أحكام سجود التلاوة

كتابة - آخر تحديث: ٠٥:٢٠ ، ١١ يونيو ٢٠١٩
أحكام سجود التلاوة

سجود التلاوة

يأتي السجود في اللغة على عدّة معانٍ، وهي: التطامن، والخضوع، والتذلّل، وأمَّا اصطلاحاً: فهو وضع جبهة الرأس، أو بعض الجبهة، أو ما اتصل بالجبهة وكان ثابتاً مستقراً على صفةٍ مخصوصةٍ، والتلاوة لغةً: مصدر الفعل تلا، بمعنى قرأ، يُقال: تلوت القرآن تلاوةً أي قرأته، أمَّا سجود التلاوة اصطلاحاً: فهو السجود الذي كان سبب وجوبه أو ندبه قراءة آيةٍ من آيات السجود، ولسجود التلاوة مجموعةٌ من الشروط، لا بد من توفّرها حتى يكون السجود صحيحاً، وهذه الشروط على النحو الآتي:[١]

  • الطهارة من الحدث والخبث: ذهب الفقهاء إلى أنه يُشترط لصحة سجود التلاوة الطهارة من الحدث والخبث، وذلك في الجسد، والثوب، والمكان؛ وذلك لأن سجود التلاوة جزءٌ من الصلاة أو في معنى الصلاة، فيُشترط لصحّته الطهارة التي هي شرطٌ لصحّة الصلاة، وذهب أبو العباس والبخاري إلى عدم اشتراط الطهارة، فقد كان عبد الله بن عمر يسجد للتلاوة على غير طهارة، ويُشترط أيضاً ستر العورة، واستقبال القبلة، والنيَّة لصحة سجود التلاوة.
  • دخول وقت السجود: من شروط صحّة سجود التلاوة دخول وقت السجود؛ ويحصل ذلك عند جمهور الفقهاء بأن يُتمّ القارئ قراءة جميع آية السجدة، أمَّا للمستمع فيكون بسماع جميع آية السجدة، فلو سجد قبل إنهاء آية السجدة ولو بحرفٍ واحد لم يصحّ؛ لأن سجوده قد كان قبل دخول وقت السجود، كما لا تصحّ الصلاة قبل دخول وقتها.


أحكام سجود التلاوة

أجمع الفقهاء على مشروعية سجود التلاوة؛ وذلك للآيات والأحاديث الواردة في ذلك، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- سجد للتلاوة، ولكن اختلفوا في صفة مشروعيته، وبيان اختلافهم على النحو الآتي:

  • الحنفية: ذهب الحنفية إلى أن سجود التلاوة واجب؛ وذلك لأن الله -تعالى- ذمَّ أُناساً بتركهم لسجود التلاوة، فقال الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ)،[٢] وإنما يُستَحق الذمّ بترك واجب، ولأن المواضع التي ذُكر فيها السجود في القرآن الكريم تنقسم إلى ما هو أمرٌ بالسجود، وإلزامٌ يُفيد الوجوب كما في آخر سورة القلم، ومنها ما هو إخبارٌ عن استكبار الكافرين عن السجود فيجب علينا مخالفتهم، ومنها ما هو إخبارٌ عن خشوع المؤمنين المطيعين فيجب علينا متابعتهم، وقد رُوي عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر -رضي الله عنهم أجمعين- أنهم قالوا: السجدة على من تلاها، وعلى من سمعها، وعلى من جلس لها.[٣]
  • المالكية: اختلف فقهاء المالكية في حكم سجود التلاوة للبالغ، فذهب ابن عطاء الله وابن الفاكهاني إلى أنه سنّة، وعليه قول أكثر المالكية، وذهب ابن الباجيّ وابن الكاتب إلى أنه فضلية، وبه صدَّر ابن الحاجب، وقاعدته تشهير ما يُصدِّر به، واتّفق فقهاء المالكية على أن سجود التلاوة مندوبٌ للصبيّ.[٤]
  • الشافعية والحنابلة: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن سجود التلاوة سنّة؛ وذلك لحديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال: (كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ ونَحْنُ عِنْدَهُ، فَيَسْجُدُ ونَسْجُدُ معهُ، فَنَزْدَحِمُ حتَّى ما يَجِدُ أحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عليه)،[٥] ولم يكن سجود التلاوة واجباً؛ لأن زيد بن ثابت قرأ على النبي -صلى الله عليه وسلم- سورة النجم فلم يسجد، ورُوي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قرأ على المنبر يوم الجمعة سورة النحل، فلما بلغ موضع السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، ثم قرأ بسورة النحل في الجمعة التالية، حتى إذا بلغ موضع السجدة قال: يا أيها الناس إنما نمُرُّ بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر بن الخطاب.[٦][٧]


كيفية سجود التلاوة

اتّفق الفقهاء على أن سجود التلاوة يحصل بسجدةٍ واحدةٍ، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن سجدة التلاوة تكون بين تكبيرتين، ويُشترط في سجود التلاوة ويُستحبّ ما يُشترط ويُستحبّ في سجدة الصلاة من كشف الجبهة، ومباشرة السجود باليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، والأنف، ومباعدة المرفقين عن الجنبين، والبطن عن الفخذين، ورفع الساجد أسفله عن أعلاه، وتوجيه أصابع قدميه إلى القبلة، وغير ذلك من المستحبّات، ولكن اختلف الفقهاء في كيفية أداء سجود التلاوة، وبيان اختلافهم على النحو الآتي:[١]

