أبو فراس الحمداني

بواسطة: - آخر تحديث: ٢٠:٣٢ ، ١٢ أكتوبر ٢٠١٨
أبو فراس الحمداني

نشأة أبي فراس الحمداني وحياته

هو الحارث بن سعيد بن حمدان، وهو من أسرة الحمدانيين، والتي تعود أصولها إلى قبيلة تغلب، وُلِدَ أبو فراس الحمداني عام 923م/ 320هـ وعلى الأرجح في مدينة الموصل في العراق، وقد ترعرع في كنف أمه وابن عمه القائد سيف الدولة الحمداني، بعد مقتل والده -حيث كان يبلغ حينها الثالثة من عمره- على يد ناصر الدولة الحمداني، الذي تمرَّد على الخليفة وأراد أن يستقل بولاية الموصل، فأرسل الخليفة سعيد بن حمدان ليوقف ناصر الدولة عند حده، وليتولَّى إمارة الموصل، إلا أنَّ ناصر الدولة استطاع أن يقتل عمه سعيد الحمداني ويوقف الخليفة عند حده.[١][٢]


نشأ أبو فراس يتيم الأب، فرعاه ابن عمه سيف الدولة الذي كان له أثر في حياة الدولة الحمدانية، التي حكمت الموصل وشمال سوريا، فقد شمله بعطفه ورعايته، حتى أنَّه ميّزه عن غيره من الناس لما اتصف به من ذكاء ونجابة وأخلاقٍ حميدة، فكان ممن ضمَّهم الخليفة سيف الدولة لبلاطه، فأنمى مواهبه الأدبية بسبب الجو الذي نشأ به عند سيف الدولة، فقد كان بلاط ابن عمه يضج بالشعراء والأدباء الذي كان له الأثر الكبير في بروز موهبته الشعرية التي نافس بها شعراء عصره، كما أنَّ سيف الدولة اصطحب أبو فراس الحمداني في غزواته وأشركه في المواجهات التي كانت تقوم بين الدولة الحمدانية والروم من جهة، والقبائل المتمرِّدة من جهة أُخرى، كما استخلفه على أعماله.[١][٢]


فكان أبو فراس الحمداني الأمير الشاعر، الذي يقول الشعر وينافس الشعراء في أوقات السلم، ويتولَّى الدفاع عن إمارة ابن عمه سيف الدولة في أوقات الحرب، فقد تولَّى أبو فراس الحمداني إمارة منبج، التي كانت من المدن المهمة التي يُتنازع عليها بين الروم وإمارة سيف الدولة، فراح يدافع عن إمارته ضدَّ هجمات الروم، ويضرب القبائل العربية المتمرِّدة على حكم ابن عمه، وهكذا استطاع أن يتولَّى شؤون إمارته بشجاعة وإقدام، أمضى فيها سنوات يقارع الأعداء بلا كللٍ أو ملل.[٢]


أسر أبي فراس الحمداني ووفاته

تعددت الروايات في عدد مرات أسر أبي فراس الحمداني، فذكر الثعالبي في كتابه يتيمة الدهر أنَّ الحمداني أُسرَ مرة واحدة فحمله الروم إلى منطقة تسمى خرشنه وبعدها إلى القسطنطينية، وذكر ابن خلكان أنَّ الحمداني أُسرَ مرتين؛ مرة في منبج عندما كان والٍ عليها إذ حمله الروم إلى القسطنطينية، ومرة عندما خانه حظه ووقع أسيراً عند الروم في منطقة تسمى مغارة الكحل وقد حمله الروم إلى سجن خرشنه، حينها وجه الشاعر جملة رسائل يلوم فيها ابن عمه سيف الدولة على مماطلته في افتدائه، فنظم القصائد الفخمة التي عُرِفت بالروميات التي وصف فيها طول الأسر وتباطؤ ابن عمه في فكاكه.[٣]


اختلفت الأسباب التي جعلت سيف الدولة يماطل في تحرير ابن عمه من أسر الروم، فهناك من قال إنَّ الروم هم من حرصوا على بقاء أبي فراس في الأسر، وهناك من قال إنَّ سيف الدولة كان خائف من طموح أبي فراس وشجاعته، وهناك أسباب أُخرى أوردها النقاد في أسر الحمداني، ويمكن أن يرجّح في سبب بقائه كل تلك الفترة في الأسر دون أن يحرك سيف الدولة ساكناً، هو خوفه من بطولات وطموح أبي فراس، والدليل على ذلك أنَّه تمَّ افتداء أبي فراس بعد سبع سنوات من سجنه وذلك في سنة 355هـ/ 965م، فعند وفاة سيف الدولة الحمداني سنة 356هـ/ 966م، أراد أبو فراس تولِّي حمص فدارت معركة بينه وبين ابن اخته سعد الدولة وهو ابن سيف الدولة، فأوفد سعد الدولة جيشاً بقيادة قرغوية ليلاقي الحمداني ويقتله، وكان ذلك في سنة 357هـ/ 969م.[٣]


