أثر الدين على الزكاة

كتابة - آخر تحديث: ١١:٤٦ ، ٢٤ يناير ٢٠٢١
أثر الدين على الزكاة

أثر الدين في وجوب الزكاة

تعدّدت آراء الفُقهاء في حُكم الزكاة على الشخص الذي عليه دينٌ، وحُكم الزكاة عنه، وبان ذلك آتياً:[١][٢]

  • الحنفيّة: اشترط الحنفيّة لوجوب الزكاة في غير الزُّروع عدم إحاطة الدَّيْن بمال الشخص كُلّه أو بأغلبه، ويعتبر حينها ما بقي من المال أقلّ من النصاب، وأمّا إن كان الدَّين جميعه لله -تعالى- كالنُّذور والكفّارات؛ فإنّها لا تمنع من وجوب الزكاة.
  • المالكيّة: اشترطوا في الزكاة -باستثناء المعدن والرِّكاز- عدم وجود دَيْنٍ يُنقص النصاب، فلا زكاة عندهم في النَّقْديْن على المدين إذا كان الدَّين يُنقص النصاب، وما بقي من المال لا يفي بحاجاته الأساسيّة، وأمّا باقي الأصناف فتجب فيها الزكاة مع وجود الدَّين.
  • الشافعيّة: ذهبوا في الأصح عندهم إلى أنّ الدّين لا يمنع من وجوب الزكاة، وقيل: إنّه يمنع الزكاة في الأموال الباطنة كالذهب، والتِجارة، وغير ذلك، ولا يمنعها في الأموال الظاهرة كالزّروع، والمعادن، والثمار، والأنعام؛ بسبب نمائها بنفسها، واستدلّوا على ذلك بقوله -تعالى-: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)،[٣] وهذا نصٌ عامٌ، ولكنّه مُخصّصٌ بالأدلة التي تمنع الزكاة على من عليه دَين، واستدلّوا بالتفريق بين الأموال الظاهرة والباطنة بفعل النبي -عليه الصلاة والسلام- عندما كان يبعث جُباة الزكاة، فيأخذونها دون سؤال أصحابها إن كان عليهم دين، وهذا يدُلّ على أنّ الدّين لا يمنع وجوب الزكاة.
  • الحنابلة: يُشترط في جميع أموال الزكاة عدم وجود دَيْنٍ يستغرق النّصاب أو ينقصه، ولو كان الدّين من غير الصنف الذي يُراد الزكاة منه، واستدلّوا على ذلك بعدة أدلة، ومنها قول الصحابي عُثمان بن عفان -رضي الله عنه-: "هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤدّ دينه حتى تحصل أموالكم فتؤدوا منها الزكاة"، وكان هذا القول أمام الصحابة الكرام، وأقرّه الجميع، وقد أوجب النبي -عليه الصلاة والسلام- أداء الزكاة على الأغنياء، أما المَدين فلا يُعدّ من الأغنياء.


حكم زكاة الدين

  • الدَّين إما يكون عند أشخاصٍ معسرين -ذي حاجة- يصعب على المدين أخذه متى ما طلبه، وإما أن يكون الشخص أعطاه لأشخاصٍ باذلين؛ أي أغنياء وباستطاعته أخذ ديْنه متى ما أردا، وفي وجوب الزكاة في مال الشخص في الحالة الثانية عدّة آراءٍ للفُقهاء، وفيما يأتي بيانها:[٤]
    • القول الأول: وجوب الزكاة فيه حتى وإن لم يقبضه، وذهب إلى ذلك عُثمان بن عفان، وابن عُمر -رضي الله عنهما-، والشافعيّة، واستدلّوا بالقياس على الوديعة؛ لأنّ صاحبها يُخرج زكاتها وهي ليست في ملكه؛ فكذلك الدّين.
    • القول الثاني: وجوب الزكاة فيه تكون بعد قبضه، ويُزكّى فيه عن جميع السنوات السابقة، وهو قول علي وعائشة -رضي الله عنهما-، والحنابلة، واستدلّوا بالآثار المروية عن الصحابة الكرام بعدم وجوب الزكاة في الدّين حتى يُقبض، وكذلك فأنّ الزكاة مبنيةٌ على المواساة، وليس من باب المواساة إخراج زكاة مالٍ لا يُنتفع به.
    • القول الثالث: وجوب الزكاة فيه بعد قبضه لسنةٍ واحدةٍ فقط، وذهب إلى ذلك المالكيّة، فقالوا إنّ من شروط وجوب الزكاة إمكانيّة الأداء، وهذا الأداء يتحقّق بعد القبض، فتجب زكاته في السنة التي قُبض فيها.
  • الدّين الذي لا يُرجى سداده، لا تجبُ فيه الزكاة.[٥]
  • المدين الذي عليه دين يشترط لتسقط عنه الزكاة أن لا يجد مالاً لقضاء دينه سوى المقدار المفترض عليه أداؤه في الزكاة والذي يُفترض إخراجه للفقراء وغيرهم من مصارف الزكاة، فإن الزكاة تسقط عنه حينئذٍ، أما إن كان لديه مال زائد عن حاجاته غير مال الزكاة فلا تسقط عنه الزكاة حينئذ ويلزمه أداء الدين من هذا المال ولو كان هذا المال نوعه يختلف عن المال الذي تجب فيه الزكاة كأن تجب الزكاة في الذهب، والمال الزائد عن الحاة يكون من عروض التجارة.[٦]


شرط الدين الذي يمنع الزكاة

تعدّدت آراء الفُقهاء في الدّيْن الذي يمنع وجوب الزكاة على الأقوال الآتية:[٦]

  • القول الأول: الدّين الذي يمنع وجوب الزكاة هو ما كان له مُطَالِبٌ من جِهة العِباد؛ كصَدَاق الزوجة، أو نفقة للزوجة، أو دينٍ لأحدٍ من العباد، سواء كان الدَّين حالاً أم مؤجلاً، أمّا إن لم يكن له مُطَالِبٌ من جِهة العِباد كالحج والنّذر والكفّارة، فلا يمنع وجوب الزكاة، وهو قول الحنفيّة.
  • القول الثاني: زكاة المال الباطن يُسقطها الدّين، واختلفوا في دين الكفّارة والهدي الواجب على قولين، بالسقوط وعدمه، وهو قول المالكيّة.
  • القول الثالث: الدّين من جِهة العباد يمنع وجوب الزكاة دائماً، واختلفوا في الدّين الذي يكون لله -تعالى- بين المنع وعدمه على قولين، وهو رأي الحنابلة.

