أنواع الصبر

كتابة - آخر تحديث: ٢٠:٤٩ ، ٩ مايو ٢٠٢٠
أنواع الصبر

أهمية الصبر

الإنسان في حال متقلّب في الدنيا وهي سنّة من سنن الله -تعالى-؛ فينتقل حاله بين السرّاء والضرّاء، وقد شرع الله -تعالى- للمؤمنين الشكر في حال السرّاء، وشرع لهم الصبر حال الضراء، فهو في السرّاء شاكر لنعم الله -تعالى- محسن للناس، ويكون في الابتلاء صابراً ومانعاً نفسه عن ما يغضب الله -تعالى- من الأقوال والأفعال، وفي الحالتين هو متعبّدٌ لله -سبحانه وتعالى-، وقد وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- حال المؤمن؛ فقال: ( عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له).[١][٢]


أنواع الصبر

ينقسم الصبر إلى ثلاث أنواع؛ وهي الصبر على قضاء الله وقدره، والصبر على الطاعة، والصبر في الابتعاد عن المعاصي، وسيتم بيان هذه الأنواع بشكل تفصيلي في الفقرات اللاحقة.[٣]


الصبر على قضاء الله وقدره

الصبر على الابتلاء هو أحد أنواع الصبر، حيث يصبر المسلم على ما يصيبه من قضاء الله وقدره مما هو خارج عن إرادته،[٣] وهذا الصبر هو مدار امتحان الله للعبد في الدنيا، وقد وصف الله -تعالى- حال الصابرين على بلائه في الضراء في قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)،[٤] ثم دلّ الله -سبحانه وتعالى- المسلمين على ما يقولون في ذلك؛ فقال: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)،[٥]فالتوكل على الله -تعالى- واحتساب الأجر يعدّان من الصبر أيضاً،[٦] كما أنّ الرضا بقضاء الله وقدره مطلوب من العبد؛ فيسلّم ويفوّض الأمر لله -تعالى-، ولا يتسخط أو يشكو من قضاء الله وقدره، ويعلم أنّ الله -تعالى- يعلم الأقدار وهي لا تظهر للعباد، وله الحكمة في كلّ أمر.[٧]


والرضا بالقضاء والقدر هي درجةٌ عليا من الصبر، وهي أعلى درجة من الصبر على البلاء، ويصل العبد إلى هذه الدرجة حين يعلم أنّ ما أصابه تقديرٌ الله -تعالى- فيسلّم أمره له ويرضى بقضائه؛ فينعم في عيشه وتطمئن نفسه، أمّا الصبر على البلاء وهي الدرجة الثانية من الصبر؛ فهو واجب على المؤمن، مؤمور به من الله -تعالى-، وعاقبة الصبر خيرٌ في الدنيا والآخرة، وبين الصبر والرضا فروق عدّة؛ فحين يكون الصبر إمساكٌ للنفس عن التسخّط على القضاء مع وجود الألم منه والرغبة في زواله، فالرضا هو طمأنينة في النفس وانشراح بالقضاء، مع عدم تمني زوال الألم وإن كان الإحساس به موجوداً، وفي الصبر منع للنفس عن أيّ ردِّ فعل يوجب الخوف من المصيبة.[٨]


واعتراض المسلم على مايصيبه، والحزن على ما مضى، وترك التسليم لله -تعالى- وتفويض الأمر إليه هو مما يناقض الصبر والرضا، كما أنّ تمني الموت بسبب البلاء، أو فعل المحرّم من نياح ولطم وشقٍّ للجيوب، والهلع والقلق والجزع، فكلّ ذلك يقدح في صبر المؤمن،[٨] والمؤمن يتخلّق بخلق الصبر والرضا؛ فهو حين يبحث عن معاني الخير والحكمة في القضاء، يعلم بأن هذه الدنيا زائلة والحال فيها متقلّب، ولا ينسب المؤمن الشرّ إلى الله -تعالى-؛ فالله لا يأتي إلّا بالخير، وله في كلّ أمر حكمة.[٩]


الصبر عن المعصية

يكون المسلم صابراً عن معصية الله -تعالى- إن أمسك نفسه عن فعلها، وذكّر نفسه دائماً بتقوى الله -تعالى- وباليوم الآخر، وجاهد نفسه لمنعها عن حبّ المعصية أو التعلّق بها، ويدرب المسلم النفس على كراهة وبغض ما يكره الله -تعالى- من الأفعال والأقوال، والصبر عن المعصية يقسم بدوره إلى أقسام ثلاث؛ أولها أن يصرف المسلم قلبه عن حبّها والتعلق بها، والتواجد في الأماكن التي تكون بها أو يجالس أصحابها ويأنس بهم، وثانيها أن يمنع نفسه عن فعلها إن كان قادراً على ذلك، فلا يقربها ولا يزوالها، وثالثها أن يكون خروجه منها وإقلاعه عنها سريعاً إن وقع بها، ويسرع بالتوبة عنها،[١٠] وينشأ الصبر عن المعصية من عدّة أسباب، كما يأتي:[١١]

  • العلم بقبح المعصية، وأنّ الله -تعالى- إّنما حرّمها على العبد لدناءتها ورذالتها.
  • الخوف والخشية من الله -تعالى-.
  • استشعار مراقبة الله -تعالى- للعبد في كلّ حين، والاستحياء من أن يراه على ما لا يحبّ.
  • استذكار نعم الله -تعالى- على العبد وإحسانه إليه ومراعاتها، ومعرفة أن الإكثار من المعاصي قد يكون سبباً لزوال النعم.
  • استعلاء نفس المؤمن وعزّتها عن تلويثها بالذنوب والمعاصي.
  • تقوية محبة الله -تعالى- في القلب.
  • ترك الإسراف أو الزيادة من فضول الطعام والشراب والملبس والاجتماع بالناس؛ فقد يكون ذلك باباً داعياً إلى المعصية.
  • العلم بقبح أثر المعصية وضررها وعاقبتها السيئة.
  • تذكّر الموت وقصر الأمل.


الصبر على طاعة الله

الصبر على طاعة الله -تعالى- من أعظم أبواب الصبر، وهو عملٌ يستلزم صدق العبد مع الله -تعالى-، والصدق مع نفسه أيضاً ومجاهدتها على فعل الطاعة، قال -تعالى-: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)،[١٢]وللصبر على طاعة الله أقسام ثلاث؛ أولها أن يكون العبد مقبلاً عليها مستعدّاً لها، وثانيها أن يؤدّيها كما أمر الله -تعالى- ويكون قلبه حاضراً فيها خاشعاً فيها، وثالثها أن يتمّها دون أن يلحق بها ما يبطلها من الرياء وطلب السمعة والمنّ والأذى وغيرها من مبطلات العمل.[١٣]


وقد أمر الله -تعالى- عباده بالصبر في مواضع عدّة من القرآن الكريم؛ كقوله -تعالى-: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)،[١٤] وينتقل العبد في صبره على الطاعة بين ثلاث أحوال؛ فقبل الطاعة يصحّح نيته، ويصبر على إخلاص العمل لله -تعالى-، ثم يستشعر مراقبة الله -تعالى- له، ويجتهد في إتمام السنن والآداب؛ فيصبر حتى تمام العمل، ثم يصبر على كتمان العمل وعدم الإخبار أو الإعجاب به،[١٥] ويرافق ذلك كلّه المداومة على ذكر الله -تعالى-، ورجاء ثوابه، وخشية عقابه، واستذكار فضل الصبر وثوابه،[١٦] وتصبير النفس على ما يصيبها، وجعلها مطيعة لله -تعالى- بالصلاة والصيام والجهاد وما إلى ذلك من الطاعات، قال -تعالى-:(وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).[١٧][١٨]


مجالات الصبر

الصبر ميدان تطبيق واسع، ومجالاته كثيرة متعددة تشمل جوانب حياة المسلم كلّها تقريباً، ومن هذه المجالات ما يأتي:[١٩]

  • الصبر على المداومة على الأعمال التي تحتاج وقتاً طويلاً نسبياً، وتلك التي تتطلب المثابرة والعمل الدؤوب أيضاً.
  • ضبط النفس عن ردات الفعل غير المدروسة والمتعجلة، وضبطها عن أفعال الغضب والهيجان، والتروّي في التصرف وإحكام العقل والاتّزان في القول والعمل.
  • التروّي والتعقل عند السير لتحقيق المطالب الدنيوية المعنوية والمادية، وترك العجلة.
  • ضبط النفس عن الخوف والجبن في المواقف التي تتطلب الشجاعة والإقدام؛ حتى تتحصل النفس على الخير المرجو منها.
  • إمساك النفس عن التمادي في الشهوات وأهواء النفس ومتطلباتها وغرائزها؛ لتجنّب العواقب غير السليمة.
  • ضبط النفس وتعويدها لزيادة قدرة تحمّلها للمشاق والآلام الجسدية والمعنوية، في سبيل تحصيل الخير.
  • كظم الغيظ عند إساءة الاخرين، ومقابلة السيئة بالحسنة.
  • الصبر على طلب العلم.


فضل الصبر

أثنى الله -سبحانه وتعالى- على الصابرين في مواضع عدّة في القرآن الكريم، قال -تعالى-: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)؛[٢٠] فهم بذلك ينالون صلاة الله -تعالى- عليهم وينالون رحمته وهدايته، وقد بيّن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنّ الصبر هو أفضل العطاء فقال: (ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وما أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ)،[٢١] كما وينال المسلم عند تخلّقه بالصبر الأجر العظيم، قال -تعالى-: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)،[٢٢] كما وينال المسلم الصابر محبة الله -تعالى-؛ فقال: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)،[٢٣] وبالصبر تتحقق معية الله -تعالى- للعبد؛ فقال: (وَاصبِروا إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصّابِرينَ)،[٢٤] وهو بذلك يذوق حلاوة الإيمان.[٢٥][٢٦]


المراجع

  1. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن صهيب بن سنان الرومي، الصفحة أو الرقم: 2999، صحيح.
  2. خالد بن سعود البليهد، "فضل الصبر"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 7-5-2020. بتصرّف.
  3. ^ أ ب محمد الحسن الددو الشنقيطي، دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي، صفحة 4-5، جزء 36. بتصرّف.
  4. سورة البقرة، آية: 155.
  5. سورة البقرة، آية: 156.
  6. أحمد حطيبة، تفسير أحمد حطيبة، صفحة 3، جزء 199. بتصرّف.
  7. جمال الدين أحمد بن محمد بن سعيد الغزنوي الحنفي (1998م)، أصول الدين (الطبعة الأولى)، بيروت: دار البشائر الإسلامية، صفحة 192-193. بتصرّف.
  8. ^ أ ب "كيف يكون الرضا بقضاء الله"، knowingallah.com، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  9. هشام عقدة (11-4-2014)، "آداب تعامل العبد مع الأقدار المؤلمة "، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  10. محمد الحسن الددو الشنقيطي، دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي، صفحة 6، جزء 36. بتصرّف.
  11. فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ، "أسباب تُعينُ العبد على الصبر عن المعصية"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  12. سورة الكهف، آية: 28.
  13. محمد الحسن الددو الشنقيطي، دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي، صفحة 7، جزء 36. بتصرّف.
  14. سورة طه، آية: 132.
  15. أمة الله بنت عبد المطلب، رفقا بالقوارير - نصائح للأزواج، صفحة 320-321، جزء 1. بتصرّف.
  16. سعد البريك، دروس الشيخ سعد البريك، صفحة 5، جزء 109. بتصرّف.
  17. سورة العصر، آية: 3.
  18. صالح الفوزان (2006م)، شرح ثلاثة الأصول لصالح الفوزان، -: مؤسسة الرسالة، صفحة 33. بتصرّف.
  19. د. سعيد بن وهف القحطاني، مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة، الرياض: مطبعة السفير، صفحة 189-190، جزء 1. بتصرّف.
  20. سورة البقرة، آية: 157.
  21. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبو سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم: 1469، صحيح.
  22. سورة الزمر، آية: 10.
  23. سورة آل عمران، آية: 146.
  24. سورة الأنفال، آية: 46.
  25. خالد بن سعود البليهد، "فضل الصبر"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  26. محمد بن إبراهيم التويجري (2010م)، مختصر الفقه الإسلامي في ضوء القرآن والسنة (الطبعة الحادية عشر)، المملكة العربية السعودية: دار أصداء المجتمع، صفحة 251-252. بتصرّف.