أين ولد موسى عليه السلام

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:٣٥ ، ٢٠ أغسطس ٢٠١٧
أين ولد موسى عليه السلام

موسى عليه السلام وبنو إسرائيل

ذكر الله سبحانه وتعالى قصّة مولد موسى عليه السّلام في القرآن الكريم في أكثر من موضع، حيث وضّحت الآيات الكريمة ما لاقاه موسى -عليه السّلام- وأمه من قومه في مرحلة حياته الأولى، وبعد أن فرَّ منهم وأوحي إليه، ولقد كانت قصّته عليه السّلام من أكثر القصص التي ذكرت تفاصيلها في القرآن الكريم، حيث كان لقصة مولده ونجاته من فرعون وجنوده ووقت مولده تحديداً وقعٌ خاصّ، فقد أثّرت ولادته في مُجريات حياة فرعون الذي كان قد رأى في المنام أن صبّياً سيولد في قومه ويُنازعه في ملكه، ممّا دفع فرعون لقتل كلّ الذكور الذين يولدون حديثاً في تلك الفترة، قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ*وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ*وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ*وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ*فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ).[١]


مكان ولادة سيدنا موسى

يحتلّ ذكر موسى -عليه السّلام- مُرتّبةً مُتقدمةً بين الأنبياء والمرسلين، فقد أرسل في فترة كانت من أهمّ الفترات التي حكمت فيها البشريّة وانتشر فيها الظلم والقتل وجور السلطان، وبلغ ذلك ذروته حتى جاء موسى عليه السّلام بالرّحمة والهداية للناس، وأنقذ بني إسرائيل الذين بُعث إليهم من فرعون وجنوده، وفيما يأتي ذكر اسمه موسى، ونَسَبه، ووقت ومكان مولده.


اسمه ونسبه

هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السّلام جميعاً، فهو يرجع في نسبه إلى إبراهيم عليه السّلام،[٢] واسم أمّه يوخابد، أيارخا، وقيل أياذخت، وقيل يوحاند، وقيل بادونا،[٣] أما اسم امرأته فهو صفورا بنت شعيب عليه السّلام.[٢]


وقت ومكان ولادته

ولد موسى عليه السّلام في مصر، وكان ذلك بعد ولادة إبراهيم بأربعمائة وخمس وعشرين سنةً، أي ما يُقارب عام 1526م، وقد كانت ولادته في الفترة التي أصدر فيها فرعون قراراً بقتل كلّ من يُولَد لبني إسرائيل من الذكور؛ خوفاً من ضياع ملكه بناءً على الرّويا التي رآها حينها، وقد تربّى عليه السّلام في قصر فرعون، ونشأ في أحضانه، وتربّى بقصر فرعون حتى كلَّفه الله بالنبوّة وأمره بالرّسالة.


أما عن كيفيّة نجاته من القتل في تلك الفترة فكان أنّ الله -سبحانه وتعالى- قد ألهم أمّ مُوسى أن ترضعه ثم تُلقيه في النيل، فجرى به النّيل إلى أن وصل إلى قصر فرعون، فوقع في يد زوجته -وكانت عاقراً-، فطلبت من فرعون أن يُبقي عليه وأن يجعلوه ابناً لهما، قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ*فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ).[١] فأطاعها فرعون، ومكث موسى في قصره وترّبى عنده حتى أصبح يُنادَى بابن فرعون، وكان أن حرَّم الله عليه المراضع، فلم يقبل أيّ امرأة، فبدأ فرعون وزوجته يبحثون عن امرأة يقبلها موسى إلى أن انتهوا إلى أمّه، فردّه الله إليها.[٤]


قصة موسى عليه السّلام مع فرعون

بعد أن نشأ موسى وكبر بعث الله إليه بالرّسالة والنبوّة، وكان حينها هارباً من فرعون وجنده لقتله أحد رجالهم المُقرَّبين، وقد جاء موسى بعد ذلك بالرّسالة الربانيّة القائمة على توحيد الله وتنزيهه عن الشرك، فأنكر فرعون تلك الرسالة ورفض الرضوخ إلى دعوة موسى وهارون، وطلب منه أن يُبرهن على صدق دعوته، فبدأ موسى بعرض دلائل نبوّته وإظهار ما أيّده الله به من مُعجزات، فأنكر فرعون ذلك واتّهمه بالسحر، ثم اتّفقا على تحديد موعدٍ لاختبار صدق نبوّته عن طريق مُسابقةٍ بين موسى وكبار سحرة فرعون، فلما ظهر للسّحرة صدق نبوّة موسى آمنوا به، فاتّهمهم فرعون بالمَكر والخديعة وأمر بقتلهم جميعاً، ومع كل ما أثبته موسى عليه السّلام وعرضه من الدلائل على وحدانية الله وصدق نبوّته لم يزد فرعون إلا كفراً وطغياناً، حتى أنّه بدأ بالسّخرية من دعوة موسى حيث خاطب وزيره قائلاً كما جاء في سورة القصص على لسانه: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِين، وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ).[٥]


حينها أرسل الله عذابه وسلّطه على قوم فرعون ليرتدعوا عن كفرهم وعتوهم، وليتأكدوا من صدق نبوة موسى، وممّا بعثه الله عليهم من العذاب؛ الطوفان والجراد القمل والضفادع والدم، قال تعالى: (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ*فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ*وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ*فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ*فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)،[٦] وقد كان فرعون عند كل بلاء يلحق به وبقومه يطلب من موسى أن يدعو الله ليكشف ذلك عنهم، وأنّه إن كشف الله عنهم البلاء فإنّه سيؤمن به هو وقومه، فيدعو موسى ويغدر فرعون.


