قصة مجنون ليلى


عاش الصغيرات قيس وليلى في ديار بني عامر القريبة من جبل التوباد يرعيان لأهلهما الغنم ،وقد كان ذلك في خلافة مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان ،واشتد العلاقة بين هذين الصغيرين وكبرت حتى عشق كل منهما صاحبه وفي تلك الحياة الرومانسية الخاصة احتفظت ذاكرتهما بمواقف باسمة شهد عليها المكان والتاريخ

قال قيس

تعلقت ليلى وهي غرُّ صغيرة

ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجم

صغيران نرعى البهم ياليت أننا

إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم

وكان قيس ينعزل بليلى في غار في جبل التوباد ، والذي كانا يجدا فيه ملاذاً آمناً، وذات فترة من الزمن خرج قيس من الغيل وهجره لمدو وجيزة لغرض أنجزه ثم عاد إليه وقدم إلى جبل التوباد

وصف قيس هذا اللقاء بقوله

وأجهشت للتوباد حين رأيته

وكبر للرحمن حين رآني

وأذرفت دمع العين لما عرفته

ونادى بأعلى صوته فـ دعاني

أراد قيس أن ينهي صراع غرامه لليلى فتقدم لعمه في مراده لكنه رفض ، وقد كان السبب الرئيسي في الرفض ما كان سائداً من عادات عربية تنبذ العشق ،حيث كانوا يعاقبون العشاق بالحرمان من بعضهما كأبسط عقاب يلحق بهما

أعلن والد ليلى رسمياً أنه سيحرم قيساً منها ، وأخذها راحلاً بها إلى تيماء ليبتعد عن كلام الناس ،مما أدى إلى اشعال نيران الغرام والشوق بين العاشقين إلى أن صار اسمهما نجماً لامعاً في سماء الغزل والغرام

وقد قال قيس في ذلك

ألا أيها القلبُ اللجوجُ المعذلُ

أفقء على طلاب البيض إن كنت تعقلُ

أفقء قد أفاق الوامقون وإنما

تماديك في ليلى ضلال مضلل

سل كل ذي ود عن الحب وارعوى

وأنت بـ ليلى مستهام موكل

إلى أن قال :

تعزّ بصبر واستعن بجلادةٍ

فصبرك عمن لا يواتيك أجمل

فحبي لها حب مقيم مخلدُ

بأحشاء قلبي والفؤاد معلل

أما ليلى فقد انفطر قلبها ألماً من ذلك الفراق ،ومما يؤكد ذلك ما رواه ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء:

خرج رجل إلى الشام فصار بتيماء،فمر بخيمة عظيمة وقد أصابها المطر فتنحنح فإذا بامرأة تكلمه قائلةً : انزل، فنزلت وراحت إبلهم وغنمهم فقالت يا عبد الله، ما وطئت من بلاد نجد؟ فقلت: كلها ،فقالت بمن نزلت ؟فقلت :ببني عامر فتنفست ليلى الصعداء وقالت: هل سمعت بذكر فتى يقال له قيس يلقب بالمجنون؟ فقلت أي والله نزلت بأبيه ونظرت إليه ، فسألت ليلى عن حاله ،قلت: لا يعقل ولا يفهم إلا أن تذكر له ليلى فيبكي وينشد أشعاراً ،فبكت ليلى وانتحبت حتى ظننت والله أن قلبها قد انصدع فقلت أيتها المرأة أما تتقين الله فمكثت طويلاً على تلك الحال من البكاء

ثم قالت ليلى

ألا ليت شعري والخطوب كثيرة

متى رحل قيس مستقل فراجعُ

بنفسي من لا يستقل برحله

ومن هو إن لم يحفظ الله ضائعُ

ثم بكت حتى غشي عليها فلما أفاقت قلت ومن أنت يا أمة الله ؟ قالت أنا ليلى المشؤومة عليه غير المواسية له فما رأيت مثل حزنها عليه.

رحلت ليلى عن الحياة دون أن تودع قيساً وتعبر له عما يدور في خاطرها تجاهه كما أنه لم يلق إليها النظرة الأخيرة وقد وجد في الديوان المنسوب إلى أبي بكر الوالبي نص قاطع بوفاتها قبله وذلك أنه مر به فارسان فنعيا إليه ليلى وقالا له مضت لسبيلها

فقال :

أيا ناعيي ليلى بجانب هضبة

أما كان ينعاها إلي سواكما

ويا ناعيي ليلى بجانب هضبة

فمن بعد ليلى لا أمرت قواكما

ويا ناعيي ليلى لقد هجتما لنا

تباريح نوح في الديار كلاكما

فلا عشتما إلاحليفي مصيبة

ولا متما حتى يطول بلاكما

ثم مضى إلى أن دخل ديار ليلى واهلها فقدم عليهم وعزاهم وسألهم أن يدلوه على قبرها فلما عرفه رمى بنفسه عليه وأنشد :

أيا قبر ليلى لو شهدناك أعولت

عليك نساءُ من فصيح ومن عجم

ويا قبر ليلى أكرمن محلها

يكن لك ما عشنا بها نعم

ويا قبر ليلى ما تضمنت قبلها

شبيها لليلى ذا عفاف وذا كرم

ولم يطل الزمان بقيس حيث لحقبمعشوقته