تعريف التسامح

بواسطة: - آخر تحديث: ١٥:٣٤ ، ١٠ نوفمبر ٢٠١٧
تعريف التسامح

تعريف التَّسامح

يُشيرُ الفعلُ تسامَح الخماسيُّ اللازم المعتدِّي إلى التَّساهل والتَّهاون واللين، ومن مدلولاته اللغويَّةُ الحِلمُ والعفوُ والمُسامحة، أي غُفرانُ الحقوقِ والعفوِ عن الخطأ والموافقة على الصَّفح.[١] وتدلُّ السَّماحةُ لغةً على السَّلاسة والمُساهلة والتهاونِ والحِلم والرِّفق، وفي النُّظم الفلسفيَّة العالمية يُنظر للتسامح بأنَّه احترامٌ تبادليٌّ بين الأفرادِ والآراء وإظهار اللطف والأدب في ما يُعبِّر عنه الآخرون لفظياً أو سلوكياً مهما كان مستواه صحيحاً كان أم خاطئاً.[٢]


أمَّا في اصطلاح اللغةِ والعلوم فيجتمعُ الفلاسفة وأهل اللغة والاجتماع على وصف التَّسامح كقيمةٍ بأنَّه العطاءُ والبَذلُ المُتفضِّلُ الذي لا إجبار فيه ولا واجب، وهي السُّهولة في المعاملات وفي إنفاذ الأمور وتيسيرها وفي اللينِ والتلطُّف.[٣]


قيمة التَّسامح

يعدُّ خُلُق التَّسامح إحدى أهمِّ القِيم الإنسانيَّة الحياتيَّة العالميَّة، إذ يُنظر إليه على صعيد الفرد كمُكتسبٍ قِيمي راقٍ يُعزِّز احترام الفردِ لذاته وارتباطه بالآخرين، كما يُنظر إلى التَّسامح مجتمعياً على أنَّه تشريعٌ ذاتيٌّ مستحقٌّ يضمن تحصيل الحقوقِ وأداء الواجباتِ ليخلق مجتمعاً متراحماً ملتحماً، وتُشكِّل هذه النَّظرة تجاه التَّسامح مسؤوليَّة سياسيَّة وكياناً قيمياً يُحتِّم على الجميع احترامه والالتزام بمضمامينه وأخلاقيَّاته.[٢]


أما دينياً فقد اشتملت الرَّسائل السَّماوية على تعميم التَّسامح كوثاقٍ ديني يمنح لكل شخصٍ حقوقه وحريَّاته بما يتناسب مع تركيبة الاختلاف والتعددية، وقد حملت رسالة الإسلام العظيمة على سبيل المثال قيمة التَّسامح كإحدى أهم القيم والأخلاق الإسلاميَّة السَّامية، فحرصت على تعميمها على مستوى الأديان والأعراق والألوان والاختلافات، حتَّى إنَّها تكفَّلت بضمانِ حقوق أهل الذمَّة وحريَّاتهم في العبادات والمعتقدات، وأوصت بلينِ الدَّعوة والأسلوب واجتناب المجادلة والفظاظة، وتجاوزت شرائع الإسلام ذلك المفهوم لِتُحلَّ ذبائح الكتابيين وطعامهم، بل إنَّ أهل الذمَّة وأهل الكتاب كانوا يجدون العدل في ديار المسلمينَ، ويقتفون آثارهم في طيب المعاملة والمعاشرة والجوار، حتَّى إنَّ الرَّسول الكريم عليه الصَّلاة والسَّلام جعلَ حقوق المُعاهَدين في حقِّه (فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: ألا مَن ظلمَ مُعاهدًا، أوِ انتقصَهُ، أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منهُ شيئًا بغَيرِ طيبِ نفسٍ، فأَنا حَجيجُهُ يومَ القيامةِ)[٤][٥]


