الفرق بين حب العشاق و حب الأزواج

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٤٥ ، ٢٢ يوليو ٢٠١٥
الفرق بين حب العشاق و حب الأزواج

الحب

الحبّ من المعاني العظيمة التي يسعد الإنسان بها، وهي من الصفات التي لا تنفك عن ابن آدم، فكل آدمي لا بدّ أن تجري هذه المعاني عليه؛ الحب، والبغض، والرضا ، والكره، والفرح، والشدة، والحزن.


والحب يسمو بالنفس ويحلّق بها في فضاء من السعادة والجمال، ويضفي على حياتنا بهجةً وسرورًا، ويكسو الروح بهاءً وحبورًا. والحب: هو ذلك الرباط السحري الذي تتماسك به الأكوان، إنه روضة الحياة وأريجها الفواح، وعطرها الذي تنتشي منه الأرواح ، والحب كلمة واسعة المدلول ولكن المعنى المقصود بين الرجل والمرأة، والحب بهذا المعنى هو من العواطف الإنسانية التي لم يصادرها الإسلام، ولم يعمل على قمعها داخل النفوس لتولد الكبت، بل هو فطرة الله التي فطر الناس عليها.


الحب الناضج هو حب الأزواج

حبّ الأزواج هو الحب الحقيقي لا الحب المزيف هو الحب الناضج وليس حب المراهقة الذي يشتعل سريعًا وينطفئ سريعًا، وهذا الحب الذي نعنيه هو العاطفة الناضجة التي تفرق بين الجمال السطحي، وبين الإحساس الحقيقي بحب إنسان فيه من الصفات ما هو جدير بهذا الحب نراه بين الأزواج المتحابين، هذا الحب الناضج الواعي والذي قد يطرق القلب عندما يصبح الشاب مستعدًا لتحمل نتائجه.


تبعات الزواج هذا الحب الذي يباركه الإسلام، نستقيه من الحديث الذي رواه ابن عباس ( رضى الله عنه) : أنّ رجلاً قال يا رسول الله عندنا يتيمة قد خطبها رجلان موسر ومعسر، وهي تهوي المعسر، ونحن نريد الموسر، فقال رسول الله  : ( لم ير للمتحابين مثل النكاح، والنظرة هي الشرارة الأولى التي تشعل عاطفة الحب، ولا تحل هذه النظرة الطويلة المحققة المدققة في أسرار الجمال إلا إذا كان الإنسان عازمًا على الزواج) ولذلك كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يدفع من يريد الزواج إلى رؤية من يريد خطبتها لعلّه يدرك من أسرار الجمال فيها وتدرك من أسرار الجمال فيه ما يوقع الحب في قلبيهما.


وهكذا يكون الزواج هو الخطوة الأولى على طريق الحب الناجح الذي يعمر به الكون، ويدفع سفينة الحياة في بحار السعادة هادئة مطمئنة، تهب عليها نسمات رقيقة عذبة، يتمتع بها الحس، وتأنس إليها النفس، ويكون المعنى الحقيقي لقوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة).


إنّ ديننا الإسلامي جعل لهذه العاطفة أعظم مكانة في العلاقات الزوجية، واحترم عاطفة المودّة والرحمة بين الزوجين، والحب بعد الزواج يستمر بشرط أن يشترك الزوجان في رعاية شجرة الحب وتعهدها وسقيها بالمعاملة الرقيقة والكلمة الطيّبة الحانية والبسمة الراضية والتجاوز عن الهفوات.


نموذج حب صادق

  • روى ابن الجوزي في كتابه (ذم الهوى) أنّ عبدالله بن أبي بكر (رضي الله عنهما) تزوج عاتكة بنت زيد بنت عمرو، وكانت حسناء جميلة ذات خلق بارع، فشغلته عن مغازيه فطلّقها حسب رغبة زوجة أبيه وقال فيها شعراً جميلاً:

أعاتك لا أنساك ما ذر شارق

وما لاح نجم في السماء محلق

أعاتك قلبي كل يوم وليلة

لديك بما تخفى النفوس معلق

لها خلق جزل ورأى ومنصب

وخلق سوى في الحياة ومصدق


فمرّ به أبوه الصدّيق، فرقّ قلبه لحال ابنه فأرجعها، ثم شهد مع النبي غزوة الطائف فأصابه سهمٌ ، فمات بعدها في المدينة، فقالت عاتكة تبكيه:

رزئت بخير الناس بعد نبيهم

وبعد أبي بكر وما كان قصرًا

فيا ليت لا تنفك عيني حزينة

عليك ولا ينفك جلدي أغبرًا

فله عينًا من رأى مثله فتى

أكرم وأحمى في الهياج وأصبرًا


فإذا نسفت هذه العاطفة بين الزوجين، واستحالت الحياة الزوجية إلى جحيم لا يطاق وفشلت جميع وسائل التوفيق بين الرجل وزوجته كان الطلاق. لعلّ سائلاً يسأل: إذا تغيرت عاطفة الزوج نحو زوجته بصورة تستحيل معها الحياة الزوجية، فإنّه يستطيع التخلص من زوجته بالطلاق. إنّ الإسلام احترم مشاعر المرأة نحو زوجها كما احترم عواطف الرجل نحو زوجته دون تفرقة.


الحب المزيّف

هو الحب الذي ينمو في مرحلة المراهقة التي يمر بها كلّ فتى وفتاة، هي مرحلة التهاب المشاعر، وثورة العواطف فترة الأحلام الوردية والخيال المجنح والنظرة الحالمة، ومسلسلات الحب، وأفلام الحب الذي تبثه وتزيّنه أجهزة الإفساد حتى يظل الفتى شارد الفكر مسلوب القلب، فأجهزة التخريب تلحّ على الشخص من الخارج كي يحنّ إلى الجنس الآخر، ويظلّ الفتى أو الفتاة في شرودٍ دائم، ويحفظان عبارات الحب والهيام والكلمات المعسولة.


العشق المباح المؤلم

هنالك العشق المباح الذي لا يملك كعشق من صوّرت له امرأة جميلة أو رآها فجأة من دون قصد، فأورثه ذلك عشقًا لها ولم يحدث له ذلك العشق أيّ معصية ، فهذا لا يملك ولا يعاقب عليه، والأنفع له الانشغال بما هو أنفع له منه، والواجب على هذا يكتم ويعفّ ويصبر على بلواه، فيثيبه الله على ذلك ويعوّضه على صبره لله وعفّته.


هذا النوع من العشق مرض يعتري القلوب الفارغة، وكثيرٌ من قصص العشاق كانت نهايتها مأساوية؛ فماتوا همًا وكمدًا على فراق أحبتهم ببكائهم ونحيبهم، وكلّنا نعرف قصّة مجنون ليلى قيس بن الملوّح الذي كان يُضرب فيه المثل في الحب والهيام والعشق لحبيبته ليلى.


ضرر العشق

يورث العشق في الدنيا الهم الدائم والفكر اللازم والوسواس والأرق، وكثرة السهر؛ فتنشأ الصفرة في البدن والرعدة في الأطراف، فالرأي عاطل والقلب غائب عن تدبير مصلحته، والدموع هواطل والحسرات تتابع، والزفرات تتوالى، والأنفاس لا تمتد، وصدق القائل:

العشق مشغلةٌ عن كل صالحة

وسكرة العشق تنفي سكرة الوسن


الحب الصادق هو الحب القائم بين الزوجين، ويبقى معهما حتى يفرّق الموت بينهما ، وأما حب المراهق الذي اتّبع هذا الطريق قد حكم على مستقبله بالضياع، فإن كان الحب من طرفه فيا لشقائه وعذابه؛ فالقويّ منهم من لم يجعل لهذه الأفكار السقيمة سلطانًا على قلبه وعقله فتشغله عن الوصول إلى قمّة المجد.