الصداقة

بواسطة: - آخر تحديث: ١٨:٥٤ ، ٣ مارس ٢٠١٨
الصداقة

الصداقة

يظهر مفهوم الصداقة في معاجم اللغة للتعبير عن علاقات الحب والمودة بين الأصدقاء أو الإخلاص والوفاء والمحبة بين المتقاربين، ومن مرادفاتها المخالة، وتعني الصداقة والمصادقة،[١] أمّا التعريف الاجتماعي للصداقة فإنّه يصفها بأنّها علاقة اجتماعية متبادلة بين شخصين أو مجموعة من الأشخاص تقوم على الحب والألفة والانجذاب للآخر وإظهار الودّ والعاطفة والميول بصورةٍ تخلو من الرغبة الجنسية، والثابت في هذه العلاقة أنّها دائمة وثيقةٌ مبنية على تشابه الاتجاهات والميول وتوافق الأفكار والعقول، ولا تحتكم هذه الرابطة المهمة على الأطماع الشخصية والمكتسبات الفردية، بل تتشكل برباطٍ وديٍّ متين يؤدي دوراً جوهرياً في حياة الأصدقاء.[٢]


الصداقة قيمة أخلاقية مركزية

ينزع المجتمع البشري إلى تحقيق استقراره النفسي والداخلي من خلال إشباع حاجاته العاطفية والوجدانية الشاغرة والمتنوعة، والتي لا تتحقّق عادةً بالاتّجار والمقايضة؛ إذ هي أساسياتٌ معنويّة ونفسية تعجز الماديات عن تحقيقها، فالتآلف والتوادّ والتآخي وإيجاد المتشابهات بين الفرد والآخرين أمورٌ معنويةٌ لا توفرها الآلات والأدوات ولا تُشترَى بالمال، بل هي قيمٌ وخصائص معنوية يتحصّل عليها بالبحث عن التوافقات الداخلية بين الناس، ومحاولة التقارب مع أنماطهم وشخصياتهم وأرواحهم وعاداتهم للوصول إلى الاستقرار المُتبادَل والاحتياج الإنساني لوجود الآخر، وهو ما تُلبّيه قيمة الصداقة بتمثيلٍ مُميّز.[٣]


ويمكن تحقيق كل تلك المكتسبات المعنوية بنمطٍ مهم ومميز من العلاقات الاجتماعية يدعى الصداقة؛ إذ إنّها المصدر الغني الباعث للبهجة والسرور والمُحفّز للعمل والإبداع والإنجاز، وهي الدافع المُشترَك بين الناس لتكوين العلاقات، والبحث عن ذواتهم في عيون الآخرين، وتأسيس مجتمعاتهم الخاصة التي لا يتملّكُها قانونٌ ولا تديرها نظم، وهي القيمة المؤسسة للنمو الذاتي والتطور الأخلاقي، فالصداقة حالةٌ تجمع الكائنات الإنسانية دون غيرها بعلاقاتٍ عميقةٍ وطيدةٍ تبنى على التوافقات، وتُنمّى بالتقارب السلوكي والأخلاقي والذهني لتلعب دوراً مميزاً ومحفزاً في حياة الأصدقاء؛ بالتفريغ النفسي، والمعونة المادية، ومبادلة التفكير، ومشاركة المشاعر، والمواقف والحالات الحياتية بشتى تصنيفاتها وتفاعلاتها.[٣]


الصداقة في الماضي

اعتبر الفلاسفة وعلماء الاجتماع ومفكرو الحضارات السابقة الصداقة بأنّها مُتطلّبٌ أخلاقيٌ وعنصرٌ أساسي وضرورةٌ ملحةٌ في الحياة المستقرة، وبأنّها طبيعةٌ إنسانية وقيمةٌ أخلاقية مركزية في نظرية الأخلاق تُعبّر عن ميل الإنسان وتركيبته المنحازة للخير، وحاجته الحقيقية لجوهر الأخلاق والفضائل، ومع تطوُّر العلم والتكنولوجيا والفنون والعلوم بشتى أصنافها وأنواعها، تأصلت قيم الإنسان العليا في طريقة تفكيره وأصبحت النشاطات الفنية والدينية والاجتماعية والتربوية أكثر تعميماً في فئات الناس دون حصرٍ لإحدى الفئات أو القوميات أو الطبقات دون غيرها، وصار الفهم والتطبيق أكثر إتقاناً وروحانية، غير أنّ الأخلاق بقيت ذات أرضية صلبة وثابتةٍ لا تقبل الكثير من التغيير فيما عدا الإيجابي منه؛ لكنّ التيّارات الفلسفية الأكثر بروزاً كفلسفة الوجود والبراغماتية والفلسفة التحليلية استبعدت الصداقة من النظرية الأخلاقية، أو على الأقل لم تعتبرها قيمةً أخلاقية مركزية، ثم اعتبرها الرواقيون حاجةً إنسانية وعنصراً تركيبياً في الفضائل، واعتبر أنّ سعي الإنسان لتحقيق الحياة الصالحة لا يتطلب وجود الصداقة؛ فهي برأيِهم مُكمّلٌ لا أساس وجودي ولا حياتي، فوافقوا بذلك البراغماتية في استبعاد الصداقة من نظرية الأخلاق المعاصرة.[٤]


