مقالة جدلية حول الفلسفة الحديثة

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٦:٤٤ ، ٢٦ يوليو ٢٠١٦
مقالة جدلية حول الفلسفة الحديثة

الفلسفة الحديثة

تُعرف الفلسفة - حسب الفيلسوف الفرنسي جيل دلوز- بأنّها فنُّ إبداعٍ، وتكوين وصناعة المفاهيم. وممّا لا شكّ فيه أنّ مفهوم الحداثة يُعتبر من أهمّ المفاهيم الفلسفيّة التي شغلت فلاسفة العصور الحديثة، والذي يرجع إليه في كافة الإشكالات والمشاغل الفلسفيّة خلال القرون الثلاثةِ الأخيرة.


يُبيّن ميشال فوكو أنّ الفلسفة أصبحت نمطاً من أنطولوجيا الحاضر؛ بحيث تتناول سؤال الوضع الراهن، وحقول التجارب الممكنة عن طريق التفكير والنقد والإشكال، إذاً فإنّ الفلسفة الحديثة هي فئة من الفلسفة بشكلٍ عام، نشأت في القرن السابع عشر للميلاد في أوروبا الغربيّة، وامتدت منها إلى شتّى بقاع الأرض، وهي ليست مدرسة أو عقيدة محددة؛ فالحَداثة واحدة من أهمّ المفاهيم الفلسفيّة وليست الفلسفة الحديثة، لهذا لا يجوز الخلط بين الفلسفة الحديثة والحداثة، وإن نشأت بعض الافتراضات أو النقاط المشتركة بينهما؛ فالحداثة هي تجديد وتحديث كل ما هو قديم، ويبرز هذا المفهوم بشكلٍ كبير في المجال الفكري التاريخي والثقافي للدلالة على مرحلة التطوّر التي ابتدأت من أوروبا تحديداً في العصور الحديثة.


كانت البداية الأولى لنشأة الفلسفة الحديثة في القرن السابع عشر للميلاد وانتهت في القرن العشرين، لتبدأ بعدها فترة ما بعد الحداثة أو العصرنة، لهذا فإنّ الفلسفة الحديثة تُشير إلى فلسفة عصر النهضة أو الفلسفة الحديثة المبكرة، أما الفلسفة التي جاءت إبان القرن العشرين فيطلق عليها اسم (الفلسفة المعاصرة).


اتجاهات الحداثة

السؤال الفلسفيّ للحداثة سار في اتجاهين في مرحلة ما بعد الكانتيين، وهما:

  • اتجاهٌ نقديٌ ذاتيٌّ: راهن هذا الاتجاه على قدرة الحداثة – كمشروعٍ غير مكتمل – في الحصول ذاتيّاً على ضماناتها الخاصّة، وتعبّر عن هذا الاتجاه الفلسفة الهيغليّة بكافة امتداداتها الراهنة، وهي عبارة عن شكلٍ من جدليّة العقل التي تتمحور حول مبدأ الذاتيّة.
  • اتجاهٌ نقديٌ راديكاليّ: دعا هذا الاتجاه إلى تفكيك أو هدم الأفق العقلاني الميتافيزيقيّ للحداثة، وعبّرت عن هذا الاتجاه فلسفة نيتشه بكافة امتداداتها المعاصرة، وقد اتّخذ هذا الاتجاه شكل نقدٍ جينالوجيٍّ جذريّ للمقوّمات العقلانيّة للحداثة، إضافةً لمبدأ الذاتيّة الذي تولّد عنه.


قدرة الحداثة على تحقيق مشروع التحرّر الذاتي

استمرّ الحوار في عصرنا الحالي وفقاً للإشكاليّة ذاتها، والتي تكمن في مدى قدرة الحداثة – كمسارٍ عقلاني – على تحقيق فكرة التحرّر الذاتي ضمن أبعادها المعرفيّة والمجتمعيّة، لكنّ الحقل الفلسفي العربي أولى اهتمامه للإرث النِتشوي /الهايدغري في قراءاته المتباينة وصيغه المنوّعة، في المقابل فإن اهتمامهم قلّ برافدٍ آخر عصيٌّ عن التصنيف في أدبيّات ما بعد الحداثة على اختلاف مقارباتها ونسخها، ويتمثل هذا الرافد في الفلسفة السياسيّة، والتي أعاد الاعتبار لها الفيلسوفان (ليو ستروس وحنة آرنت)، فقد عملا على إعادة قراءة واستكشاف التقليد الفلسفي القديم، ضمن سياقٍ نقديٍ للحداثة يستوجب النظر المعمّق.


