الخيزران بنت عطاء (والدة الخليفة هارون الرشيد)

الخيزران بنت عطاء (والدة الخليفة هارون الرشيد)

تعريف حول الخيزران بنت عطاء

لقد كانت شخصية الخيزران بنت عطاء من الشخصيات المهمة والمثيرة للجدل، عاشت في العصر العباسي، وفيما يأتي نبذة عنها:[١]

الاسم الكامل
الخيزران بنت عطاء
تاريخ الميلاد
غير معروف
مكان الميلاد
اليمن
بلد الأصل
اليمن
المنصب
زوجة خليفة ووالدة خليفتين
تاريخ الوفاة
173 هـ / 789 م
سبب الوفاة
طبيعي


نشأة الخيزران بنت عطاء وثقافتها

نشأت الخيزران جارية سبيّة قد جاؤوا بها من اليمن، كانت الخيزران بنت عطاء جُرشيّة، من مكان يُقال له جرش من مخلّفات اليمن، وعادة ما يهتم النخاسون بالجواري اللواتي عندهم من تعليم وتثقيف ليعلو ثمنها ويتضاعف سعرها عن سعر باقي الجواري، فكان النخاس يعلم الجارية الشعر والأدب وعلوم الشريعة والحديث الشريف والغناء والرقص وحتى العزف على الآلات الموسيقيّة، فالخيزران من الجواري، وكانت تقرض الشعر ولها أشعار محفوظة على قلّتها، قد تعلّمت الأدب وقرض الشعر وإنشاده، ولها علم بعلوم الشريعة والدين، لها علم واسع بتاريخ العرب والرسل والملوك، وتحفظ كثيرًا من آداب العرب وأيّامهم وما كان من أمرهم منذ الجاهلية وإلى ما بعد الإسلام.[٢]

السمات الشخصية للخيزران بنت عطاء

لم تتوقف الكتب كثيرًا حول شخصية الخيزران بنت عطاء، إلّا إنّ المؤرخين ذكروا في صفحات متفرقة من كتبهم شيئًا عن شخصية الخيزران، بجمع هذه المتفرقات يمكن تكوين صورة كافية عنها، فذكر بعضهم أنّ الخيزران كانت نحيلة وقد رأى ذلك الخليفة المهدي حين أراد شراءها، طولها يميل إلى الاعتدال وكانت جميلة حسنة الوجه والصورة، ذكية المنطق وحاضرة البديهة، يتجلى ذكاؤها من خلال تصرفاتها مع الخليفة المهدي وخاصّته وعموم حاشية القصر، فقد كانت كلمتها نافذة في كلّ ما تُريد، فلم يكن يمنعها شيء عن تحقيق ما تريد، ولكن ليس بالإكراه واستغلال المنصب، ولكن بالسياسة والحنكة وحسن التدبير وانتقاء الكلام المناسب في الموقف والمكان المناسب.[٢]

زواج الخيزران بنت عطاء من الخليفة المهدي

بعد سبيها في اليمن انتقلت الخيزران مع النخّاس الذي كان يمتلكها إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية آنذاك نظرًا لكونها محط الرّحال ومجتمع صفوة الدولة وأثريائها وتجّارها والوزراء والقادة أصحاب المناصب الرفيعة في دولة الخلافة، فمرّ بها موكب الخليفة المهدي والد هارون الرشيد، فرآها وأعجبته، غير أنّه نظر إلى ساقيها فوجدهما نحيلان -وكان الناس عند شراء الجارية يطلعون عليها ويقلّبونها عند الشراء؛ فللأَمَة أحوال تختلف عن الحرّة- فلم يعجبه ذلك، ولكنّها استطاعت إقناعه ببيانه وحسن منطقها أنّ ذلك لا يشكّل عيبًا، فأعجبه منها ما قالت فأمر بشرائها وحملها إلى قصر الخلافة، وهناك أعتقها وتزوّج بها حتى تكون زوجة لا أمة من ملك اليمين.[٣] صارت من أقرب النساء إلى الخليفة المهدي بعد الزواج، وولدت له هارون المعروف بالرشيد وهو الخليفة العباسي الأشهر بين خلفاء الدولة المتطاولة الأمد، وموسى الذي سُمّي بالهادي عند توليه الخلافة، وبعد إنجابها لموسى وهارون صارت أقرب إلى الخليفة من أيّ وقت مضى، وصار لها تصرّف بما تشاء من أمور الخلافة الداخلية ولكن بحدود معروفة للنساء، وكانت كلمتها في القصر مثل كلمة زوجها الخليفة المهدي.[٣]

