كيف أستمر على الاستغفار

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٦:٤١ ، ٢ أبريل ٢٠١٧

الاستغفار

من صفات الإنسان الخطأ والزَلل فكل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون، والسبيل لمغفرة الذنوب ومحوها استغفار الله، ولكن المستغفِر سرعان ما يعود للذنب مرةً أخرى، لأن الحياة مليئةٌ بالملذات، وقد جُبل الإنسان على الزلل، وحب الهوى، لذا وجب عليه المداومة على الاستغفار والاستمرار عليه حتى يبقى نقياً من الذنوب طاهراً من كل ما يدنّس إيمانه، فما هي الوسائل المعينة على الاستمرار على الاستغفار؟ وما هي الأعمال التي تجعل العبد أقرب من الله سبحانه وتعالى ليجعله يداوم على الاستغفار؟


تعريف الاستغفار

الاستغفار في اللغة: مصدر غَفَرَ، ويعني التّغطية والسَّتْر، يُقال: غَفَرَ الله عزَّ وجلَّ الذّنوب: إذا سَتَرها.[١]


الاستغفار اصطلاحاً: للاستغفار عدَّةُ معانٍ في الاصطلاح، فمنها أنَّ الاستغفار: يعني أن يطلب العبد العفو والمغفرة من الله سبحانه وتعالى بعد أن يلحظ قُبح المعصية، ويُعرض عنها،[٢] ويمكن تعريف الاستغفار في الاصطلاح بأنه: أن يطلب العبد العفو من الله عمَّا ارتكبه من الذنوب والآثام.[٣]


كيفية الاستمرار على الاستغفار

إذا تاب المسلم من ذنبٍ ثم عاد إليه فإنه يجب عليه أن يجدّد التوبة، ويستغفر الله مرةً أخرى لتكراره ذلك الذنب، كما يجب عليه المداومة على الاستغفار من كل الذنوب التي يقترفها في يومه وليلته، ومن الأعمال المُعينة على المداومة على الاستغفار ما يلي:[٤]

  • أن يسعى إلى تخصيص وردٍ يومي يجعل من ضمنه استغفار الله بقلبٍ خالص.
  • أن يتقرّب إلى الله بالأعمال التي تجعله يلزم الاستغفار كالذكر، والصلاة، والصيام، والصدقة.
  • الصحبة الصالحة: فإن الأصحاب الصالحين يُذكّرون بعضهم بكل ما يُحبه الله، ويتذاكرون الاستغفار في مجالسهم.
  • مذاكرة فضائل الاستغفار وأثره في العبد في الدنيا والآخرة، فإن ذلك أدعى للمداومة على الاستغفار بقصد نيل بعض تلك الفضائل.
  • التدبر في عظيم خلق الله، والنظر في أحوال الأمم السابقة، وما أصابهم من العذاب بما كسبوا من الذنوب، مما يدعو المسلم إلى لزوم الاستغفار والمداومة عليه.


مكانة الاستغفار في الإسلام

تظهر مكانة الاستغفار في الإسلام من خلال كثرة التنبيه إليه وإلى فضائله، حيث جاء ذلك في العديد من النصوص في القرآن والسنة، ومما يُدلل على مكانة الاستغفار ما يلي:[٥]

  • من مكانة الاستغفار أن الله سبحانه وتعالى قد أمر عباده به والمداومة عليه في مواضع كثيرة في كتابه، كما جاء الحث على المداومة عليه في سنة رسوله المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ومن الآيات التي تأمر بالاستغفار قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)،[٦] وقد أمر الله عباده بالاستغفار في مواطن كثيرة بقصد قبولها منهم، وتجدر الإشارة إلى أن استغفار اللسان تعقبه توبةٌ في القلب، فإن لم يكن كذلك كان الاستغفار ناقصاً فارغ المضمون والمحتوى.
  • تظهر مكانة الاستغفار في مدح الله لأهله الذين يداومون عليه في الليل والنهار، ولا يفترون عن طلب المغفرة رجاء غفرانها من الله، وقد جاء ثناء الله على أهل الاستغفار فى مواضع كثيرة من كتابه العزيز، منها قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ*كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ*وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)،[٧] فقد وصف الله أهل الاستغفار بأنهم يُقيمون معظم الليل متهجّدين لله طالبين مغفرته.
  • الاستغفار من صفات أهل التقوى، قال تعالى: (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)،[٨] فيجب أن يحوي الاستغفار عدداً من الشروط كما بيّنت الآية، وتتلخص تلك الشروط في: أن يحل الاستغفار عقدة الإصرار على ارتكاب الذنب، وأن يثبت معنى الاستغفار ومراده في قلب المستغفر، فلا يكون الاستغفار مجرد تلفّظٍ باللسان.