وعلى صعيد الحقوقِ وقضائها أجاز الإسلامُ لصاحب الحقِّ أن يسترجع حقَّه وأن يقتصَّ له كانَ مادياً أو معنوياً، غيرَ أنَّه جعلَ السُّموَّ والحظَّ العظيم لمن يتحلَّى بالتَّسامح فيصفح ويعفو مع قدرته على استيفاء حقِّه ورغبته في القصاص أو ردِّ الأذى لأصحابه، وتتجلَّى الأمثلة الدَّالة على ذلك في خُلُق النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام في العفو عن أهل مكَّة يوم فتحها، فجعلَهم طُلقاءَ مَعفيين مع ظُلمهم له وقُدرتِه عليهم، وقد تكفَّلَ ربُّ العزَّة جلَّ وعلا بأجرِ المُتخلِّقينَ بالتَّسامحِ والعفو ووعدهم بعظيم الأجر ورفعة المكانة فقال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)[٦] ثمَّ أتبع ذلك بقوله: (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)،[٧][٥]


مفهوم التسامح في الحضارات

يتعلَّقُ مفهوم التَّسامح عند الغرب بركنين مترابطين هما الحقوق والواجبات، إذ يتعيَّن على الإنسان أن يعرف حقوقه ومبرِّرات الحصول عليها من جهة، وأن يفهم واجباته ودوافعه تجاه تحقيقها من جهة أخرى، ويشيرُ تعريف التَّسامح بناءً على هذه المرتكزات إلى تدشين المعاملات بما يتناسب مع الاختلافات، فالتَّسامح هو نوعٌ من القدرات التي تُحتِّم على الإنسان العيش مع المتغيِّرات والتصرُّفِ السويِّ مع كافَّة الاختلافات والتداخلات مع تعميم ثقافة احترام تلك الاختلافات، مما يُنتج بيئةً تكامليَّة من التعاملات البشرية القائمة على مبادئ المساواة واحترام الآخر، وعلى الرُّغم من كونِ تلك القيمة وذلك الخُلُقِ مَنزوعاً من نفوسِ الأفرادِ بالترغُّب لما يتطلَّب من بَذلٍ غير أنَّهم يحافظون عليهِ امتثالاً لحاجتهم إلى التَّعامل بالمثل والشُّعورِ بالعدل، إذ يتضمَّن التَّسامح في مجتمعات الغرب السَّماح لأمرٍ ما أن يحدُث أو يُفعل على الرُّغم من كراهيَّته من كنوعٍ من التعامل مع الاختلافات، ذلك تماماً ما تُمثِّله سلطةُ الدَّولة تجاه التَّدخين والخمور وغيرها من المسموحات التي كان الأصل فيها المنع.[٨]


أمَا المفهومُ الإسلاميُّ للتَّسامح فيظهر اختلافاً في المصدر والتفاعل، إذ لا يرتكَّن التَّسامح في مفهومه الإسلامي إلى مبادئ الحقوق والواجبات، ولا يكون في الشرائع والحدود والمحرَّمات، ولا يطالُ القوانين والقضاءَ، بل إنَّه يخصُّ العلاقات النَّاظمة لتوادِّ النَّاس ومعاملاتهم وحسنِ معاشرتهم بتركِ ما لا يجبُ تفضُّلاً وتنزُّهاً بكرمٍ يُظهره القويُّ صاحب السُّلطةِ والحقِّ على الضَّعيفِ المُتكفِّلِ بأداءِ الحقِّ والمُلزَمِ فيه مع قدرةِ الأوَّل على تحصيلِ حقِّه، ثم يتركهُ صفحاً وعفواً.[٨]