ذكر المؤرخون أنّه لم تلد جارية خليفتين في التاريخ سوى ولادة بنت العباس العبسيّة زوجة عبد الملك بن مروان التي ولدت له الوليد وسليمان وكلاهما ولي الخلافة، وكذلك زوجة الوليد بن عبد الملك بن مروان شافهر بنت فيروز بن يزدجرد، وقد ولدت له يزيد وإبراهيم وكلاهما صار خليفة، والثالثة هي الخيزران زوجة المهدي التي ولدت موسى وهارون وصارا خليفتين أيضًا، فكان زوجها المهدي وأبناؤها الهادي وهارون الرشيد خلفاءًا للدولة العباسية، والرابعة هي تركان خاتون زوجة جلال الدولة ملكشاه، فقد ولد له ولدين الأول هو محمد الملقّب بغياث الدنيا والثاني أحمد الملقّب بسنجر، وتولّى الاثنان حكم الدولة السلجوقيّة خلفًا لوالدهم ملكشاه بن ألب أرسلان.[١]

الدور السياسي للخيزران بنت عطاء في الخلافة

إنّ الخيزران هي من النساء اللواتي برزن في عالم السياسة في العصر العباسي حتى صار اسمهن علم يُعرف من خلاله العصر الذي تعيش فيه، مثلها مثل زبيدة زوجة الرشيد وغيرهما، وفيما يأتي تلخيص لحياتها السياسية خلال العصر العباسي.

مناصب الخيزران بنت عطاء

لم يكن للخيزران مناصب تبوّأتها خلال العصر العباسي، فلم تكن دولة الخلافة العباسية مثل الإمبراطوريات الأجنبية تكون فيها زوجة الملك ملكة، وإنّما تكون زوجة الخليفة كالخليفة في النهي والأمر ضمن حدود القصر وأحيانًا خارج حدود القصر، فكانت الخيزران في عهد محمد المهدي زوجها لها نهي وأمر على كلّ مَن في القصر، وكانت ترسل الغلمان والجواري فيقضون لها ما شاءت، وكانت خزائن الدولة تحت تصرفها تأخذ منها ما تشاء وترسل الهبات والأعطيات كالتي أرسلتها للواقدي حين كان في مجلس المهدي، فقد حضر مجلس المهدي وخرج من عند الخيزران غاضبًا فحدّثه بغضبه من الخيزران. أدرك الواقدي هنا أنّ المقام يجب أن يكون مقام تطرية وتهدئة من روع الخليفة، فصار يذكّره بأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن النساء، وأنّ الرجل العاقل يجب أن يتصرّف معهنّ على نحو ما أمرت به الشريعة، فسكن بذلك غضب الخليفة ووصل الواقدي بألفي دينار، وعند عودته لبيته جاءه رسول الخيزران ليعطيه ثياب وألفي دينار كذلك.[٤] كانت الخيزران تقضي حوائج الناس من دون الرجوع للخليفة المهدي، وكانت تستقبل الهدايا أيضًا وكانت الهدايا التي تُعطى لها عظيمة القدر، فمرة ذكروا أنّ من الناس من أرسل لها بهدايا لتزكّيه عند الخليفة، فأرسل لها -فيما ذكروا- مئة وصيف بيد كل واحد منهم جام من الذهب مملوء بالمسك، فردّت عليه بقولها: "إن كان ما بعثتَ به إليَّ من هديَّتك ثمنًا لرأي فيك فقد بخستَني القيمة، وإن كان استزادةً فقد استغششتَني في المودَّة"، وردّت عليه هديّته.[٤]

الخلاف مع ابنها الهادي

ذكروا في خلافها مع ابنها الهادي الكثير من الروايات، منها ما يؤكّد حقيقة الخلاف ومنها ما ينفيه جملة وتفصيلًا، فقالوا إنّ الخيزران كانت ذات شأن وحظوة عند المهدي والد موسى الهادي، فلمّا تولى الهادي الخلافة انفردت بكثير من أمور الحكم وصارت تستقبل الوفود والأمراء وتجمع حاشية القصر وتأمرهم وتنهاهم، فساء ذلك الهادي فأنّبها وأغلظ لها القول فانتقمت منه بأن دسّت له السم في الطعام،[٤] وقيل بل غضبت منه لمّا أراد خلع أخيه هارون عن ولاية العهد وقتله، وكان المهدي قد عقد ولاية العهد لابنيه من بعده، فأرسلت له جواري قتلنَه وهو في مرضه الأخير.[٥] قيل لم يكن هنالك خلاف ولم تكن تكرهه بل هو عندها في المنزلة مثل أخيه هارون، وإنّما كانت وفاته بسبب قرحة أصابته توفي على إثرها، وقد صلّى عليه أخيه هارون وتسلّم الخلافة من بعده، وقد كانت منزلة الخيزران عنده مثل منزلتها عند المهدي بل وأكثر من ذلك؛ كونها كانت والدته وحقّها عليه ليس كحق الزوجة على زوجها.[٦]

دور الخيزران بنت عطاء في الحكم

كان للخيزران حضور في قصر الحكم في زمان المهدي ثمّ في زمان ولده الهادي ثمّ في زمان هارون الذي توفيت في خلافته، وكانت تتصرف بشؤون القصر وترسل الهبات والأعطيات للناس وتكافئ المحسن وتقتصّ من المذنب، وكان الناس يطلبون ودّها كي تزكّيهم أو يصلوا من خلالها إلى الخليفة، وذكر المؤرخون أنّ من الناس من كان يرسل لها الهدايا كي تزكّيه عند الخليفة كما مر سابقًا من صاحب المئة وصيف الذين يحملون جام الذهب.[٤]