على الرّغم من النّقاط العديدة المشتركة بين الفيلسوفين، إلا أنّ مسارهما يتمايزان بشكلٍ نوعي من خلال صياغة وضبط مفهوم الحداثة.


العودة لما قبل الحداثة

يُلاحظ بشكلٍ جليّ بأنّ موقف الفيلسوف ليو ستروس الجذري النقدي من حركة الحداثة يفنّد ضمن موقعٍ مرجعي ونظري مغاير للجينالوجية النتشويّة، على الرّغم من أنّ هذه الجينالوجية تقرأ في أعمال ستروس التي ظهرت لاحقاً، وتكمن مقاربة ستروس للحداثة في ثلاث مسارات، هي:

  • التشكّل الفلسفي للحداثة، ويرصد ستروس هذا المسار عن طريق الوقوف عند محطّاتٍ رئيسيّةٍ ثلاث، اطلق عليها اسم (الموجات الثلاث) وهي موجة الحداثة السياسيّة والعلميّة وموجة الأنوار وموجة العدميّة الوجوديّة، وقد عبر عن الفلاسفة ميكافيل ولوك وهوبز عن موجة الحداثة العلميّة والسياسيّة، بينما عبّرت فلسفات فيشتة وروسّو وهيغل عن موجة الأنوار، بينما عبرت فلسفات هايدغر ونيتشة وغيرهم عن موجة العدميّة الوجوديّة.
هنا يلاحظ ستروس من خلال الموجة الأولى بأنّ ميكافيل يعتبر أوّل من أرسى أسس القطبعة مع الفلسفةِ السياسيّة، مُعتبراً إيّاها بأنّها مثاليّةٌ حالمة، والتي تعني بشكلٍ عملي رفض تأسيسٍ أخلاقي للسياسة على اعتبار أنها تكريسٌ للفضيلةِ المدنيّة، ومن هذا المنطلق فإنّ الموضوع السياسي يتحوّل إلى تسييرٍ تقنيٍ ناجع للحكم، يعتبر هذا التصوّر هو ذاته الذي قام الفيلسوف هوبز باعتماده من خلال الاستبدال للتأسيس الأخلاقي والطبيعي للسياسة بالمؤسسات الصارمة القادرة على ضبط سلوكيّات الإنسان.
أما الموجة الثانيّة فيستهلها روسّو الذي عمل على إحداث تغييرٍ مناخيٍّ أخلاقيٍ للغرب بنفس عمق التغيير الذي أحدثه ميكافيل في الموجة الأولى، فقد قام بإعادة تأويل مَفهوم الفضيلة ليتلاءَم مع التصوّر الحديث للطبيعة مثل حالة بدائيّة الإنسان، فقد أظهر بأنّ الإنسان لا يعود الفضل في إنسانيته للطبيعة، وإنّما للمسار التاريخي الذي صقل إنسانيته، وهنا تظهر مُقاربة أكثر راديكاليّة من التصوّر الذي أبداه هوبز لحالة الطبيعة، وينتج عن هذه الأقوال التي ذكرها روسّو وهوبز بأنّ الإنسان يُعتبر فاقداً للسمتين العقلانيّة والاجتماعيّة فهو برأيهما ذاتٌ حرّة وليس كائناً اجتماعيّا أو عقلانيّاً.
أمّا الموجة الثالثة فتتمثّل في الفلسفة الوجوديّة التي مثلها فكر الفيلسوف هايدغر الذي تمحور حول تجربة القلق الإنساني، على اعتبار أنّها التجربة الأساسيّة، وعلى ضوء النتائج يأتي التفسير ضِمن سياقاتٍ تحليليّة للوجود، والتي تُعتبر جوهر الموقف الفلسفي.
  • النقد الإيدلوجي لليبراليّة، يعتبر نقد نسبيّة الأخلاق هو الخيط الناظم لفكر شتراوس أثناء تشخيصه النقدي لمذاهب إيدولجيّة الحداثة الثلاث (الوضعيّة والتاريخيّة والعدميّة). تقوم الوضعيّة على الإيمان بيقين العلم التجريبي، وأنّ المعرفة الوحيدة المُمكنة هي تلك التي يتوصّل إليها العلم بمفهومه الحديث، وعليه يجب ترتيب الواقع من خلال القوانين.
  • العودة للفلسفة القديمة: يدعو ستروس للعودة إلى الحالة الفلسفيّة التي سبقت الحديثة، للخروج من مأزق النسبيّة العدميّة، وهنا أراد ستروس تجاوز الراهن إلى الماضي، وليس من أجل العودةِ إلى نموذجٍ سابق، ولكن في سبيل الوصول إلى حقائق جوهريّة ثابتة في الفلسفة السياسيّة غير الخاضعة للتحوّلات التاريخيّة.