كيف أحزن وأنت ربي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:١٥ ، ٤ مايو ٢٠١٧

كيف أحزن وأنت ربي

خلق الله تعالي البشر وقَدّر لهم أقدارهم، وكتب نصيبهم في الحياة قبل ولادتهم، وهو سبحانه وتعالى الأرحم بالإنسان من أبيه وأمه، فمهما اشتدت الظروف وكثرت المصائب وضاقت الدنيا بهمومها ومشاكلها فيجب على المسلم ألا يلجأ إلا لله سبحانه وتعالى وحده، وألا يطلب العون إلا منه تبارك اسمه؛ فهو الذي يُعين عباده في وقت المصائب والشدائد، كما أنه وعد الصابر المحتسب أن يُبدله خيراً منها، وإن البلاء هو سُنَّة الله في خلقه، فلا بدَّ أن يمر به كل الناس، ولكن العاقل المؤمن هو من يحتسب أمره عند ربه، ويدع الحزن جانباً، وهو بذلك يثق برحمة الله وكرمه، وأنه سيُثيبه بصبره ويعوّضه عما أصابه من مصائب الدنيا.


معنى الحزن

  • الحزن لغةً: مصدر حزَنَ يَحزُن ، وحَزِن حُزْنًا، فهو مُحزِن ومَحْزون وحَزين، وحزَنه الأمرُ أي: غمَّه وكدَّره، همَّه وكربه، وأحزنه عكس سرَّه، يقال: حزَّنه: أي أحزنه، غمَّه، بعث في نفسه الحُزْنُ، وحَزِن: (اسم) والجمع منها: حِزان، وكان حَزِناً أي : مَهْمُوماً، حَزِيناً.[١]
  • الحزن اصطلاحاً: هو ما يحصل للإنسان بسبب وقوع مكروهٍ ما له أو لمن يُحب، أو فوات محبوبٍ ما في الماضي عنه أو عمن يحب. وقال المناوي: الحُزن هو الغمُّ الحاصل لوقوع مكروهٍ أو فوات محبوب، وعسكه الفرح. وقال الكفوي: الحُزن: غمٌّ يلحق من فوات نافعٍ أو حصول ضار، وقال بعضهم: الخوف هو علَّة المتوقع، أما الحزن فهو علَّة الواقع.[٢]


اليقين بالله يُناقض الحزن

اليقين هو نقض الحزن في العقيدة الإسلاميّة؛ فكما أنّ الحزن يوصل إلى الوهن والضعف فإن اليقين يوصل إلى القوة والثقة بالله وبالتالي الثقة بالنفس، وينبغي على العبد المؤمن أن يكون في كل أوقاته مُقبلاً على الآخِرة مُدبراً عن الدنيا؛ وعليه أن يتيقن بأنّ الله سيجزيه لقاء صبره على ما أصابه في دنياه من هموم ومصائب، أما الذي يحزن ويجزع فيظن بالله ظنّ السُّوء والعياذ بالله لعدم صبره على ما أتاه في حياته من المصائب، أما الطرق المؤدية لحسن الظنّ بالله والبعد عن الحزن إذا ما أُصيب المسلم بمصيبة فبيانها فيما يلي:[٣]

  • فَهم معاني أسماء الله الحُسنى، والإلمام بكلّ تفاصيلها وجزئياتها، فإن الذي يفهم معاني أسماء الله الحسنى يُدرك أن الله هو المدبّر المتصرّف في الأمور، وهو المُعزّ وهو المُذلّ فلا شيء من مصائب الدنيا وهمومها يجب أن يؤدي بالمسلم إلى التذلل للناس حيث لا يملكون ذلك، ولا يملك ذلك إلا الله، وغير ذلك من أسماء الله وصفاته الكثير الذي يدعو إلى نبذ الحزن والقرب من الله.
  • اجتناب المُنكَرات والمعاصي، وأن يلجأ العبد إلى التّوبة إذا أذنب ذنباً أو معصيةً، فإن ذلك أدعى للثقة بالله وحسن التوكل عليه والبعد عن الحزن والجزع، فإن المعاصي والذنوب لا تأتي إلا بالهموم والمصائب والأحزان.
  • يجب على المؤمن إذا لقي ما يُحزنه أن يُقبل على الله بالعمل الصالح، خاصةً إذا شعر أنّه ابتعد عن الله، فإن أصاب المسلم همُّ أو مصيبةٌ فظنَّ بالله ظنّ السُّوء فإنه يكون قد أثم ويُحبط بذلك عمله، حتى وإن كان مُحسناً لأن إساءة الظن بالله معصية.
  • يجب أن يُدرِك المسلم أنّ خزائن السّماوات والأرض بيد الله وحده، وأن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وذلك من تمام الإيمان وكماله، فلا يركن للحزن والغم إذا ما وقع بمصيبةٍ أو ضائقة.
  • ينبغي على العبد أن يصبر على ما يُصيبه من الهموم والمصائب والمحن، ويحتسب بذلك الأجر من الله سبحانه وتعالى وحده؛ وألا يركن للحزن ويقنط من رحمة الله،[٤] وذلك لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: (عجباً لأمرِ المؤمنِ! إنّ أمرَه كلَّه خيرٌ، وليس ذاك لأحدٍ إلّا للمؤمنِ؛ إنْ أصابَته سرّاءُ شكرَ، فكان خيراً له، وإنْ أصابته ضرّاءُ صبر، فكان خيراً له).[٥]


