من هو قائد معركة بلاط الشهداء

بواسطة: - آخر تحديث: ١٨:٢٩ ، ١٩ يناير ٢٠١٨
من هو قائد معركة بلاط الشهداء

عبد الرحمن الغافقي قائد معركة بلاط الشهداء

هو تابعي جليل، يُدعى بأبي سعيد، واسمُه عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، من قبيلة عكّة، وُلِدَ وترعرع في اليمن، ونشأ على عبادة الله، فتعلّم القرآن الكريم والحديث الشريف عن مجموعةٍ من الصحابة الكرام، على رأسهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وعُرف بوَرعه وتُقاه، ثمّ تدرّب على الفروسيّة وفنون القتال، كما أجاد القيادة والتخطيط، حتى بزغ نجمُه بين أقرانه.[١]


إنجازات الغافقي

رحل عبد الرحمن الغافقي إلى إفريقيا، ثمّ وَفِد إلى سليمان بن عبد الملك وكان الخليفة الأموي آنذاك، ثمّ رحل إلى المغرب، ثمّ أقام بديار موسى بن نصير، وانضم عبد الرحمن الغافقي إلى جيش القائد السّمح والي الأندلس، وفي ذلك الوقت رأى القائد السّمِح ضرورة اختراق فرنسا من جهة الأندلس وإخضاعها للحكم، فقام بتجهيز الجيوش، وانطلق إلى طولوشة وتُدعى اليوم بتولوز، وهي على حدود فرنسا، وكان ذلك عام ١٠٢هـ / ٧٢١م، وقاتل فيها قتالاً عظيماً حتى أُصيب بطعنةٍ أردَتْه شهيداً، حينها اضطرب حال جيش المسلمين اضطراباً شديداً، واختاروا بعد ذلك عبد الرحمن الغافقي قائداً للجيش فقاد الجيش إلى الجنوب منسحباً وبزغت براعته.[٢]


رجع الغافقي إلى أربونة، حيث انتخبه المسلمون أميراً عليها، ولمّا نشب خلاف بينه وبين عنبسة بن سحيم، عُزل الغافقي، ورجع يروح ويغدو مع الغزاة والمجاهدين، حتى ولّاه هشام بن عبد الملك على إمارة الأندلس، فبدأ يطوف الأراضي والبلدان مجهّزاً الناس لفتح غاليا؛ المعروفة حالياً بفرنسا.[٢] بدأ عبد الرحمن الغافقي بإصلاح نظام الضرائب، وردِّ المظالم إلى أهلها، وإعادة تنظيم صفوف الجيش، وتأسيس فرق النخبة من فرسان البربر، وأخمد دعوات الفتن والقلاقل حتى أصبحت البلاد جاهزةً لاستكمال مسيرات الفتح الإسلاميّ،[١] كما أنّه قام بدعوة المجاهدين من كلّ أقطار العالم الإسلامي، فتوافد إليه المجاهدون من مختلف الأقطار والأمصار، ويُذكر أنّه قد كان مُلهم جُندِه، فكان عادلاً مَرِناً مُحبّاً لهم، وكان عاشقاً للشهادة وللجهاد في سبيل الله، ممّا أعطى للجيش روحاً معنويّة مميّزة قلّ نظيرها.[٢]


مقدمات معركة بلاط الشهداء

إن الرؤية الإسلامية للفتوحات في أوروبا أنها الطريق لفتح القسطنطينية التي قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيها: (لَتُفتَحَنَّ القُسْطَنْطينيَّةُ؛ فنِعْمَ الأميرُ أميرُها، ونِعْمُ الجيشُ ذلكَ الجيشُ)،[٣] وقد بدأت التخطيطات لفتح إسبانيا وفرنسا تمهيداً لفتح القسطنطينية منذُ فجر التاريخ الاسلاميّ، ومنذُ خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث انتدب قادة الفتح الإسلاميّ لهذه البلاد وأوصاهم، فقال: (إنّ القسطنطينية تُفتح من قِبَل الأندلس، وإنّكم إذا فتحتم ما أنتم بسبيله كنتم شركاء في الأجر مع من يفتح القسطنطينية)، وقد اتّخذ ولاة شمال إفريقيا مشروع فتح فرنسا نبراساً لخططهم وسياساتهم، وبدأوا بالتجهيزات لفرض حصار بريّ على القسطنطينية من خلال فتح فرنسا، وذلك لقطع المدد عنها عندما يحين موعد الفتح.[٤]


كانت أوروبا في السنوات التي سبقت فتح الأندلس قارّة مليئة بالمُناكفات السياسيّة بين الأُسر الحاكمة، وقد جعلها هذا في حالة ضعف أمام أيّة فتوحات قادمة، لكنّ غارات عنبسة بن سحيم -رحمه الله- على فرنسا، وسيطرته على أجزاء منها جعل القادة الأوروبيين أكثر انتباهاً وتخوّفاً وتوحّداً ضدّ أي هجوم قد تتعرّض له فرنسا والعالم الأوروبي من جديد.[٥]


تولّد في فرنسا حراك سياسي كبير، قاده القائد الصليبي شارل مارتل، وكان هذا الحراك يهدف إلى تجميع وحشد طاقات الجيوش الصليبيّة، والتغاضي عن الخلافات الدائرة بينها لصدّ المدّ الإسلاميّ القادم من الجنوب، وقد نجح شارل مارتل في ذلك، واستطاع إقناع أبناء الدّوق للتغاضي عن عدائهم لشارل وأبيه، وبذلك بدأت الجيوش الصليبية بالتجهّز لمواجهة الحملات الإسلاميّة على فرنسا.[٥]


في هذه الأثناء كان الجيش الإسلامي بقيادة عبد الرحمن الغافقي -رحمه الله- قد توجّه إلى مدينة أكيتانيه الفرنسيّة، التي هي أرض الدّوق، وألحق بالجيوش الصليبيّة هزيمةً عسكريّةً كبيرةً، ذلك أنّ تلك الأرض كانت فقيرةً بمواردها البشريّة، وقد تركت هذه المعركة عدداً لا يُحصى من القتلى، ثمّ أكمل الجيش الإسلامي مسيره نحو الشمال الشرقي، باتجاه موقع معركة بلاط الشهداء.[٦]


أحداث معركة بلاط الشهداء ونتيجتها

خرج الجيش الإسلامي بقيادة الغافقي في رمضان 114هـ/732م وعدده يقارب السبعين ألف مقاتل حسب الروايات العربيّة، بيد أنّ الروايات الأوروبيّة قدّرت عدد الجيش الإسلامي بأربعمئة ألف مقاتل، وبعد خوضه للمعركة مع جيش الدّوق وهزيمته، بدأت مُدن مقاطعة أكتانيا بالتساقط واحدةً تلو الأخرى، وتحطّم جيش الدّوق تحطيماً كبيراً، ممّا دعى ما تبقى من جيش الدّوق إلى الانسحاب والاحتماء بجيش شارل في الشمال، فواصل الجيش الإسلامي تقدّمه حتى وصل إلى أرضٍ بين مدينتي تور وبواتيه، وانتشرت القوات الإسلاميّة على ذلك السهل إلى يسار نهر اللوار هناك وبدأت معركة بلاط الشهداء.[٧]


لم تذكر كتب التاريخ العربيّة خصوصاً تفاصيل لأحداث معركة بلاط الشهداء، ربّما لأنّها كانت أليمةً وصعبةً، لكنّ المعروف فيها أنّها استمرت لقرابة العشرة أيام، دار فيها قتال عنيف، وبذل فيها الفريقان أقصى ما بوسعهما من طاقة، لكن جموع الصليبين كانوا أكثر عدداً وعُدّة، وكانوا قد انتهزوا فرصة وجود خلل في مؤخّرة الجيش الإسلامي، فهاجموه وأصابوا القائد عبد الرحمن الغافقي بسهمٍ أرداه شهيداً، فانتشر خبر استشهاده مزعزعاً نظام الجيش، واستغلّ الصليبيون هذا الوضع فدخلوا إلى موضع القلب للجيش الإسلامي وأثخنوا فيهم قتلاً، فاضطر الجيش الإسلامي للانسحاب باتجاه أرجونه، مخلّفين وراءهم عدّةً كبيرةً، استولى عليها الصليبيون آنذاك.[٧]


نُدرجُ هنا الآراء الأوروبيّة في معركة بلاط الشهداء، كون أنّ مجمل الروايات العربيّة تمرّ عليها باقتضاب ودون تعليق، والرأي الأوروبي يتوجّه باتجاهين مختلفين هما:[٦]

  • الرأي الأول: يرى أنّ انتصار الصليبيين في هذه المعركة أنقذ أوروبا من قبضة المسلمين، وأنقذ العالم أيضاً.
  • الرأي الثاني: يرى بأنّ هزيمة المسلمين في هذه المعركة أخّرت تقدّم الحضارة الأوروبيّة قروناً طويلةً.


المراجع

  1. ^ أ ب محمد علي قطب (1981)، عبد الرحمن الغافقي شهيد بلاط الشهداء (الطبعة الأولى)، دمشق: المكتب الإسلامي، صفحة 5، 11. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت د.شوقي أبو خليل (1980)، بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي (الطبعة الثالثة)، بيروت: دار الفكر المعاصر، صفحة 11-23. بتصرّف.
  3. رواه ابن عبد البر، في الاستيعاب، عن بشر الغنوي، الصفحة أو الرقم: 1/250، إسناده حسن.
  4. د.شوقي أبو خليل (1980)، بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي (الطبعة الثالثة)، بيروت: دار الفكر المعاصر، صفحة 5-6. بتصرّف.
  5. ^ أ ب د.عبد الفتاح الغنيمي (1996)، معركة بلاط الشهداء في التاريخ الإسلامي والأوروبي (الطبعة الأولى)، القاهرة: عالم الكتب، صفحة 51-56. بتصرّف.
  6. ^ أ ب د.عبدالحميد السامرائي (2008)، "معركة بلاط الشهداء بوابة الحضارة العربية الإسلامية لأوروبا"، التربية والعلم، العدد الرابع، صفحة 11،17. بتصرّف.
  7. ^ أ ب د.عبد الفتاح الغنيمي (1996)، معركة بلاط الشهداء في التاريخ الإسلامي والأوروبي (الطبعة الأولى)، القاهرة: عالم الكتب، صفحة 62،72. بتصرّف.