وتتجلَّى قيمةُ التَّسامح في الإسلامِ من خلالِ تعميمِ النَّظرة الأخلاقيَّة والإنسانيَّةِ إلى ركائزَ مختلفةٍ وأخلاقٍ شتَّى تعملُ مجتمعةً على تحقيق المساواةِ والعدل وتُرسِّخُ مبادئ الاعترافِ بالآخرِ واحترامِ المناهج والأفكارِ والمعتقداتِ والاختلافات مهما تنوَّعت وتعدَّد أتباعها، ويجمعُ ذلك كلَّهُ إنسانيَّةُ البشرِ وتكافلهم ليُرسِّخ الإسلام من خلال التَّسامحِ مبادئ الإخاء الإنسانيِّ ويُنظِّم تعاملات النَّاسِ وتعايشهم بما يتناسبُ مع تنوِّعِ دياناتهم وأعراقهم وانتماءاتهم وألوانهم، وأكَّدت الفلسلفة الإسلاميَّة على سُلطةِ كلِّ تلك المفاهيم وارتباطها بالتَّسامح كقيمة من خلالِ العديدِ من المقدِّمات التي أبرزها فلاسفة الإسلامِ ومنطلقاتهم التي شرحوا التَّسامح من خلالها، فالتَّسامح ضمانُ التقدُّمِ وأساسُ بنائه، ولا يمكن لرجل واحدٍ أن يحيط بالحقيقة، بل إنَّ الحقيقةَ قد تتعدَّى الجميع فلا يحيط بها أحد، كما أنَّ الجميع معرَّضٌ للخطأ، والوصول إلى الحقيقة يستدعي المُشاركة من الجميع مهما اختلفوا وتنوَّعوا، وهذا ما يُبيِّن بحقٍّ ضرورة انتهاج التَّسامح وتدجينه كخلقٍ مع التمسُّكِ بديموميته واستمراره مع استمرار الحياة.[٩]


التَّسامح سمة إسلاميَّة

إنَّ تحقيقَ التَّسامح بين النَّاس وتعميمه بينهم ليشملَ جميع معاملاتهم وأمور حياتهم يتطلَّب تأكيداً تربوياً دستورياً يرعاه ويُنظِّمه ويضمنُ ترتيبه واستحقاقه ويكفلُ إنفاذه بلا ضرر ولا غُبن، فقد ضمن الإسلامُ حقوقَ النَّاسِ وأكَّدَ على تمامها وعدم الانتقاصِ من حقوقهم شيئاً مهما كانت مستوياتهم ودرجاتهم بالنَّسبِ والمالِ والشَّرف وغير ذلك، بل إنَّه رعى الأطراف جميعاً دون انتقاصٍ لحقٍّ أو مُراوغةٍ وميلٍ لفئة، حتَّى إنَّه مَنح النَّاس من أصحابِ الدّيانات الذين يعيشون في أرضِ الإسلام حقوقهم كاملةً وأوَّلها حقُّ اختيار الدِين والأمن على اختياره. والإسلام بكونه دين الإنسانيَّةِ والتَّسامح فإنَّه يسعى لتحقيق التواؤم والتَّوادِّ والتَّعاطف والإحسانِ بين النَّاس جميعاً دون حصرٍ لهذه القيم لأفراده أو أتباعه فقط، وبذلكَ فقد تميَّزَ الإسلامُ بقيمة التَّسامح حتَّى جعلها سمته البارزة، ونظَّم هذه القيمة بما يتوافقُ مع معناها الإنسانيِّ الشمولي، فقضى بضمانِ الحقوقِ أولاً ثمَّ عمَّم العدلَ ودعا إلى التَّراحم والتَّنازل عن الحقوقِ والعفو عند القدرة والعَدلِ بما يملك كلُّ فردٍ من قدرته وسلطته.[١٠]


المراجع

  1. "تعريف تسامح"، معجم قاموس المعاني، اطّلع عليه بتاريخ 26-10-2017.
  2. ^ أ ب " The Philosophy Resource", thephilosophyresource, Retrieved 6-11-2017.
  3. "معنى السَّماحة لغة واصطلاحاً"، الدرر السنيَّة- موسوعة الأخلاق، اطّلع عليه بتاريخ 26-10-2017.
  4. رواه الألباني، في صحيح أبي داود، الصفحة أو الرقم: 3052، خلاصة حكم المحدث: صحيح.
  5. ^ أ ب أحمد السيِّد (11-11-2013)، "التسامح في الإسلام"، شبكة الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 26-10-2017.
  6. سورة الشّورى، آية: 40.
  7. سورة الشّورى، آية: 43.
  8. ^ أ ب بلال صفي الدين (2009)، مفهوم التسامح في الإسلام وصلته بمفهوم الواجب، سوريا: جامعة دمشق، صفحة 3.
  9. عمار حسن (4-3-2016)، "في معنى التَّسامح"، العربية.نت، اطّلع عليه بتاريخ 30-10-2017.
  10. "التسامح سمة الإسلام البارزة"، إسلام ويب- مركز الفتوى، 26-3-2006، اطّلع عليه بتاريخ 30-10-2017.
94016 مشاهدة