واشترط الحنفيّة عدم الدّين في مال الزكاة باستثناء الزُروع والثمار، وأمّا الحنابلة ذهبوا إلى أنّ الدّين في الأموال الباطنة يمنع وجوب الزكاة، واستدلوا بقول عُثمان بن عفان -رضي الله عنه-: "هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين، فليؤده، حتى تخرجوا زكاة أموالكم"، وفي الأموال الظاهرة كالزُّروع والأنعام فيبدأ بسداد الدّين، ثُمّ يُزكّي الباقي، وتسقط الزكاة عنه إن استغرق الدّين جميع النصاب أو إذا أنقصه، وأمّا المالكيّة فذهبوا إلى أنّ الدّين يُسقط زكاة الذهب والفضة إن لم يكن للشخص عروض تفي بدَيْنه، ولا تسقط الزكاة عنه إذا كانت له عروض تفي بدينه، ولم يشترط الشافعيّة عدم الدّين في وجوب الزكاة؛ لأنّ الزكاة تتعلق بالأعيان، والدّين يتعلق بالذمّة، فلا يمنع أحدهما الآخر،[٧][٨] لوجوب الزكاة للفُقراء من أموال الأغنياء.[٩]


أثر الدين في استحقاق الزكاة

يُعد المدين أو ما يُسمى بالغارم من الأصناف التي تُعطى من الزكاة، ولا خِلاف بين الفُقهاء في ذلك، لقوله -تعالى-: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيل اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيل فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ)،[١٠][١١] والغارمون صنفان، الأول: غارمٌ لنفسه وهو الذي يأخُذ الدّين للنفقة على نفسه وأهله، فيُطعى بِمقدار ما يسدّ به حاجته، والثاني: غارمٌ لغيره وهو الي يأخُذ الدّين ليُصلح به بين الناس، فيُعطى من الزكاة ولو كان غنياً؛ تقديراً له على عمله، لقوله -تعالى-: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)،[١٢][١٣] والدليل على دفع الزكاة له قول النبي -عليه الصلاة والسلام- لقبيصة بن مُخارق: (تَحَمَّلْتُ حَمالَةً، فأتَيْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أسْأَلُهُ فيها، فقالَ: أقِمْ حتَّى تَأْتِيَنا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لكَ بها، قالَ: ثُمَّ قالَ: يا قَبِيصَةُ إنَّ المَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إلَّا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمالَةً، فَحَلَّتْ له المَسْأَلَةُ حتَّى يُصِيبَها، ثُمَّ يُمْسِكُ)،[١٤][١٥] ويُعطى الغارم من الزكاة حتى وإن كان له راتبٌ، ويُعطى أيضاً إذا استدان للزّواج أو لشراء بيتٍ وغير ذلك، لأنّ المصلحة في إعطائه أو السداد عنه.[١٦]


المراجع

  1. محمود محمد خطاب السّبكي (1977)، الدّين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق (الطبعة الرابعة)، مكة المكرمة: المكتبة المحمودية السبكية، صفحة 130، جزء 8. بتصرّف.
  2. عبد الله بن منصور الغفيلي (2009)، نوازل الزكاة (الطبعة الأولى)، الرياض: دار الميمان للنشر والتوزيع، صفحة 60-67، جزء 1. بتصرّف.
  3. سورة التوبة، آية: 103.
  4. عبد الله بن منصور الغفيلي (2009)، نوازل الزكاة (الطبعة الأولى)، الرياض: دار الميمان للنشر والتوزيع، صفحة 202-205، جزء 1. بتصرّف.
  5. حسين بن عودة العوايشة (1429 هـ )، الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة (الطبعة الأولى)، عمان - الأردن: المكتبة الإسلامية، صفحة 38، جزء 3. بتصرّف.
  6. ^ أ ب وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: دار السلاسل، صفحة 247-248، جزء 23. بتصرّف.
  7. وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ، الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الطبعة الرابعة)، دمشق: دار الفكر، صفحة 1806-1809، جزء 3. بتصرّف.
  8. حمد بن عبد الله بن عبد العزيز الحمد، شرح زاد المستقنع، صفحة 14-17، جزء 9. بتصرّف.
  9. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: دار السلاسل، صفحة 245-246، جزء 23. بتصرّف.
  10. سورة التوبة، آية: 60.
  11. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: دار السلاسل، صفحة 124، جزء 31. بتصرّف.
  12. سورة النساء، آية: 114.
  13. عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي، شرح عمدة الفقه، صفحة 21، جزء 17. بتصرّف.
  14. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن قبيصة بن مخارق، الصفحة أو الرقم: 1044، صحيح.
  15. حسين بن عودة العوايشة (1429 هـ )، الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة (الطبعة الأولى)، عمان - الأردن: المكتبة الإسلامية، صفحة 117، جزء 3. بتصرّف.
  16. محمد بن صالح بن محمد العثيمين، اللقاء الشهري، صفحة 15، جزء 41. بتصرّف.