احکام سقط جنین

بواسطة: - آخر تحديث: ٢٣:١٤ ، ٢٤ مايو ٢٠١٨
احکام سقط جنین

حق الحياة في الإسلام

أولى الإسلام الحقوق الشخصيّة للإنسان اهتماماً بالغاً، ومن أهمّ هذه الحقوق حقّ الإنسان في الحياة، وقد دعت التشريعات الإسلامية النّاظمة للحياة الإنسانية إلى صيانة وضمان هذا الحقّ، وشرّع الإسلام كثيراً من الأحكام التي تحفظ للإنسان حقّه في الحياة، فقد عدّ قتل النفس بغير حقّ إفساد في الأرض، وفعله يستوجب القصاص، وذهب الإسلام إلى أبعد من ذلك عندما راعى حقّ الجنين في بطن أمّه؛ فقد رخّص للأم في بعض العبادات التي تؤدّي إلى إلحاق الضرر به، وحرّم الإسلام قتل الجنين بالإجهاض؛ لأنّه جسد ينمو، ومن حقّه أن يخرج للحياة سالماً معافى، ويؤدّي دوره فيها، فما حكم سقط الجنين؟.


حكم الإجهاض في الفقه الإسلامي

حكم سقط الجنين في الفقه الإسلامي يخضع لاعتبارات ترعى حقّ الأم والجنين في الحياة، وتقدّر الضرورة بقدرها، ومجمل القول فيها ما يأتي:[١]

  • جعل الله تعالى خلق الإنسان يمرّ في مراحل وأطوار لا تتخلّف، ابتداءً من كونه نطفةً ووصولاً إلى اكتمال خلقته في بطن أمه؛ فقال تعالى في بيان ذلك: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)،[٢] وأكّد النبي -عليه الصلاة والسلام- على هذا فقال: (إنَّ أحدَكُم يُجمَعُ خلقُهُ في بطنِ أمِّهِ أربعينَ يومًا ثمَّ يَكونُ في ذلك عَلقةً مثلَ ذلِكَ ، ثمَّ يَكونُ مضغةً مثلَ ذلِكَ ، ثمَّ يرسلُ الملَكُ فينفخُ فيهِ الرُّوحَ ويؤمرُ بأربعٍ ، كلِماتٍ : بكَتبِ رزقِهُ وأجلِهُ وعملِهُ وشقيٌّ أو سعيدٌ).[٣]
  • تضافرت الأدلة الشرعية تأكيداً على أنّ الأصل احترام الحمل القائم، والمحافظة عليه، ومنع إسقاطه في جميع مراحل نموه الأولى والمتأخرة، ويرى العلماء أن إسقاط الجنين قبل نفخ الرّوح نوع من أنواع إهلاك النسل الذي جاءت التشريعات بخلافه، واستندوا في ذلك إلى قول الله تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ)،[٤] ثمّ إنّ الجنين قبل نفخ الروح فيه كائنٌ ينمو، ولا يخلو من حياة، والنطفة أصله، والعدوان عليها عدوان عليه، كما استدلوا على تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح بقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ).[٥]
  • حكم إسقاط الحمل قبل الأربعين في طور النطفة مختلف فيه بين الفقهاء، فمنهم من حكم بجوازه قبل نفخ الروح.
  • الإجهاض بعد نفخ الروح محرّم بإجماع الفقهاء، ونقل هذا الإجماع ابن جزي -رحمه الله- حيث قال: "وإذا قبضَ الرحمُ المنيَّ لم يجز التعرض له، وأشدّ من ذلك إذا تخلّق، وأشدّ من ذلك إذا نُفخ فيه الروح، فإنّه قتلٌ للنفس إجماعاً".
  • ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ نفخ الروح يكون بعد تمام مئة وعشرين يوماً على الحمل، وخالفهم من ذهب إلى أنّ نفخ الروح يكون بعد الأربعين الأولى وأنّه لا يتجاوز اليوم الخامس والأربعين من العلوق بالرحم، ويستندون في ذلك بما وصل إليه علم الأجنّة في الطب الحديث.
  • الشريعة جاءت لدفع الضرر ورفع الحرج؛ ولذا فإنّ ثمّة حالاتٍ استثنائيةً خاصّةً جداً جوّز فيها العلماء إسقاط الجنين، مثل أن تكون الأم معرضةً لخطر الهلاك المحقّق، فحينئذٍ يجوّز ضرورةً واستثناءً من حكم الأصل إسقاط الجنين، وضمن شروطٍ معتبرةٍ، وبعض العلماء ألحق بجواز الإجهاض ذاك العلوق الناتج عن حالات اغتصاب الأعداء للمسلمات.
  • يحرم إسقاط الجنين خلال الأربعين يوماً الأولى بذريعة المشقّة في تربية الأولاد، أو تخوّفاً من عدم القدرة على تكاليف معيشتهم وتعليمهم، أو أن يكتفي الزوجان بما لديهم من الأولاد.
  • يحرم إجهاض الحمل إذا كان علقةً أو مضغةً إلا أن تُقرِّر لجنةٌ طبيةٌ مختصّةٌ وموثوقةٌ أنّ في استمراره خشية من هلاك أمّه، عندها يجوز الإسقاط بعد استنفاد كلّ الوسائل الدافعة لذاك الخطر.
  • لا يحلّ إجهاض الجنين بعد إتمام أربعة أشهر للحمل، إلا إذا قرّر جمعٌ من الأطباء الموثوقين والمختصين أنّ موت الأم محقّقٌ إذا استمر بقاء الجنين في بطنها، وذلك من باب دفع أعظم الضررين، وتقديماً لأعظم المصلحتين.


