ما هو توحيد الربوبية

بواسطة: - آخر تحديث: ٢١:٥٨ ، ١٤ يونيو ٢٠١٧
ما هو توحيد الربوبية

تعريف توحيد الربوبية

توحيد الربوبية يعني الإقرار بأنَّ الله سبحانه وتعالى هو ربّ كل شيءٍ ومليكه، وأنّ الله تبارك وتعالى هو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والنافع، والضار، والمتفرّد بإجابة دعاء المضطرين، والإقرار أيضاً بأنّ الأمر كلّه لله، وأنّه بيده الخير كلّه، وأنّ الله هو القادر على ما يشاء، وليس له في ذلك أي شريك، أو نظير.[١]


الله الواحد

حينما يتفكر الإنسان في هذا الكون، ويُمعن النظر فيه، فإنّه يُلاحظ وحدة نظام الكون ودقته، وذلك من أكبر الأجرام والكواكب إلى أصغر ذرةٍ فيه، ويُلاحظ الناظر التناسق المُحكم، والبديع الذي لا يَطاله خلل أو اضطراب أو فساد، (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)،[٢] فهو خلقٌ بديعٌ وعظيمٌ للكون، ومجراته، وكواكبه، ونجومه، وأقماره، حيث يسير في حركةٍ متناغمةٍ، وبكل دقة، وهي حركةٌ مُقدّرةٌ، حيث تترابط أجزاء الكون ببعضها ترابطاً تاماً.

وبالرغم من أن هذه الأجزاء عبارة عن وحدات متفارقة في الأساس، أي أنّ لكل وحدة منها وظيفة خاصة تؤديها، دون أن يكون عمل أي وحدة من الوحدات، أو أي جزءٍ من الأجزاء سبباً في فساد وحدةٍ أخرى، أو جزء آخر من الأجزاء الكثيرة والتي لا حصر لأعدادها في هذا الكون الفسيح، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ جميع هذه القوانين تنطبق في الدقة، وحسن التدبير على جميع الكون، فما ينطبق في السماء، ينطبق كذلك في الأرض، وكلها تخضع لنظامٍ غايةٍ في الدقة والعظمة.


إنّ كل هذا الإبداع، والخلق، والتقدير العظيم، يدل على أنّ الخالق المدبّر والمُهيمن على هذا الكون كلّه؛ هو خالقٌ واحدٌ، ولو تعدد المنظّم والمدبّر، لاختلفت، وتعددت، وتباينت نواميس الكون أجمع؛ ولذلك فالمدبّر، والمقدّر، والخالق، والمنظّم للكون وشؤونه، وجميع الخلق هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي تفرّد بالربوبية خلقاً، وإيجاداً، وتدبيراً.[٣]


الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية

التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهذا ما يتضمنه توحيد الألوهية، ولكن لا يمكن للإنسان أن يتوجه لله وحده بالعبادة إلا بعد أنّ يؤمن يقيناً بأنّ الله سبحانه وتعالى هو المتصرف في الكون؛ بالخلق، والإيجاد، والرزق، وبعد أن يستقر في قلب المؤمن أنّ النفع والضر كلّه بيد الله وحده لا شريك له، وأنّ الله الذي خلق الكون، وخلق الإنس والجن، وجعل الهدف من خلقهم عبادته سبحانه؛ فالله سبحانه وتعالى يقول في مُحكم التنزيل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّـهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)،[٤]

هكذا يتّضح الفرق بين كلٍ من توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فالربوبية تتعلق بأفعال الله الخالق، المُتصرّف، والمُصرّف لشؤون جميع الخلق، والألوهية تتعلق بأفعال الإنس والجن، وعباداتهم التي يجب أن تتوجه حصراً وبكل إخلاصٍ لله وحده لا شريك له؛ بما أنه هو المُدبر، والمصرّف لشؤون الكون وما فيه من مخلوقات.[٥]


توحيد الربوبية في القرآن الكريم

تزخر سور القرآن الكريم بالآيات التي تتناول موضوع توحيد الربوبية، ومن الآيات التي تتحدث عن توحيد الربوبية:[٦]
  • قوله تعالى: (إنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)،[٧] فالآية الكريمة تدل على أفعال الله تعالى، حيث خلق السماوات والأرض، وله وحده الخلق والأمر، وهذه الصفات كلها تدل على الربوبية، وهذه الأفعال أيضاً من لوازم ربوبية الله على خلقه.
  • قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ)،[٨] والأفعال المتعددة من الرزق، وملك السمع والبصر، وإخراج الحي من الميِّت، والميِّت من الحي، وتدبير الأمر، كلها أفعال تدّل على توحيد الربوبية، وتفرد الله تعالى في تدبير وتصريف أمر الخلق جميعاً.
  • قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)،[٩] ولطف الله من تدبيره وتصرفه سبحانه، والذي لا ينبغي لأحدٍ غيره، وهو من لوازم الربوبية.
  • قوله تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)،[١٠] فالخلق، والإيجاد، واختيار ما يشاء لخلقه؛ من لوازم ربوبيته سبحانه وتعالى.


إقرار مشركي العرب بالربوبية

كان مشركو العرب يقرّون بتوحيد الربوبية، وكانوا يؤمنون بأنّ الله هو الخالق، ومع ذلك كانوا يعبدون مع الله آلهة أخرى، حيث كانوا يقرّون بأن الله هو الخالق، وأنّ ما يعبدونه من أصنام لا تشارك الله في الخلق، وأنّ خالق الأرض والسموات هو الله وحده،[١١] يقول تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّـهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)،[١٢] ويقول تعالى: (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّـهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)،[١٣] فكان مشركو العرب مُقرّين بالربوبية، إلا أنّهم كانوا يعبدون مع الله آلهة أخرى، وهذه هي المشكلة العقائدية عندهم، حيث إنّهم لم يكونوا مقرّين بالألوهية؛ بل كانوا يعبدون مع الله آلهةً أخرى؛ ويدَّعون أنّهم يعبدونها لتقربهم من الله تعالى،[١١]يقول الله تعالى عنهم: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ).[١٤]


المراجع

  1. سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (1408هـ- 1988م)، تيسير العزيز الحميد (الطبعة السابعة)، بيروت: المكتب الإسلامي، صفحة 33.
  2. سورة يس، آية: 38-40.
  3. عبد الرحمن حسن حبنكة (1418هـ-1997م)، العقيدة الإسلامية وأسسها (الطبعة الثامنة)، دمشق: دار القلم، صفحة 155-156.
  4. سورة الذاريات، آية: 56-58.
  5. محمد بن عبد الوهاب (1420هـ)، أصول الإيمان (الطبعة الأولى)، الرياض: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد- المملكة العربية السعودية، صفحة 72.
  6. أكرم غانم إسماعيل تكاي (6-10-2013)، "توحيد الربوبية"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 9-6-2017.
  7. سورة الأعراف، آية: 54.
  8. سورة يونس، آية: 31.
  9. سورة يوسف، آية: 100.
  10. سورة القصص، آية: 68.
  11. ^ أ ب علي بن علي بن محمد (1418هـ)، شرح الطحاوية في العقيدة السلفية (الطبعة الأولى)، الرياض: وزارة الشؤون الإسلامية السعودية، صفحة 31، 35.
  12. سورة لقمان، آية: 25.
  13. سورة المؤمنون، آية: 84-85.
  14. سورة الزمر، آية: 3.