آثار الحزن ومضاره

يُعتبر الحُزن في الإسلام غير مرغوبٍ فيه، فقد نهى الله سبحانه عنه في عدة مواضع في كتاب الله كما تمَّ بيانه سابقاً، وذلك لأسبابٍ عدة، ومن أهم ما يجعل الحزن غير مرغوبٍ فيه في الإسلام ما يلي:[٢]

  • إذا اقترن الحزن بالسخط فإنه يُحبط الأجور، ويقلب العمل من الثواب إلى المعصية.
  • الذي يُصاب بالحزن ويستكين له لا يكون مؤمناً حقَّ الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى هو المدبِّر، وأن المصائب والشدائد ما هي إلا عقباتٍ يضعها في وجه المؤمن ليعلم صبره من جزعه.
  • الحزن يؤدي إلى إهلاك النفس دون نفعٍ أو فائدة، فإن ما يحزن عليه الإنسان مما فاته لن يرجع بحزنه، وما يحزن خوفاً منه في المستقبل لن يستثنيه لأنه حزن منه، إنما ينبغي على المؤمن العمل على البعد عما يخافه لا أن يحزن منه.
  • الحزن يؤدي إلى الإضرار بعقيدة المسلم، حيث إنّه مناقضٌ للإيمان وتمامه.
  • الذي يحزن ويسخط في الدنيا يحزن في الآخرة أيضاً.
  • الحزن صفةٌ ملازمةٌ للكفار يوم القيامة، فلا ينبغي للمسلم أن يجعل الحزن الذي هو من صفات الكفار مرافقاً له في حياته الدنيا.
  • الذي يركن إلى الحزن في غالب أوقاته يقرن نفسه بالهوان والضعف، وإن الله لا يحب المسلم الضعيف، فعلى المسلم ألا يجعل في صفاته شيئاً يوصل للوهن والضعف حتى يحبه الله.


الفرق بين الحزن والجزع

الجزع هو حزنٌ يصرف الإنسان عما ينوي القيام به من القول أو العمل ويقطعه عنه، وهو أشدُّ وقعاً وأعظم ضرراً من الحزن؛ لأن الحزن عام، ويشمل ما يصرف الإنسان عن فعل ما ينوي القيام به، وما لا يصرفه، أما الجزع فهو خاصٌ بما يصرف الإنسان عما ينوي القيام به.[٢]


الحزن في القرآن الكريم

ورد لفظ الحزن في القرآن الكريم في العديد من المواضع، والناظر في هذه المواضع يجد أنها تحمل معانٍ خاصة، وبيان ذلك فيما يلي:[٢]

  • النهي عن الحزن إذا وقع المسلم بالمصائب والشدائد: فقد جاءت العديد من الآيات القرآنية تنهى المسلم عن الحزن إذا وقع بمصيبةٍ أو مشكلة، من ذلك قول الله تعالى: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).[٦]
  • الحزن الذي يعني الخوف: وردت بعض الآيات التي يُقصد منها النهي عن الحزن الذي يرادف الخوف، من ذلك ما ورد في قول الله -سبحانه وتعالى- في وصف ما حصل لنبيه وهو في الغار مع أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وكيف أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أبا بكر عن الخوف ودعاه لليقين بالله الذي هو معهما يسمع ويرى، قال تعالى: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا...).[٧]
  • الحزن بمعنى الغم: ورد لفظ الحزن في القرآن الكريم في بعض المواضع بمعنى الغم، من ذلك قول الله تعالى: (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ...).[٨]
  • النهي عن الحزن على الكافرين أو منهم: فقد وردت بعض الآيات في النهي عن الحزن على الكافرين، أو الحزن الذي يرادف الخوف منهم، من ذلك قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ...).[٩]


المراجع

  1. "تعريف ومعنى الحزن في معجم المعاني الجامع"، قاموس المعاني الجامع، اطّلع عليه بتاريخ 29-4-2017.
  2. ^ أ ب ت ث "الحزن"، منارة الإسلام، اطّلع عليه بتاريخ 29-4-2017. بتصرّف.
  3. "سبيل الوصول إلى حسن الظن بالله تعالى"، إسلام ويب، 23-1-2010، اطّلع عليه بتاريخ 11-2-2017. بتصرّف.
  4. د. بدر عبد الحميد هميسه، "صفات أهل اليقين"، صيد الفوائد، اطّلع عليه بتاريخ 25/1/2017. بتصرّف.
  5. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن صهيب بن سنان، الصفحة أو الرقم: 2999، صحيح.
  6. سورة آل عمران، آية: 153.
  7. سورة التوبة، آية: 40.
  8. سورة طه، آية: 40.
  9. سورة المائدة، آية: 41.