أشعار محمود درويش عن فلسطين

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٦:٣٠ ، ١١ فبراير ٢٠١٩
أشعار محمود درويش عن فلسطين

عاشق من فلسطين

عيونك شوكة في القلب

توجعني ..و أعبدها

وأحميها من الريح

وأغمدها وراء الليل و الأوجاع.. أغمدها

فيشعل جرحها ضوء المصابيح

ويجعل حاضري غدها

أعزّ عليّ من روحي

وأنسى، بعد حين، في لقاء العين بالعين

بأنّا مرة كنّا وراء، الباب ،إثنين!

كلامك كان أغنية

وكنت أحاول الإنشاد

ولكن الشقاء أحاط بالشفقة الربيعيّة

كلامك .. كالسنونو طار من بيتي

فهاجر باب منزلنا، وعتبتنا الخريفيّة

وراءك، حيث شاء الشوق ..

وانكسرت مرايانا

فصار الحزن ألفين

ولملمنا شظايا الصوت!

لم نتقن سوى مرثية الوطن

سننزعها معاً في صدر جيتار

وفق سطوح نكبتنا، سنعزفها

لأقمار مشوهّة .. وأحجار

ولكنّي نسيت .. نسيت يا مجهولة الصوت:

رحيلك أصدأ الجيتار .. أم صمتي؟!

رأيتك أمس في الميناء

مسافرة بلا أهل .. بلا زاد

ركضت إليك كالأيتام،

أسأل حكمة الأجداد:

لماذا تسحب البيّارة الخضراء

إلى سجن، إلى منفى، إلى ميناء

وتبقى رغم رحلتها

ورغم روائح الأملاح والأشواق،

تبقى دائما خضراء؟

وأكتب في مفكرتي:

أحبّ البرتقال. وأكره الميناء

وأردف في مفكرتي:

على الميناء

وقفت. وكانت الدنيا عيون الشتاء

وقشرة البرتقال لنا. وخلفي كانت الصحراء!

رأيتك في جبال الشوك

راعية بلا أغنام

مطاردة، و في الأطلال ..

وكنت حديقتي، وأنا غريب الدّار

أدقّ الباب يا قلبي

على قلبي ..

يقوم الباب والشبّاك والإسمنت والأحجار!

رأيتك في خوابي الماء والقمح

محطّمة. رأيتك في مقاهي الليل خادمة

رأيتك في شعاع الدمع والجرح.

وأنت الرئة الأخرى بصدري ..

أنت أنت الصوت في شفتي ..

وأنت الماء، أنت النار!

رأيتك عند باب الكهف.. عند الدار

معلّقة على حبل الغسيل ثياب أيتامك

رأيتك في المواقد .. في الشوارع ..

في الزرائب .. في دم الشمس

رأيتك في أغاني اليتم والبؤس!

رأيتك ملء ملح البحر والرمل

وكنت جميلة كالأرض .. كالأطفال .. كالفلّ

وأقسم:

من رموش العين سوف أخيط منديلا

وأنقش فوقه لعينيك

واسما حين أسقيه فؤادا ذاب ترتيلا ..

يمدّ عرائش الأيك ..

سأكتب جملة أغلى من الشهداء والقبّل:

"فلسطينية كانت .. و لم تزل!"

فتحت الباب والشباك في ليل الأعاصير

على قمر تصلّب في ليالينا

وقلت لليلتي: دوري!

وراء الليل و السور ..

فلي وعد مع الكلمات والنور ..

وأنت حديقتي العذراء ..

ما دامت أغانينا

سيوفا حين نشرعها

وأنت وفية كالقمح ..

ما دامت أغانينا

سمادا حين نزرعها

وأنت كنخلة في البال،

ما انكسرت لعاصفة وحطّاب

وما جزّت ضفائرها

وحوش البيد والغاب ..

ولكني أنا المنفيّ خلف السور والباب

خذني تحت عينيك

خذيني، أينما كنت

خذيني ،كيفما كنت

أردّ إلي لون الوجه و البدن

وضوء القلب والعين

وملح الخبز واللحن

وطعم الأرض والوطن!

خذيني تحت عينيك

خذيني لوحة زيتّية في كوخ حسرات

خذيني آية من سفر مأساتي

خذيني لعبة .. حجرا من البيت

ليذكر جيلنا الآتي

مساربه إلى البيت!

