تعريف التحقيق الأولي

التحقيق الأولي مرحلة قضائية تستهدف الكشف عن الحقيقة في الدعوى الجزائية، والبحث عن كافة الأدلة الضرورية واللازمة لمعرفة مدى صلاحية عرض الأمر على القضاء، وله معنيان أولهما لغوي والثاني اصطلاحي.

يقال في اللغة حق الخبر: وقف على حقيقته، حقق القول أو الظن صدقه، تحقق الرجل الأمر: تيقنه. الحقة: حقيقة الأمر. حقق: أكد. أحق الأمر: أوجبه وصيره حقاً لا يسك فيه. تحقق الحبر: ثبت. أي إن التحقيق بالمعنى اللغوي إثبات الأمر على الجاني.


تعددت التعريفات بشأن التحقيق الأولي ، فقيل إنه جميع إجراءات التحقيق الجزائي التي يباشرها المحقق الجزائي عند وقوع جريمة أو حادث توصلاً إلى معرفة الحقيقة. وإنه "العلم الذي يوضح للمحقق معالم الطرق ويرشده إلى كيفية البحث والسير في جمع الأدلة والتحقيق ومباشرة إجراءاته منذ أول إجراء يأتيه" وإنه "مجموعة من الإجراءات المشروعة التي يلجأ إليها المحقق في سبيل كشف غموض الجريمة من حيث معرفة مرتكبها، وسبب ارتكابها، وكيفية ارتكابها، ومكان وزمان ارتكابها، يستوي في هذا قيامه بهذه الإجراءات بنفسه أم استعانته بغيره في القيام بها" وفي تقديرنا أن التحقيق الأولي هو مجموعة الإجراءات التي تباشرها سلطة التحقيق بالشكل المحدد قانوناً، وذلك بعد وقوع الجريمة بغية الكشف عن الأدلة وتمحيصها للوصل إلى الحقيقة ونسبتها إلى الجاني قبل مرحلة المحاكمة.

خصائص التحقيق الأولي

يتميز التحقيق الأولي عن غيره من إجراءات الدعوى في مراحلها المختلفة بخصائص عدة أهمها:

السرية ؛حيث يقصد بسرية التحقيق عدم السماح للجمهور بحضور إجراءاته، وإجراء التحقيق في جو من السرية والكتمان، بحيث لا تعرض محاضر التحقيق لكي يطلع عليها العامة، ولا يجوز إذاعتها أو نشرها في الصحف. أما الخصوم في الدعوى فإن القاعدة بالنسبة لهم مباشرته في حضورهم، لأنه يغرس الثقة والاطمئنان في نفوسهم، ويجعلهم على معرفة بسير التحقيق وإبداء أي اعتراض على أي انحراف أو خطأ قد يقع فيه المحقق. وعليه يذكر بإن التحقيق الأولي سري بالنسبة لعامة الناس، وعلني بالنسبة للخصوم ووكلائهم.وعلى هذا فإن إجراء التحقيق بصورة سرية يؤدي إلى تفادي محاولات المتهم (المشتكى عليه) أو المشتركين معه إفساد الأدلة، كما يهدف إلى حماية الإجراءات اللاحقة التي ستقوم بها سلطات التحقيق، ومن ثم تكون سرية التحقيق لازمة في بعض الأحيان للوصول للحقيقة، كما أنها ضمانة لحيادية المحقق حتى لا يكون متأثراً بالرأي العام، وبالتالي تتحقق استقلاليته فيما يقوم به من تحقيقات.


إن إجراءات التحقيق يجب أن تكون كلها ثابتة بالكتابة للرجوع إليها، ويوجب القانون كتابة كافة الإجراءات التي يقوم بها المحقق، كسماع شهادة الشهود، واستجواب المشتكى عليه، والتفتيش، وضبط الأشياء المتحصلة من التفتيش، وفي الواقع فإن عملية تدوين سائر الإجراءات التي تتخذ أثناء التحقيق الأولي هي أساسية لإثبات حدوث هذه الإجراءات والتقيد ضمن الأصول المحددة في نصوص القانونية، إلا أنه لكي يكون لهذا التدوين آثاره القانونية ينبغي أن يتم بواسطة الكاتب الذي يستصحبه المدعي العام معه في سائر الإجراءات ، حتى تكون لإجراءات التحقيق الأولي حجيتها وتصلح أساساً لما يبنى عليها من آثار ونتائج لابد من إثباتها بالكتابة، نظرا لاستحالة الاعتماد على ذاكره المحقق التي قد تخونه بمرور الوقت،" كما أنه حتى يتفرغ بذهنه كلية لمجريات التحقيق ولا يصرفه عن ذلك كتابة المحضر فعلية أن يستعين في تدوين التحقيق بكاتب.


ويجب أن يكون المحضر خالياً من الحك والشطب والتحشية، وفي حالة اقتضاء مثل هذه الأمور يجب تعزيزها بالتوقيع والمصادقة عليها . ويجب على الكاتب عندما يشرع بتدوين إجراءات التحقيق أن يذكر التاريخ عند كل إجراء يقوم به. والأصل أن يصطحب المحقق معه احد كتاب النيابة العامة ليقوم بتدوين التحقيق، وقد تدعو حالة الاستعجال أو الضرورة إلى الاستعانة بغير الكاتب المختص، عندها يجوز ندب أي شخص للقيام بمهمة كاتب التحقيق بعد تحليفه اليمين على أن يؤدي أعماله بالذمة والصدق. وتقدير الضرورة مرجعه لسلطة التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع وتجدر الإشارة إلى أن مخالفة المدعي العام لنصوص القانون التي تستوجب الاستعانة بكاتب لا يرتب البطلان المطلق على هذا الإجراء، ولكن يمكن أن يعد المحضر الذي قام بتدوينه محضر جمع استدلالات خاضع لتقدير المحكمة للأخذ بما جاء فيه، ومن ثم لا يعد محضر تحقيق له حجة في الإثبات.


سرعة التحقيق الأولي ؛واقتضاء السرعة ضرورة تستند على سببين : الأول: إظهار حقيقة الاتهام بسرعة، فلا يبقى البريء طويلا في موقف الاتهام، وبالتالي يتم صيانة حرية الأشخاص وكرامة الفرد، وينال فاعل الجريمة الحقيقي عقابه بسرعة تتمشى مع هدف العقوبة في الردع الخاص والعام، وإرضاء شعور الجماعة الذي تأذى بوقوع الجريمة. الثاني: الوقوف على أدلى الجريمة قبل طمسها أو ضياعها. وعلى الرغم من وجود هذه النصوص، فهناك قضايا يستغرق التحقيق فيها عدة سنوات وذلك لأسباب عدة منها: إهمال سلطة التحقيق أو الإغراق في الشكليات التي أصبحت العقبة الأساسية أمام إنهاء التحقيق بالسرعة اللازمة . على أن اقتضاء السرعة في التحقيق الأولي يجب ألا يطغى على الضمانات المقررة للمشتكى عليه (المتهم) في الدفاع عن نفسه.