روميّات أبي فراس الحمداني

لأبي فراس الحمداني ديوان شعر طُبع ثلاث طبعات، وقد طُبِعَ ديوانه أول مرة في بيروت سنة 1873م، ثم طُبِعَ في مطبعة نخلة قلفاط سنة 1900م، وقد أعيدت طباعته سنة 1910م، إلا أن الدكتور الدهان أعاد تنقيح المخطوطات وترتيبها وإثبات الأصح منها، وقد نشرها عام 1951م، ومن أبرز ما اشتهر في ديوانه هو الروميّات، والتي نظمها الشاعر في أسره.[٢]


الناظر في روميات أبي فراس الحمداني، يستشعر الألم الواضح في شعره، فيجد عاطفة ليّنة بسيطة تعبر عن الألم في نفسه، نتيجة المعاملة الجافة التي تلقاها من ابن عمه سيف الدولة، فيضيق صدره وتدمع عيناه كلما تذكر الماضي، هذا ما جعله يتغنى بألمه للتفريج عن مصيبته. ومن أبرز ما استحضره في قصائده؛ أمجاده السالفة وبطولاته التي يفحر بها، وتجده يستذكر رحمة الله بعد أن فشل في استعطاف ابن عمه في تحريره، فيذكر الله وحده الذي يستطيع أن يسارع في تفريج كربه، كما استذكر مصائب الدهر وحقيقة الحياة والموت، وقدرته على الصبر في أحلك الأيام وأصعبها، فقال:[٢][٤]

إلى اللَّهِ أشكُو مَا أرَى من عَشَائِرٍ
إذا ما دنونا زادَ جاهلهم بعدا


كما أكثر الشاعر من أبيات التجرد، التي يطلب فيها الخلاص تعزية لوالدته العجوز، التي كانت تبكيه وتتذلل لإنقاذه، فقد أدرك أنها كانت تعود خائبة الرجاء دون أن يسمعها أحد، فتتغلب عليها عاطفتها بالبكاء دون أن تلقى جواباً يطفئ نار قلبها، فيقول:[٢][١]

وَإنّ، وَرَاءَ السّتْرِ، أُمّاً بُكَاؤهَا
عَلَيّ، وَإنْ طالَ الزّمَانُ، طَوِيلُ!


كما يظهر الحمداني تململه في رومياته، فيوجِّه أشعاره إلى أمه وأصدقائه وابن عمه بأسلوب يمتزج بعواطف الشوق، والحزن، والمناجاة، والشكوى، ويذكر أنَّ السجن لم يؤثر في نفسه بل زاده ذلك شجاعة وإقدام، وإنما ما كان يؤلمه هو تخلي الأصدقاء عنه، وشماتة الآخرين به، لكن هذه الشماتة وذلك الحسد كان يواجههما بشخصية ثابتة قوية قادرة على الوقوف في وجههم جميعاً، بفخر واعتزاز بنفسه بطابع من الحكمة التي علمته إياها الحياة، فيقول:[٢]

لمنْ جاهدَ الحسادَ أجرُ المجاهدِ
وَأعْجَزُ مَا حَاوَلْتُ إرْضَاءُ حَاسِدِ
و لمْ أرَ مثلي اليومَ أكثرُ حاسداً؛
كأنّ قُلُوبَ النّاسِ لي قَلبُ وَاجِدِ
ألمْ يَرَ هذا النّاسُ غَيْرِيَ فاضِلاً؟
وَلمْ يَظْفَرِ الحُسّادُ قَبلي بمَاجِدِ؟!


كما أنَّ موت والدة الشاعر جعلت نفسه تذوب حسرة وألم عليها، فخاطب سيف الدولة بقصيدة مؤثرة، قال في مطلعها:[١]

أيا أمَّ الأسيرِ ، سقاكِ غيثٌ،
بكُرْهٍ مِنْكِ، مَا لَقِيَ الأسِيرُ!
أيا أمَّ الأسيرِ ، سقاكِ غيثٌ،
تَحَيّرَ، لا يُقِيم وَلا يَسِير!
أيا أمَّ الأسيرِ ، سقاكِ غيثٌ،
إلى منْ بالفدا يأتي البشيرُ؟


المراجع

  1. ^ أ ب ت ث د. شوقي المعرّي (2013)، أبو فراس الحمداني، دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، صفحة 9، 11، 50، 51، 52. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث ج ح خ حنا القاخوري (1986)، الجامع في تاريخ الأدب العربي القديم (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الجيل، صفحة 820-825. بتصرّف.
  3. ^ أ ب عبد الروضان (2001)، موسوعة شعراء العصر العباسي (الطبعة الأولى )، الأردن-عمان: دار أسامة للنشر والتوزيع، صفحة 56، 57، 59، جزء الثاني . بتصرّف.
  4. أبو فراس الحمداني ، "إلى اللَّهِ أشكُو مَا أرَى من عَشَائِرٍ"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 14-4-2018. بتصرّف.