أشعار أبي العلاء المعري

كتابة - آخر تحديث: ١٠:٥٣ ، ٢٧ فبراير ٢٠١٩
أشعار أبي العلاء المعري

إيّاك والخمرَ

إيّاكَ والخمرَ فهي خالبةٌ

غالبةٌ خابَ ذلك الغَلَبُ

خابيةُ الرّاح ناقةٌ حفَلَت

ليس لها غيرَ باطلٍ حلَبُ

أشأمُ من ناقةِ البَسوس على النا

سِ وإن يُنَلْ عندها الطلب

يا صالِ خَفْ إن حلَبت دِرّتها

أن يترامى بدائِها حَلَبُ

أفضلُ مما تضمُّ أكؤسُها

ما ضُمّنتَه العِساسُ والعُلَبُ


إن يصحبِ الروحَ عقلي

إن يصحبِ الروحَ عقلي بعد مَظعنِها

للموتِ عني فأجدِرْ أن ترى عجَبا

وإنْ مضَتْ في الهواءِ الرّحبِ هالكةً

هلاكَ جِسميَ في تُرْبي، فواشجبا

الدّينُ إنصافُكَ الأقوامَ كلَّهمُ

وأيُّ دينٍ لآبي الحقّ إنْ وجبا

والمرءُ يُعييه قَودُ النفسِ مُصبِحةً

للخير وهو يقودُ العسكَر اللّجبا

وصوْمُه الشهرَ ما لم يجنِ مَعصيِتَةً

يُغنيهِ عن صَومه شعبانَ أو رَجَبا

وما اتّبعتُ نجيباً في شمائله

وفي الحمامِ تبعتُ السّادة النُّجُبا

واحذَرْ دعاءَ ظليم في نعامتِه

فرُبّ دَعوةِ داعٍ تَخرقُ الحجُبا


الأمرُ أيسرُ

الأمرُ أيسرُ مما أنتَ مُضمرُهُ

فاطرَحْ أذاكَ ويسّرْ كلّ ما صَعُبا

ولا يسُرّكَ إن بُلّغْتَهُ أمَلٌ

ولا يهمّك غربيبٌ إذا نعبا

إنْ جدّ عالمُكَ الأرضيُّ في نبأٍ

يغشاهُمُ فتصوّرْ جِدّهُمْ لَعبِاً

ما الرّأيُ عندكَ في مَلْكٍ تدينُ لهُ

مصرٌ أيختارُ دون الرّاحةِ التّعبا

لن تستقيمَ أُمورُ النّاس في عُصُر

ولا استقامتْ فذا أمناً وذا رعباً

ولا يقومُ على حقٍّ بنو زمنٍ

من عهد آدمَ كانوا في الهوى شُعَباً


رأيتُ قضاءَ اللَّه

رأيتُ قضاءَ اللَّه أوجَبَ خلْقَهُ

وعاد عليهم في تصرّفه سَلباً

وقد غلبَ الأحياءَ في كلّ وجهةٍ

هواهمْ وإن كانوا غطارفةً غُلْباً

كلابٌ تغاوتْ أو تعاوت لجيفةٍ

وأحسَبُني أصبحتُ ألأمَها كلْباً

أبَينا سوى غِشّ الصّدور وإنّما

ينالُ ثوابَ اللَّه أسلمُنا قلباً

وأيَّ بني الأيّام يَحمَدُ قائلٌ

ومن جرّبَ الأقوامَ أوسعَهُم ثَلْبا


لا تفرَحنّ بفألٍ إنْ سمعتَ به

لا تفرَحنّ بفألٍ إنْ سمعتَ به

ولا تَطَيّرْ إذا ما ناعِبٌ نعبا

فالخطبُ أفظعُ من سرّاءَ تأمُلها

والأمرُ أيسرُ من أن تُضْمِرَ الرُّعُبا

إذا تفكّرتَ فكراً لا يمازِجُهُ

فسادُ عقلٍ صحيحٍ هان ما صعبُا

فاللُّبُّ إن صَحّ أعطى النفس فَترتها

حتى تموت وسمّى جِدّها لَعبِا

وما الغواني الغوادي في ملاعِبها

إلاّ خيالاتُ وقتٍ أشبهتْ لُعَبا

زيادَةُ الجِسمِ عَنّتْ جسمَ حامله

إلى التّرابِ وزادت حافراً تَعَباً


من ليَ أن أقيمَ في بلدٍ

من ليَ أن أقيمَ في بلدٍ

أُذكَرُ فيه بغير ما يجبُ

يُظَنُّ بيَ اليُسرُ والديانةُ والعلـ

ـلمُ وبيني وبينها حُجُبُ

كلُّ شهوري عليّ واحدةٌ

لا صَفَرٌ يُتّقى ولا رجبُ

أقررْتُ بالجهل وادّعى فَهَمي

قومٌ، فأمري وأمرُهم عجَبُ

والحقُّ أني وأنهم هدرٌ

لستُ نجيباً، ولا همُ نُجُبُ

والحالُ ضاقتْ عن ضمِّها جسدي

فكيف لي أن يضمّه الشَّجَبُ

ما أوسعَ الموت يستريح به الجسـ

ـم المعنّى ويخفتُ اللَّجَبُ


اللَّه لا ريبَ فيه

اللَّه لا ريبَ فيه وهو مُحتجبٌ

بادٍ وكلٌّ إلى طَبعٍ له جذبا

أهلُ الحياةِ كإخوان المماتِ فأهْـ

ـوِنْ بالكُماةِ أطالوا السُّمرَ والعَذبا

لا يعلمُ الشَّريُ ما ألقى مرارتهَ

إليه والأريُ لم يشْعُر وقد عذُبا

سألتُموني فأعيْتني إجابتكمْ

من ادّعى أنّه دارٍ فقد كذباً


إذا شِئتَ أن يَرْضى

إذا شِئتَ أن يَرْضى سجاياكَ ربُّها

فلا تُمسِ من فعل المقادير مُغضَبا

فإنّ قُرونَ الخيلِ أولتْكَ ناطِحاً

وإنّ الحُسامَ العَضبَ لقّاكَ أعضَبا

خضَبْتَ بياضاً بالصّبيب صبابةً

ببيضاءَ عدّتكَ البنانَ المخضَّبا

وما كان حبلُ العيش إلا مُعلَّقاً

بعُرْوة أيامِ الصّبا فتقضّبا


لَعمْركَ ما غادرتُ مطلِعَ هَضبةٍ

لَعمْركَ ما غادرتُ مطلِعَ هَضبةٍ

من الفكرِ، إلاّ وارتقيتُ هَضابها

أقلُّ الذي تجني الغواني تبرّجٌ

يُري العينَ منها حَلْيها وخِضابها

فإن أنتَ عاشرتَ الكَعابَ فَصادِها

وحاوِل رضاها واحذرنّ غَضابها

فكم بكَرَتْ تسقي الأمرَّ حَليلَها

من الغارِ إذ تسقي الخليلَ رُضابها

وإنّ حبالَ العَيشِ ما علِقَت بها

يدُ الحيّ إلا وهي تخشى انقضابها