وعندما ثبت لفرعون أنّ ما جاء به موسى هو الحق حينها ظهر له أنّ مُلكه زائلٌ لا محالة، عمد إلى التخلّص من موسى ودعوته وكاد له ولمن آمن معه، ولكن الله يحكم ما يريد، فأنجى موسى ومن آمن به وأهلك فرعون وجنوده، قال تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ*أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ*فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ).[٧][٨]


وفاته

بلغ موسى عليه السّلام من العمر مائة وعشرين سنةً، وعندما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه فعاد ملك الموت إلى الله يخبره بذلك، فأمره الله أن يُمهل موسى من العمر بقدر ما يلمس براحة يده من شعر ظهر ثور، فيكون له من العمر زيادةً بكل شعرةٍ سنة، فرفض موسى ذلك العرض؛ حيث إنّه علم أن مصيره الحتمي هو الموت، وقد كانت وفاته في الأرض المُقدّسة، فعن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قال: (أُرْسِلَ مَلَكُ الموتِ إلى موسى عليهما السلامُ، فلما جاءَهُ صكَّهُ، فرجع إلى ربهِ، فقال: أَرْسَلْتَنِي إلى عبدٍ لا يريدُ الموتَ، قال: ارجع إليهِ فقل لهُ يضعُ يدَهُ على متنِ ثورٍ، فلهُ بما غطَّتْ يدُهُ بكلِّ شعرةٍ سَنَةٌ، قال: أي ربِّ، ثم ماذا؟ قال: ثم الموتُ، قال: فالآنَ، قال: فسأل اللهَ أن يُدنيهِ من الأرضِ المُقدّسةِ رميةً بحجرٍ). قال أبو هريرةَ: فقال رسولُ اللهِ عليه الصّلاة والسّلام: (لو كنتُ ثَمَّ لأريتكم قبرَهُ، إلى جانبِ الطريقِ تحت الكثيبِ الأحمرِ).[٩]


وقيل: (إن موسى -عليه السّلام- كره الموت، فأراد الله أن يجعله يُحبه ويطلبه بنفسه، فأوحى الله إلى النبيّ يوشع بن نون عليه السّلام، وكان يوشع عليه السّلام يزور موسى ويتردّد عليه كثيراً، وكان موسى يقول له: يا نبي الله، ما أحدث الله إليك؟ فقال له يوشع: يا نبي الله ألم أصحبك مدّة كذا من السنين، فهل سألتك عن شيء ممّا أحدث الله لك؟ ولم يذكر يوشع له شيئاً قط، فلما رأى موسى ذلك كره الحياة وأحب الموت، وقيل: إنّه مرّ بمجموعة من الملائكة وكانوا يحفرون قبراً، فعرفهم موسى ووقف عندهم، فلم يرَ أحسن من ذلك القبر، واطّلع على ما بداخله فوجده أجود ما يكون في الخضرة والتهيئة، فقال لهم: يا ملائكة الله، لمن تحفرون هذا القبر؟ فقالوا: نحفره لعبد كريم على ربه، فقال: إنّ هذا العبد له منزلٌ كريم ما رأيت مضجعاً ولا مدخلاً مثله، فقالوا له: أتحبّ أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجّه إلى ربّك وتنفس أسهل تنفّس تتنفّسه، فنزل فيه وتوجّه إلى ربه، ثم تنفّس، فقبض الله روحه، ثم سوت الملائكة عليه التراب).[١٠]


المراجع

  1. ^ أ ب سورة القصص، آية: 4-8.
  2. ^ أ ب عز الدين ابن الأثير (1997)، الكامل في التاريخ (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الكتاب العربي، صفحة 150، جزء 1. بتصرّف.
  3. "أقوال العلماء في اسم أم موسى"، إسلام ويب، 30/10/2003، اطّلع عليه بتاريخ 17/2/2017. بتصرّف.
  4. أحمد أحمد غلوش (2002)، دعوة الرسل عليهم السلام (الطبعة الأولى)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 267. بتصرّف.
  5. سورة القصص، آية: 38.
  6. سورة الأعراف، آية: 132-136.
  7. سورة يونس، آية: 90-92.
  8. أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري (1968)، قصص الانبياء (الطبعة الأولى)، القاهرة: مطبعة دار التأليف، صفحة 3-181، جزء 2. بتصرّف.
  9. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 3407، صحيح.
  10. عز الدين أبو الحسن علي المعروف بابن الأثير (1997)، الكامل في التاريخ، بيروت: دار الكتاب العربي، صفحة 172، جزء 1.