الأحكام المترتبة على سقط الجنين

الأحكام الشرعية المتعلقة بالأم والجنين

تختلف الأحكام الشرعية التي تترتب على إسقاط الجنين باختلاف وقت الإسقاط ومبرّراته وحكمه، وللعلماء في حيثياتها تفصيلٌ وكلامٌ ومسائل منها ما هو متعلّقٌ بالأمّ ومنها ما هو متعلّقٌ بالجنين الساقط، وتفصيلها على النحو الآتي:[٦]

  • إذا سقط الجنين في طور النطفة، وهي في الأربعين الأولى من علوقٍ ماء الرّجل في الرحم، وفي طور العلقة، وهو طورٌ تتحول فيه النطفة إلى دمٍ جامدٍ في الأربعين الثانية وصولاً إلى تمام الثمانين يوماً، ففي الحالتين السابقتين لا يترتب على سقوط الحمل شيءٌ من الأحكام باتفاق العلماء، بحيث تستمر المرأة في صلاتها وصومها كأنّه لم يحدث إسقاط، ويلزمها أن تتوضأ لكلّ صلاةٍ إذا تبع سقوط الجنين دمٌ؛ قياساً على حكم المستحاضة.
  • إذا سقط الحمل في طور المضغة، أي: عند أوّل تشكّل الحمل إلى قطعة لحمٍ، وفي هذا الطور تقدر أعضاؤه، وصورته، وهو في الأربعين الثالثة، ابتداءً من واحد وثمانين يوماً إلى المائة وعشرين يوماً، وهذا له حالتان:
    • إذا كانت المضغة ليس فيها تشكّلٌ بيّنٌ أو خفيّ لخَلقٍ آدمي، فحكم سقوطها كما في طور النطفة والعلقة؛ بمعنى أنّه لا يترتب عليه شيء من الأحكام الخاصة بالمرأة.
    • إذا كانت المضغة مستكملةً بالشكل الآدمي أو فيها ظهورٌ بيّنٌ من هيئة الإنسان، مثل اليد أو الرجل، أو تصوير خفي؛ فحكم سقوط المضغة في هذه المرحلة أنّه يترتب عليها أحكام النّفاس، وأحكام انقضاء العدة لمن لزمها ذلك.
  • إذا أجهضت الحامل حملها بعد نفخ الروح، أي: من أوّل دخول الحمل شهره الخامس، بعد مرور مئةٍ وواحد وعشرين يوماً على الحمل فما بعده، فلهذه المسألة حالتان عند العلماء:
    • إذا استهل الجنين صارخاً؛ أي: يصرخ عند ولادته، فله أحكام المولود كاملةً، ويغسّل ويكفّن ويصلّى عليه، ويسمّى، ويعقّ عنه، ويملك المال من وصيةٍ وميراثٍ؛ فيرث ويورّث، وعلى أمّه أحكام النفاس وانقضاء العدة لمن لزمها ذلك.
    • إذا لم يستهلّ صارخاً؛ فله أحكام المضغة المستكملة للهيئة الآدمية، ويسمّى ويعقّ عنه، ويغسّل، ويكفّن، ويصلّى عليه.