وفاة الخيزران بنت عطاء

توفيت الخيزران بنت عطاء في خلافة هارون الرشيد ابنها، ولم يذكروا سببًا لوفاتها مما يرجّح أنّها كانت وفاة طبيعية كسائر الناس، وقد حمل تابوتها ابنها الخليفة هارون الرشيد وكان يحمل التابوت من الأمام وعليه جبة سعيدية وطيلسان أزرق، ويسير حافي القدمين حتى وصل إلى مقابر قريش، فغسل قدميه من الطين الذي علق بهما، ثم أمر بخفّ لبسه وصلّى عليها ثمّ نزل في القبر ودفنها بنفسه.[٧]

أشعار للخيزران بنت عطاء

لقد كانت الخيزران ذات علم وفقه وأدب، وكان لها علم بقرض الشعر وإن كان الذي ذكره المؤرخون قليلًا؛ إذ هي لم تكن شاعرة وإنّما كانت تستطيع قول الشعر في بعض المناسبات التي تستدعي قوله، فذكر ابن كثير في البداية والنهاية أنّ الخيزران سافرت ذات عام تريد الحج، فاشتاق لها زوجها المهدي فكتب لها:[٤]

نَحْنُ فِي غَايَةِ السُّرُورِ وَلَكِنْ

لَيْسَ إِلَّا بِكُمْ يَتِمُّ السُّرُورُ

عَيْبُ مَا نَحْنُ فِيهِ يَا أَهْلَ وُدِّي

أَنَّكُمْ غُيَّبٌ وَنَحْنُ حُضُورُ

فَأَجِدُّوا فِي السَّيْرِ بَلْ إِنْ قَدَرْتُمْ

أَنْ تَطِيرُوا مَعَ الرِّيَاحِ فَطِيرُوا


فكتبت له الخيزران تقول:[٤]

قَدْ أَتَانَا الَّذِي وَصَفْتَ مِنَ الشَّوْ

قِ فَكَدِنْا وَمَا فَعَلْنَا نَطِيرُ

لَيْتَ أَنَّ الرِّيَاحَ كُنَّ يُؤَدِّيـ

ـنَ إِلَيْكُمْ مَا قَدْ يُجِنُّ الضَّمِيرُ

لَمْ أَزَلْ صَبَّةً فَإِنْ كُنْتَ بَعْدِي

فِي سُرُورٍ فَدَامَ ذَاكَ السُّرُورُ


أقوال المؤرخين عن الخيزران بنت عطاء

من عادة كتّاب السير والتراجم أن يذكروا مناقب الشخص الذي يترجمون له عند الحديث عليه، ولكن لقلّة الكلام المكتوب عن الخيزران في كتب التاريخ فقد ذُكرَت عرَضًا في كتب التاريخ ولم يعلّق أكثر المؤرخين عليها أو على حياتها، ولكن ذكر بعضهم شيئًا من مناقب الخيزران، ومنهم:


  • الزركلي: قال خير الدين الزركلي عن الخيزران: "الخيزران، زوجة المهديّ العباسي، وأمّ ابنيه الهادي وهارون الرشيد: ملكة حازمة متفقهة، يمانية الأصل، أخذت الفقه عن الإمام الأوزاعي".[٨]
  • سبط ابن الجوزي: قال عنها: "كانت الخَيزُران عاقلةً لبيبة، صالحةً متصدقة، وغلَّتها في كلِّ سنةٍ ستةُ آلافِ ألفٍ وستَّون ألفَ ألفِ درهم، فكانت تُنفقها في الصدقات وأبوابِ البِرّ".[٧]
  • ابن كثير الدمشقي: قال عنها في البداية والنهاية: "اشْتَرَتِ الدَّارَ الْمَشْهُورَةَ بِهَا بِمَكَّةَ الْمَعْرُوفَةَ بِدَارِ الْخَيْزُرَانِ، فَزَادَتْهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ".[٤]




المراجع

  1. ^ أ ب ابن العِماد الحنبلي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دمشق:دار ابن كثير، صفحة 330، جزء 2. بتصرّف.
  2. ^ أ ب الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد وذيوله، بيروت:دار الكتب العلمية، صفحة 431، جزء 14. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، بيروت:دار الكتب العلمية، صفحة 346، جزء 8. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث ج ح خ ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، القاهرة:دار هجر للطباعة والنشر، صفحة 571، جزء 13. بتصرّف.
  5. شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، بيروت:مؤسسة الرسالة، صفحة 443، جزء 7. بتصرّف.
  6. ابن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، بيروت:دار التراث، صفحة 238، جزء 8. بتصرّف.
  7. ^ أ ب سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، دمشق:دار الرسالة العالمية، صفحة 441، جزء 12. بتصرّف.
  8. خير الدين الزركلي، الأعلام، بيروت:دار العلم للملايين، صفحة 328، جزء 2. بتصرّف.
11 مشاهدة
للأعلى للأسفل