فلسطينية العينين والوشم

فلسطينية الاسم

فلسطينية الأحلام والهم

فلسطينية المنديل والقدمين والجسم

فلسطينية الكلمات والصمت

فلسطينية الصوت

فلسطينية الميلاد والموت

حملتك في دفاتري القديمة

نار أشعاري

حملتك زاد أسفاري

وباسمك صحت في الوديان:

خيول الروم! أعرفها

وإن يتبدل الميدان!

خذوا حذّرا ..

من البرق الذي صكّته أغنيتي على الصوّان

أنا زين الشباب، و فارس الفرسان

أنا. ومحطّم الأوثان.

حدود الشام أزرعها

قصائد تطلق العقبان!

وباسمك، صحت بالأعداء:

كلى لحمي إذا ما نمت يا ديدان

فبيض النمل لا يلد النسور..

وبيضة الأفعى ..

يخبئ قشرها ثعبان!

خيول الروم .. أعرفها

وأعرف قبلها أني

أنا زين الشباب، وفارس الفرسان[١]


في القدس

في القدس، أَعني داخلَ السُّور القديمِ،

أَسيرُ من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ بلا ذكرى

تُصوِّبُني. فإن الأنبياءَ هناك يقتسمون

تاريخَ المقدَّس .. يصعدون إلى السماء

ويرجعون أَقلَّ إحباطاً وحزناً، فالمحبَّةُ

والسلام مُقَدَّسَان وقادمان إلى المدينة.

كنت أَمشي فوق مُنْحَدَرٍ وأَهْجِسُ: كيف

يختلف الرُّواةُ على كلام الضوء في حَجَرٍ؟

أَمِنْ حَجَر ٍشحيحِ الضوء تندلعُ الحروبُ؟

أسير في نومي. أَحملق في منامي. لا

أرى أحداً ورائي. لا أرى أحداً أمامي.

كُلُّ هذا الضوءِ لي. أَمشي. أخفُّ. أطيرُ

ثم أَصير غيري في التَّجَلِّي. تنبُتُ

الكلماتُ كالأعشاب من فم أشعيا

النِّبَويِّ: ((إنْ لم تُؤْمنوا لن تَأْمَنُوا)).

أَمشي كأنِّي واحدٌ غيْري. وجُرْحي وَرْدَةٌ

بيضاءُ إنجيليَّةٌ. ويدايَ مثل حمامتَيْنِ

على الصليب تُحلِّقان وتحملان الأرضَ.

لا أمشي، أَطيرُ، أَصيرُ غَيْري في

التجلِّي. لا مكانَ و لا زمان . فمن أَنا؟

أَنا لا أنا في حضرة المعراج. لكنِّي

أُفكِّرُ: وَحْدَهُ، كان النبيّ محمِّدٌ

يتكلِّمُ العربيَّةَ الفُصْحَى. ((وماذا بعد؟))

ماذا بعد؟ صاحت فجأة جنديّةٌ:

هُوَ أَنتَ ثانيةً؟ أَلم أَقتلْكَ؟

قلت: قَتَلْتني... ونسيتُ، مثلك، أن أَموت.[٢]


وعاد في كفن

-1-

يحكون في بلادنا

يحكون في شجن

عن صاحبي الذي مضى

وعاد في كفن

كان اسمه ..

لا تذكروا اسمه!

خلوه في قلوبنا ..

لا تدعوا الكلمة

تضيع في الهواء، كالرماد ..

خلوه جرحا راعفا .. لا يعرف الضماد

طريقه إليه...

أخاف يا أحبتي... أخاف يا أيتام ...

أخاف أن ننساه بين زحمة الأسماء

أخاف أن يذوب في زوابع الشتاء!

أخاف أن تنام في قلوبنا

جراحنا ...

أخاف أن تنام !!


-2-

العمر... عمر برعم لا يذكر المطر...

لم يبك تحت شرفة القمر

لم يوقف الساعات بالسهر...

وما تداعت عند حائط يداه ...

ولم تسافر خلف خيط شهوة ...عيناه!

ولم يقبل حلوة...

