدُّنيا، وطريق نجاتهم في الآخرة.
  • وصَفَ الله -سبحانه وتعالى- ليلة القدر باللّيلة المُبارَكة في عدّة مواضع في كتابه العزيز، ومن ذلك قوله عزَّ وجلّ: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين).[٤]
  • وصف الله -سبحانه وتعالى- ليلة القدر بالليلة التي يُقضى فيها كلّ ما يَكون أثناء السّنة كاملةً من أرزاق العباد وآجالهم، ومن ذلك قوله عزَّ وجلّ: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم).[١١]
  • يتضاعف العمل في ليلة القدر، وتربو الأجور؛ فالعمل فيها خيرٌ من العمل في ألف شهرٍ ممّا في سواها من الليالي والأيّام والشُّهور؛ فمن أدركها واغتنمها فقامها بحقّها، فقد أدرك فضلاً عظيماً، ومن فوَّتها أو لم يؤدِّ قيامها بحقِّه فقد حُرِم الخيرَ الكثير؛ فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (إنَّ هذا الشَّهرَ قد حضركم، وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، مَن حُرِمَها فقد حُرِم الخيرَ كُلَّه، ولا يُحرَمُ خيرَها إلَّا محرومٌ).[١٢]


المراجع

  1. سورة القدر، آية: 3.
  2. وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلامية - الكويت (1427هـ)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: مطابع دار الصفوة ، صفحة: 360، جزء 35. بتصرّف.
  3. سورة الحج، آية: 74.
  4. ^ أ ب سورة الدخان، آية: 3.
  5. ^ أ ب د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني (2010)، الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة -مفهومٌ، وفضائلُ، وفوائدُ، وخصائصُ، وشروط، وأركان، ومسائل، وآداب، وحكمٌ، وأحكامٌ (الطبعة الثانية)، السعودية: مركز الدعوة والإرشاد بالقصب، صفحة: 420-435. بتصرّف.
  6. رواه الألباني، في صحيح النسائيّ، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 2105، صحيح.
  7. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبادة بن الصامت، الصفحة أو الرقم: 49، صحيح.
  8. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 2022، أورده في صحيحه.
  9. رواه ابن كثير، في جامع المسانيد والسُّنن، عن عبادة بن الصامت، الصفحة أو الرقم: 5729، إسناده حسن.
  10. أبو مالك كمال بن السيد سالم (2003)، صحيح فقه السنة وأدلّته وتوضيح مذاهب الأئمة، القاهرة: المكتبة التوقيفية، صفحة: 147، جزء 2. بتصرّف.
  11. سورة الدخان، آية: 4.
  12. رواه المنذري، في التّرغيب والتّرهيب، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 118/2، إسناده حسن.