  • الحنفية: ذهب الحنفية إلى أن الركن الوحيد لسجود التلاوة هو السجود أو ما يقوم مقامه كركوع المصلي، وإيماء المريض والراكب، وقالوا: يكون سجود التلاوة بين تكبيرتين مسنونتين جهراً، ويُستحب له القيام ثم النزول للسجود، فمن أراد أن يسجد للتلاوة كبَّر من غير رفع يديه، ثم يسجد، ثم يرفع رأسه مكبراً، والتكبيرتان عند النزول للسجود وعند الرفع منه مندوبتان لا واجبتان، فلا يرفع الساجد فيهما يديه؛ لأن الرفع للتحريم، ولا تحريم لسجود التلاوة، وتؤدّى سجدة التلاوة في الصلاة بسجودٍ أو ركوعٍ غير ركوع الصلاة أو سجودها، ويمكن أن تؤدّى أيضاً بركوع الصلاة، لكن بشرط أن يكون الركوع بعد قراءة آية السجدة على الفور، أي بعد قراءة آية أو آيتين أو ثلاثة على الظاهر، وأن ينوي المصلّي كون هذا الركوع عن سجود التلاوة، ويؤدّى سجود التلاوة بسجود الصلاة على الفور وإن لم ينو ذلك، وأمَّا خارج الصلاة فلا يُجزئ الركوع عن سجود التلاوة لا قياساً ولا استحساناً.
  • المالكية: ذهب المالكية إلى أن سجدة التلاوة شابهت الصلاة؛ لذلك شُرط لها ما شُرط للصلاة من الطهارة وغيرها، وشابهت القراءة؛ لأنها من توابعها؛ ولذلك تؤدّى من غير تكبيرة الإحرام، ومن غير رفع اليدين، وبلا سلامٍ على المشهور، ولكن لا بد من النيَّة عند السجود للتلاوة؛ وذلك لأن سجدة التلاوة من الصلاة، والصلاة لا بد من النيَّة فيها، والنيَّة لسجدة التلاوة أن ينوي أداء هذه السنة، ويقوم القارئ ليأتي بسجود التلاوة من قيام، ولا يأتي به وهو جالس، ثم يكبّر إذا أراد أن ينزل للسجود ولو كان خارج الصلاة، ثم يسجد، ثم يُكبّرعند رفعه من السجود، ولا يكون الركوع عوضاً أو بدلاً عن سجدة التلاوة، سواءٌ أكان في الصلاة أم لا.
  • الشافعية: ذهب الفقهاء الشافعية إلى أن لسجود التلاوة حالتان، وهما كالآتي:
    • داخل الصلاة: إذا أراد المصلّي السجود للتلاوة، سواءٌ كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً، فإنه ينوي السجود بقلبه من غير تلفّظٍ بالنية، وهي واجبةٌ في حق الإمام والمنفرد، ومندوبةٌ في حق المأموم، ولا يُكبّر تكبيرة الإحرام، ولكن يُكبر إذا نزل للسجود، وإذا رفع منه، ولا يرفع يديه في التكبير، فإذا رفع رأسه من السجود قام، ولا يجلس للاستراحة، ويُستحب أن يقرأ شيئاً بعد ذلك ثم يركع، فإن انتصب قائماً بعد سجود التلاوة ثم ركع ولم يقرأ جاز له ذلك إن كان قد قرأ سورة الفاتحة قبل نزوله لسجود التلاوة.
    • خارج الصلاة: إذا أراد القارئ أن يسجد للتلاوة خارج الصلاة نوى السجود، واستحبّ له التلفّظ بالنيّة، ثم يُكبّر للإحرام رافعاً يديه حذو منكبيه، ثم يُكبّر عند نزوله للسجود من غير رفع يديه، ثم يسجد سجدةً احدة، ثم يرفع رأسه مكبراً، ثم يجلس ويُسلّم كتسليم الصلاة من غير تشهّد.
  • الحنابلة: يُكبّر من أراد السجود للتلاوة عند نزوله للسجود لا لتكبيرة الإحرام، ولو خارج الصلاة، ثم يسجد، ثم يُكبّر عند رفعه من السجود، ويجلس في غير الصلاة إذا رفع رأسه؛ لأن السلام يتبعه، فشُرع كون السلام في حالة الجلوس، بخلاف ما إذا كان في الصلاة، ثم يُسلّم تسليمةً واحدةً عن يمينه، والتسليمة ركنٌ فيبطل السجود بترك السلام، سواءٌ تركه عمداً أو سهواً، ولا تشهّد في سجدة السهو؛ لأنها صلاةٌ لا ركوع فيها، فلم يُشرع فيها التشهّد، كصلاة الجنازة.[٨]


المراجع

  1. ^ أ ب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (1992)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: دار الصفوة، صفحة 212-223، جزء 24. بتصرّف.
  2. سورة الانشقاق، آية: 21.
  3. أبو بكر الكاساني (1986)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 180، جزء 1. بتصرّف.
  4. محمد ابن عليش (1989)، منح الجليل شرح مختصر خليل، بيروت: دار الفكر، صفحة 332، جزء 1. بتصرّف.
  5. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 1076 ، صحيح.
  6. الخطيب الشربيني (1994)، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 441، جزء 1. بتصرّف.
  7. منصور البهوتي (1993)، دقائق أولي النهى لشرح المنتهى (الطبعة الأولى)، الرياض: عالم الكتب، صفحة 251، جزء 1. بتصرّف.
  8. منصور البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 448-449، جزء 1. بتصرّف.
1169 مشاهدة