الأحكام الشرعية المتعلقة بالإجهاض المُحرّم

تعدّدت مسائل الإجهاض المحرّم عند العلماء، وبيان ذلك على النحو الآتي:[٧]

  • إذا أسقطت الأمّ الحامل جنينها عن طريق شرب دواءٍ بقصد الإجهاض أو نحوه، بعد تمام أربعة أشهرٍ من الحمل، فتلزمها الدية باتفاق العلماء، وزاد بعضهم الكفارة، ودية الجنين غُرّة عبدٌ أو أمة، فإن لم تجد فديته عُشْرُ ديّة أمه، أي: خمسٌ من الإبل، لأنّ دية المسلمة الحرّة خمسون من الإبل.
  • تلزم الدية كل من باشر بإسقاط الجنين؛ فيشترك فيها الطبيب والأمّ إذا أخذت دواء يعمل على الإجهاض، وتُدفع الدية إلى ورثة الجنين، ولا يأخذ قاتله منها شيئاً، فقد جاء في الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قوله: (اقتتلتِ امرأتانِ من هُذيلٍ، فرمتْ إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتْها وما في بطنِها، فاختصَموا إلى النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، فقضى أنَّ ديةَ جنينِها غرةٌ، عبدٌ أو وليدةٌ، وقضى أنَّ ديةَ المرأةِ على عاقِلتها)،[٨] وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب الكفّارة على من باشر الإسقاط، والحنفية والمالكية إلى استحبابها، وكفارة القتل صيام شهرين متتابعين لمن لم يجد عتق رقبة.
  • قال أهل العلم: إذا اجتمع من أمر بالإجهاض؛ كالأم، ومن باشر فعله كالطبيب فكلاهما شريكان في الإثم، ولكن وقع الخلاف بين الفقهاء على من تلزم الدية والكفارة، فعند الإمام أحمد بن حنبل أنّ العقوبة تقع على من باشر الفعل: أي الطبيب؛ لأنّه القاتل على الحقيقة، وذهب الشافعية إلى وقوع العقوبة على الأمّ الحامل.


المراجع

  1. سعد العتيبي، "حكم الاجهاض للحاجة"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 15-4-2018. بتصرّف.
  2. سورة المؤمنون، آية: 12-14.
  3. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن مسعود، الصفحة أو الرقم: 2643 ، صحيح.
  4. سورة البقرة، آية: 205.
  5. سورة الأنعام، آية: 151.
  6. محمد المنجد (2-4-2004)، " الأحكام المترتبة على إسقاط الجنين"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 15-4-2018. بتصرّف.
  7. محمد المنجد (31-3-2007)، "إذا أجرى الطبيب عملية الإجهاض هل تلزمه الدية والكفارة"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 15-4-2018. بتصرّف.
  8. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 6910 ، صحيح.