ما هو الجهاد الأكبر

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٤٨ ، ٢٧ نوفمبر ٢٠١٤
ما هو الجهاد الأكبر

الجهاد يعني المكابدة وبذل الوسع والطاقة للحصول على منفعة ما، فالمقاتل يبذل جهده، ويدركه النصب، وقد تفيض روحه إلى بارئها، وطالب العلم يسعى ويجتهد وكذلك طالب المال، فكلٌ يجبر نفسه على أمر فيه تعب ونصب، وهذا تهرب منه النفس، فالنفس ترغب في الراحة والسهولة، وتميل عن كل مافيه صعوبة ونصب؛ ولذلك يبقى الناس في حرص شديد على الحصول على كل وسائل الراحة والترفيه كالسيارات والأدوات الكهربائية التي تقلل الجهد.

كلّ شيء في هذه الدنيا يخضع للتفاوت، والجهاد وبذل الطاقة يختلف من حالة إلى حالة، ولذلك قُسم إلى قسمين: الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر، وقد ورد في بعض كتب الحديث والسنة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قوله:"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا وما الجهاد الأكبر قال جهاد النفس والهوى. ولكنّ هذا الحديث ضعّفه البيهقي و آخرون، وقال عنه ابن تيمية: لا أصل له، و وافق ابن تيمية غيرُه. وإن كان هذا الحديث ضعيفا فإن معناه صحيح.

ولم ترد كلمة الجهاد ومشتقاتها في القرآن الكريم إلا لمعنى قتال المشركين والمنافقين، وقد خرجت عن هذا المعنى في الحديث عن منع الآباء أبناءهم من الإسلام و إجبارهم على الشرك فقال تعالى:وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" العنكبوت (8)، وجاء أيضاً: "وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" لقمان (15)

إن كان القرآن الكريم والسنة الشريفة لم يشيرا إلى تقسيم الجهاد فإنّ في التراث الإسلامي ما يوحي بهذا التقسيم،فقد أكّد هذا المعنى عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجههه، حين قال لاصحابه : (رجعنا من الجهاد الاصغر إلى الجهاد الاكبر) ، فالجهاد الاصغر محاربة المشركين ، والجهاد الاكبر جهاد النفس، وقد جاء هذا القول في كتاب نهج البلاغة، كما سُمع هذا القول عن إبراهيم بن أبي عبلة، . وجاء عن عبد الله بن المبارك و هو أحد التابعين أن الجهاد الأكبر هو مجاهدة النفس والهوى وذلك حقّ الجهاد. بل إنّ جهاد النفس مرحلة سابقة على جهاد العدو، و إن لم يجاهد المسلم نفسه ويلتزم بأمر الله وشرعه وينتهي عما نهى عنه الله عزّ وجلّ فلن يرتقي إلى منزلة الجهاد بالمال والنفس، وقد انتبه ابن القيم الجوزية على ذلك في كتبه، فجعل جهاد النفس أصلاً لجهاد الكفار، وعنى بجهاد النفس الصبر على العبادات ومجاهدة المعاصي، و جهاد الكفار ومقاتلتهم هو يأتي بعد تحقيق التوحيد، والكفر بالطاغوت يستوجب اجتنابه وبغضه، ويجب أن يتصاعد البغض ليصل إلى حدّ المقاتلة والمحاربة. وجهاد النفس يندرج تحته أنواع كثيرة. وذكر أيضاً أن العبد ما لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوِّه في الخارج والانتصاف منه، بل لا يمكنه الخروج إلى عدوِّه حتى يجاهد نفسه على الخروج.

جهاد النفس والشيطان هو مرحلة متقدّمة على جهاد الأعداء، وقد يحتاج إلى مجهود أكبر؛ لأنّ النفس أمّارة بالسوء، والشيطان أقسم على نفسه ليقعدنّ للمؤمنين، و أقسم أن يتخذ منهم نصيبا مفروضا، وجهاد النفس والشيطان أمر لا ينتهي، يظل ما دام الإنسان يتنفس، فحاجة الإنسان لا تنقضي وطموحاته ومطامعه ورغباته تكبر كلّما كبر في العمر، وشهوته إن انقطعت في مكان تظلّ حيّة رطبة في مكان آخر. ولا يمكن أن ينوب عن المسلم أحد في جهاد النفس والشيطان، كما في جهاد الأعداء، الذي يمكن أن ينوب عن المؤمنين مجموعة من المقاتلين.