فضائل الاستغفار

للاستغفار فضائل وثمرات، وقد جاء ذكر بعض فضائل الاستغفار في كتاب الله وسنة رسوله، ومن ثمرات الاستغفار التي جاءت بها النصوص الصحيحة ما يلي:
  • جلب الرزق والخير: قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا*يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا*وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا)،[٩] فقد أشارت الآيات إلى عظيم أثر الاستغفار في جلب الرزق وتنميته وتكثيره، وأن الرزق لا يقف على المال فقط، بل يتعدى ذلك إلى استجلاب الأولاد بعد العقم، واستجلاب الغيث بعد القنوط من نزوله، ولزوم الاستغفار والمداومة عليه تُثمر في نفس صاحبها، وتجعله مُستجاب الدعوة حتى يأتيه كل ما هو مُحتاجٌ إليه.[١٠]
  • تكفير الذّنوب:[١٠] قال تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا).[١١] فإن الآية تُشير إلى أنّ من استغفر الله بعد ذنبٍ ارتكبه فإن الله سيغفر له، ويُزيل أثر الذنب الذي ارتكبه إذا كان استغفاره صحيحاً.
  • ثبوت محبة الله لمن لزم الاستغفار: فإن العبد إذا أذنب ثم تاب إلى الله واستغفره، فإن الله يفرح لتوبة عبده وإقباله عليه، ويُباهي ملائكته بذلك، ويُشهدهم أنه يُحبه لما كان منه من التوبة والندم على ما ارتكب من ذنوب بعد أن عايش لذة الذنب، وكيف اختار رضى الله على تلك اللذة.[١٢]
  • النجاة من عقوبة الله وعذابه: قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)،[١٣] فإن الله سبحانه وتعالى يخاطب نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- أنه لن يُنزل العذاب على قومه ما دواموا يُداومون على الاستغفار ويلتزمون به، كنوعٍ من بيان فضل المداومة على الاستغفار وأجر من لزم الاستغفار وداوم عليه.[١٤]
  • إزالة الهموم وتفريج الكروب: حيث رُوِي عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب)،[١٥] فإنّ لزوم الاستغفار والمداومة عليه تجعل العبد أكثر قرباً من الله سبحانه وتعالى، وبالتالي تجده سعيداً مرتاح البال مسرور الخاطر.


المراجع

  1. ابن منظور (1414هـ)، لسان العرب (الطبعة الثالثة)، بيروت: دار صادر، صفحة 25، جزء 5. بتصرّف.
  2. الجرجاني (1983)، التعريفات (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 18.
  3. محمد رواس قلعجي، حامد قنيبي (1988)، معجم لغة الفقهاء (الطبعة الثانية)، عَمَّان: دار النفائس، صفحة 275. بتصرّف.
  4. "نصائح للبعد عن المعاصي"، إسلام ويب، 31/10/2013، اطّلع عليه بتاريخ 25/2/2017.
  5. د. أحمد عرفة، "الاستغفار فضائله وفوائده"، صيد الفوائد، اطّلع عليه بتاريخ 12-3-2017. بتصرّف.
  6. سورة البقرة، آية: 199.
  7. سورة الذاريات، آية: 15-18.
  8. سورة آل عمران، آية: 133-135.
  9. سورة نوح، آية: 10-12.
  10. ^ أ ب محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، تفسير القرطبي، بيروت: دار الفكر، صفحة 277، جزء 11. بتصرّف.
  11. سورة النساء، آية: 110.
  12. أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، بيروت: دار المعرفة، صفحة 5، جزء 4. بتصرّف.
  13. سورة الأنفال، آية: 33.
  14. "تفسير قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2-4-2017. بتصرّف.
  15. رواه أبو داود، في سنن أبي داود، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 1518، سكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح].