أنواع الصدقة الجارية للميت

أنواع الصدقة الجارية للميت

الصدقة الجارية التي فعلها الميت قبل موته

كثيرةٌ هي الصدقات الجارية التي يستمرُّ ثوابها بعد الموت، والصدقات الجارية: هي "الصدقات التي حُبِسَ أصلها، وأُجريت منفعتها"، وقد ذُكرت في الحديث الذي رواه أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (سبعٌ يجري للعبدِ أجرُهنَّ وهو في قبرِه بعد موتِه: من علَّم علمًا؛ أو كرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلًا، أو بنى مسجدًا، أو ورَّث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفرُ له بعد موتِه).[١][٢]


فمن علَّم علماً، أو حفر نهراً أو وسَّع في مجراه ليساعد على مرور الماء للناس، أو حفر بئراً، أو زرع نخلة، أو بنى مسجداً، أو ترك مصحفاً يقرأ فيه المسلمون، أو كان له ولد صالح يدعو له، كانت له صدقة جارية لا ينقطع أجرها، و يستمرُّ ثوابها بعد مماته، وفيما يأتي ذكر أهم الصدقات الجارية بالتفصيل:


علم ينتفع به

لقد رفع الله شأن العلم وأهله، وأعلى مقامهم؛ فالعلماء ورثة الأنبياء، والمقصود بالعلم هنا: العلم النافع الذي يُعلّم الناس أمور دينهم، ويُعرّفهم بالله -سبحانه وتعالى- ويهديهم إلى سبيل النجاة، فيجعلهم يفرّقون بين الحلال والحرام، والهدى والضلال.[٣]


وقد ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (سَلوا اللهَ عِلمًا نافعًا وتعَوَّذوا باللهِ مِن علمٍ لا ينفعُ)،[٤] فعندما يموت العالم يبقى علمه، فالعلماء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورّثوا علماً، والعالم في قبره تتوالى عليه الأجور، وتتابع عليه الحسنات بكل كلمة قالها أو كتبها أو علَّمها واستمرَّ نفعها بين الناس.[٣]


ولد صالح يدعو له

الأبناء هم امتدادٌ للآباء، فمن كان له ولدٌ صالح أو بنت صالحة أحسن تربيتهما في حياته، فإنَّه سوف يجني ثمرة صلاحهما بعد موته بدعائهما له، وكلَّما كان الولد أصلح كانت استجابة دعائه أرجى، ولا بُدَّ أن الولد الصالح نعمة وهبةٌ من الله في الدنيا والآخرة، فقد قال -جلَّ وعلا-: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ).[٥][٦]


الأعمال الصالحة التي لا ينقطع أجرها

من الأعمال الصالحة التي لا ينقطع أجرها بعد الموت:[٧]

  • إجراء الأنهار

فيشق المسلم جداول الماء، لكي يسهل وصولها للناس، فيشربون منها وتشرب ماشيتهم ويسقون زرعهم، والماء من أهمِّ مقومات الحياة، فمن ساعد على إيصاله للناس نال أجراً عظيماً في حياته، واستمرَّ ثوابه بعد مماته، كما أنَّ لهذا العمل صوراً عديدة؛ منها مدّ الماء عبر الأنابيب إلى أماكن حاجة الناس ومعيشتهم، ووضع برَّادات الماء في المساجد، وغيرها.


  • حفر الآبار

من حفر بئراً وانتفع بها البشر والدّواب كان ذلك سبباً في مغفرة ذنوبه، واستمرار أجره، فقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (بيْنَما رَجُلٌ يَمْشِي بطَرِيقٍ، اشْتَدَّ عليه العَطَشُ، فَوَجَدَ بئْرًا فَنَزَلَ فيها، فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فإذا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فقالَ الرَّجُلُ: لقَدْ بَلَغَ هذا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الذي كانَ بَلَغَ بي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أمْسَكَهُ بفِيهِ، فَسَقَى الكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ له فَغَفَرَ له قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وإنَّ لنا في البَهائِمِ أجْرًا؟ فقالَ: نَعَمْ، في كُلِّ ذاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ).[٨]


  • غرس النخل

من غرس النخل، أو زرع الزرع، وجعله في متناول الناس يأكلون منه متى أرادوا؛ كان هذا من الصدقات الجارية، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من مسلمٍ يغرسُ غرسًا أو يزرعُ زرعًا فيأْكلُ منْهُ إنسانٌ أو طيرٌ أو بَهيمةٌ إلَّا كانت لَهُ صدقةٌ).[٩] ومن المعروف أنَّ النخلة شجرة معمِّرة، تبقى بعد موت زارعها، فيستمرُّ أجره كلَّما أكل منها الناس والطير والدّواب.


