وداع العام الهجري

بواسطة: - آخر تحديث: ١٤:٤٤ ، ١٣ نوفمبر ٢٠١٤
وداع العام الهجري
أوشك العام الهجري على الانقضاء ، فما هي إلا ساعات قليلة حتى ينتهي هذا العام لينضم إلى ما سبقه من أعوام مضت ، ولن نلقاها إلا يوم القيامة يوم تأتي شاهدة لنا أو علينا بحسب أعمالنا وما استودعناه فيها من أعمال إن كان خيرا فخيرا وإن كان شراً فشرا ً، لذا ورد عن المسيح عيسى ابن مريم أنه كان يقول إن الليل والنهار خزنتان فانظروا ماذا تضعون فيهما ، واعلموا أنه ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمي فلعله لا يوم لك بعدي ، وما من ليلة إلا وتنادي يا ابن آدم اغتنمي فلعله لا ليلة لك بعدي .


وكما قال الشاعر :


اغتنم في الفراغ فضل ركوع *** فعسى أن يكون موتك بغتة

كم صحيح رأيت من غير سقم *** ذهبت نفسه الصحيحة فلتة


تذكر وقوفك بين يدي الله :


قال الفضيل بن عياض لرجل : كم سنة أتت عليك ؟ قال : ستون سنة . قال : فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ . فقال الرجل : إنا لله و إنا إليه راجعون . قال الفضيل : أتعرف تفسيره تقول : إنا لله وإنا إليه راجعون !! ، فمن علم أنه لله عبد وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف ، ومن علم أنه موقوف، فليعلم أنه مسئول ، فليعد للسؤال جوابا، فقال الرجل : فما الحيلة ؟ قال : يسيرة . قال: ما هي ؟ قال : تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى ؛ فإنك إن أسأت فيما بقي ، أُخذت بما مضى وما بقي .


إنما الأعمال بالخواتيم:


عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون فاقتتلوا وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه . فقيل ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان. فقال صلى الله عليه وسلم «أما إنه من أهل النار» فقال رجل من القوم أنا صاحبه : فوجد الرجل جرحا شديداً فاستعجل الموت فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه ، فخرج الرجل إلى رسول الله فقال : أشهد أنك رسول الله وقص عليه الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار . إن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة، إنما الأعمال بالخواتيم» .


واعتبروا بمن عبد الله عشرين عاماً ثم عصاه عشرين عاماً وفي آخرها نظر في المرآة فوجد الشيب قد علاه ، فبكى وقال :


عصيت هوى نفسي صغيراً فعندما***أتتني الليالي بالكشيب وبالكبر

أطعت الهوى عكس القضية ليتني***خلقت كبيرا ثم عدت إلى الصغر


فسمع هاتفا يقول له : أحببتنا فأحببناك ، وأطعتنا عشرين عاما فقربناك ، وعصيتنا عشرين عاما فأمهلناك ، وإن جئتننا ووقفت على بابنا تائبا قبلناك . فبادروا بالتوبة قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.


حاسب نفسك قبل أن تحاسب :


فليكن كل منا كالتاجر العاقل الذي يأتي في نهاية عامه فيحاسب نفسه ويحصي أسباب الربح والخسارة فيتجنب أسباب الخسارة ويزيد الربح ، فلنحاسب أنفسنا ونحن نودع هذا العام الهجري فالكيس والعاقل والفطن من حاسب نفسه قبل أن تحاسب ، فلنسأل أنفسنا أدينا ما افترضه الله علينا من صلاة وصيام وزكاة وغيرها أم فرطنا وضيعنا ، فإن أحسنا فلنحمد الله تعالى ونطلب منه مزيد من التوفيق في قادم الأيام ، وإن أسأنا وضيعنا فلنتب إلى الله تعالى ونعقد العزم على أداء ما افترضه الله علينا ونطلب منه التوفيق لذلك حتى يبدل سيئاتنا حسنات، وبتلك المحاسبة نختم عامنا ونستقبل آخر بما فيه إرضاء ربنا وصلاح حالنا.

اللهم ارزقنا حسن الخاتمة