لم يعرف الغزل

غير أغاني مطرب ضيعه الأمل

ولم يقل : لحلوة الله !

إلا مرتين

لم تلتفت إليه ... ما أعطته إلا طرف عين

كان الفتى صغيرا ..

فغاب عن طريقها

ولم يفكر بالهوى كثيرا ..!


-3-

يحكون في بلادنا

يحكون في شجن

عن صاحبي الذي مضى

وعاد في كفن

ما قال حين زغردت خطاه خلف الباب

لأمه : الوداع !

ما قال للأحباب .. للأصحاب:

موعدنا غدا !

ولم يضع رسالة ...كعادة المسافرين

تقول إني عائد... وتسكت الظنون

ولم يخط كلمة...

تضيء ليل أمه التي ..

تخاطب السماء والأشياء،

تقول: يا وسادة السرير!

يا حقيبة الثياب!

يا ليل! يا نجوم! يا إله! يا سحاب!:

أما رأيتم شاردا .. عيناه نجمتان؟

يداه سلتان من ريحان

وصدره وسادة النجوم والقمر

وشعره أرجوحة للريح والزهر !

أما رأيتم شاردا

مسافرا لا يحسن السفر!

راح بلا زوادة، من يطعم الفتى

إن جاع في طريقه؟

من يرحم الغريب؟

قلبي عليه من غوائل الدروب!

قلبي عليك يا فتى .. يا ولداه!

قولوا لها، يا ليل! يا نجوم!

يا دروب! يا سحاب!

قولوا لها: لن تحملي الجواب

فالجرح فوق الدمع .. فوق الحزن والعذاب! لن تحملي .. لن تصبري كثيرا

لأنّه ..

لأنّه مات، ولم يزل صغيرا!


-4-

يا أمه!

لا تقلعي الدموع من جذورها !

للدمع يا والدتي جذور ،

تخاطب المساء كل يوم ..

تقول: يا قافلة المساء!

من أين تعبرين ؟

غضت دروب الموت .. حين سدها المسافرون

سدت دروب الحزن .. لو وقفت لحظتين

لحظتين!

لتمسحي الجبين والعينين

وتحملي من دمعنا تذكار

لمن قضوا من قبلنا .. أحبابنا المهاجرين

يا أمه !

لا تقلعي الدموع من جذورها

خلي ببئر القلب دمعتين!

فقد يموت في غد أبوه .. أو أخوه

أو صديقه أنا

خلي لنا ..

للميتين في غد لو دمعتين .. دمعتين!


-5-

يحكون في بلادنا عن صاحبي الكثيرا

حرائق الرصاص في وجناته

وصدره .. ووجهه ..

لا تشرحوا الأمور!

أنا رأيت جرحه

حدقّت في أبعاده كثيرا ..

" قلبي على أطفالنا "

وكل أم تحضن السريرا!

يا أصدقاء الراحل البعيد

لا تسألوا: متى يعود

لا تسألوا كثيرا

بل اسألوا: متى

يستيقظ الرجال![٣]


على هذه الأرض

على هذه الأرض ما يستحق الحياة: تردد إبريل، رائحة الخبزِ

في الفجر، آراء امرأة في الرجال، كتابات أسخيليوس، أول

الحب، عشب على حجرٍ، أمهاتٌ تقفن على خيط ناي، وخوف

الغزاة من الذكرياتْ.

على هذه الأرض ما يستحق الحياةْ: نهايةُ أيلولَ، سيّدةٌ تترُكُ

الأربعين بكامل مشمشها، ساعة الشمس في السجن، غيمٌ يُقلّدُ

سِرباً من الكائنات، هتافاتُ شعب لمن يصعدون إلى حتفهم

باسمين، وخوفُ الطغاة من الأغنياتْ.

على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ: على هذه الأرض سيدةُ

الأرض، أم البدايات أم النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارتْ

تسمى فلسطين. سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة.[٤]


المراجع

  1. محمود درويش ، "عاشق من فلسطين"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 2019-2-7.
  2. محمود درويش، "في القدس"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 2019-2-7.
  3. محمود درويش، "و عاد في كفن "، www.poetsgate.com، اطّلع عليه بتاريخ 2019-2-7.
  4. محمود درويش، "على هذه الأرض"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 2019-2-7.