  • بناء المساجد

المسجد بيت الله -عزَّ وجلَّ-، أذن الله أن يُرفع ويُذكر فيه اسمه، ويسبِّح فيه الناس بالغدو والآصال، وكلُّ من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله كان له الأجر بذلك كلَّما سجد فيه ساجد، أو ذكر الله فيه ذاكر، وبنى الله له بيتاً في الجنة، فعن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: (إنَّكُمْ قدْ أكْثَرْتُمْ، وإنِّي سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- يقولُ: مَن بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ -تَعَالَى-، قالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أنَّه قالَ: يَبْتَغِي به وجْهَ اللهِ، بَنَى اللَّهُ له بَيْتًا في الجَنَّةِ).[١٠]


  • توريث المصحف

ويكون ذلك بطباعة المصاحف ووقفها في المساجد وأماكن العلم، فهي من الأمور التي يستمر أجرها بعد الموت، وينال صاحبها الأجر كلَّما رتَّل فيه قارئ، أو تفكَّر.


الأعمال الصالحة التي فعلها غير الميت وأهداه ثوابها

إنَّ أفضل ما يقدِّمه الحيُّ للميت هو الدعاء له بالمغفرة والعتق من النار، وهناك أيضاً بعض الأعمال الصالحة التي يمكن أن يفعلها الحيُّ ويهدي ثوابها للميت، ومنها:[١١]

  • الصدقة بأنواعها

سواء كانت بالمال، أو بإطعام الطعام، أوالتبرُّع الملابس، أو غيرها من وجوه الصدقة، وقد ورد أن رسول الله كان يذبح الشاة ويقسّمها صدقة عن خديجة لصاحباتها.


  • الحج أو العمرة عن الميت.


  • قضاء ديونه

وهي من أعظم الصدقات عليه، فقد روى عبد الله بن عباس -رضي الله عنه-  أنَّ امْرَأَةً مِن جُهَيْنَةَ، جاءَتْ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَتْ:(إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حتَّى ماتَتْ، أفَأَحُجُّ عَنْها؟ قالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْها، أرَأَيْتِ لو كانَ علَى أُمِّكِ دَيْنٌ أكُنْتِ قاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ فاللَّهُ أحَقُّ بالوَفاءِ).[١٢] فدل الحديث على وجوب قضاء دين الميت.


  • قضاء الصيام عن الميت

وقد دلَّ على ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن مَاتَ وعليه صِيَامٌ صَامَ عنْه ولِيُّهُ).[١٣]


  • قراءة القرآن عن الميت

حيث قال بعض أهل العلم إنَّ إهداء ثواب القراءة تنفع الميت.


الصدقة الجارية عن الميت

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له).[١٤] فالصدقة الجارية عن الميت من الأعمال التي ينتفع بها في قبره، ويصله أجرها سواء كان المتصدِّق من أقاربه أو من أصحابه، ومن صُورها:[١٥]

  • الوَقف.
  • بناء المستشفيات.
  • المنازل للضيوف والمحتاجين.
  • دعاء أقارب الميت وأصحابه له، وكلِّ مسلم يدعو له بالمغفرة والرحمة.


المراجع

  1. رواه الألباني، في صحيح الترغيب، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:2600، حسن لغيره.
  2. [عبد العظيم المنذري]، كتاب الترغيب والترهيب للمنذري ت عمارة، صفحة 377.
  3. ^ أ ب عمر العيد، كتاب شرح لامية ابن تيمية، صفحة 3. بتصرّف.
  4. رواه الألباني، في صحيح بن ماجه، عن جابر بن عبدالله، الصفحة أو الرقم:3114، حسن.
  5. سورة الطور، آية:21
  6. عطية سالم، كتاب شرح بلوغ المرام لعطية سالم، صفحة 5.
  7. "أعمال عشرة يجري ثوابها على العبد بعد موته "، الألوكة، 20-9-2010، اطّلع عليه بتاريخ 10-10-2021. بتصرّف.
  8. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:6009، صحيح.
  9. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:2320، صحيح.
  10. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عثمان بن عفان، الصفحة أو الرقم:533، صحيح.
  11. "الأعمال المشروعة التي تنفع الميت"، الإمام ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 10-10-2021.
  12. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم:1825، صحيح.
  13. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم:1952، صحيح.
  14. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:1631، صحيح.
  15. [ابن جبرين]، كتاب شرح الطحاوية لابن جبرين، صفحة 7.
662 مشاهدة
للأعلى للأسفل