أثر الصداقة على الفرد والمجتمع

إنّ فلسفة الصداقة مبنيّة على وجود علاقاتٍ فعلية وتفاعلات حقيقية متبادلة بين الناس؛ الأمر الذي يجعل من شركاء الصداقة أفراداً متكاملين في الخصائص والوظائف والفكر والمبادئ، وتبرز أهمية الصداقة للأفراد والمجتمع؛ كونها تتيح مشاركة الآراء والأفكار ومناقشة الهموم والقضايا في جوٍ من الألفة والأمن المعلوماتي وتحصيل التغذية الراجعة المفيدة وفق ضوابط المصداقية والتناصح ونظرة المبادلة في المواقف والتفكير بإنصاتٍ وتمعن، كما تظهر عوائد الصداقة على الأفراد والمجتمعات في تحقيق المنفعة المشتركة، والتشجيع الدائم والمستمر، والتحفيز المؤثر، وبناء الثقة بالنفس، ودعم المواقف، وتصحيح الأخطاء بصورة إيجابية حسنة.[٥]


وتعزّز الصداقة لدى الأفراد مشاعر الاستقرار والأمن العاطفي؛ إذ تحقّق الروابط العميقة لدى الأصدقاء قدرات وطاقات تبادليّة في إنجاز الأغراص الشخصية والاجتماعية دون تكلف وتخبط وحرج؛ إذ تذوب في تعاملات الأصدقاء مظاهر الرسمية والحرج والخجل في طلب العون والمساعدة، وتختفي عادةً المصالح الفردية والأطماع الشخصية، كما تتجلى في علاقاتهم صفات العطاء وتقديم المنافع عن طيب نفسٍ وتسخير الجهود والإمكانات في خدمة الأصدقاء بإرادةٍ ودية وعاطفةٍ حقيقية لا تنتظر المقابل.[٥]


الأثر النفسي والاجتماعي للصداقة

تؤدي الصداقة دوراً مهماً في بنية المجتمع وتركيبته ونشأة الشخصية الفردية لأبنائه في مختلف الجوانب الاجتماعية والنفسية، فعلى الصعيد النفسي تُحقّق الصداقة توافقاً نفسياً لدى الأصدقاء كنتيجةٍ لترابط الصلات ومتانتها، وفي الوقت ذاته تعمل الصداقة على كبت مشاعر القلق لدى الشركاء أو الأفراد ضمن دائرة الصداقة، كما تُسهم في تخفيف آثار الاضطراب والتوتر والإجهاد النفسي عبر مشاركة الأصدقاء تفاعلاتهم اليومية والدورية، ويتّضح أثر الصداقة في حياة الفرد النفسية في قدرتها على إنهاء حالات العزلة والوحدة وتخفيف الضغوطات والتفريغ النفسي، كما يبرز دور الصداقة نفسياً في دعم المشاعر الإيجابية وتعديل السلوك بما يتوافق مع نمط الصداقة الإيجابي للشركاء.[٥]


أما على الصعيد الاجتماعي، فإنّ الصداقة تتيح للأفراد اكتساب سماتٍ وخصائص إيجابية في شخصياتهم من خلال تشاركهم الأحداث اليومية والدورية وحضورهم الاجتماعي المتواصل، كما تُسهم الصداقة في تنمية مهارات الأفراد وتطوير قدراتهم الاجتماعية المرغوبة والمحببة وبروتوكولات المناسبات الاجتماعية المختلفة على تنوعها، ما يترتّب عليه القدرة على إدارة الأولويات وبناء العلاقات وتبادل الأفكار والقدرة على بناء الحوار والإفصاح عن المشاعر، كما تظهر ثمار الصداقة في الجانب الاجتماعي في تبصير الأفراد بمعايير السلوك الاجتماعي الأمثل في شتى المواقف والظروف؛ الأمر الذي ينعكس على المُجتمع برمّته في إفراز السلوكات الإيجابية المُثلى، وممارسة الإتيكيت، والتشبُّع بالآداب العامة والترغُّب فيها.[٦]


المراجع

  1. "تعريف ومعنى صداقة في معجم المعاني"، معجم المعاني، اطلع عليه بتاريخ 18-11-2017. بتصرف
  2. عيسى الشماس (2012)، "الصداقة عند الشباب الجامعي"، مجلة جامعة دمشق، العدد 2، صفحة 17-18.
  3. ^ أ ب وليد سليمان (20-5-2017)، "الصداقة قيمة أخلاقية"، جريدة الرأي الأردنية، اطلع عليه بتاريخ 15-11-2017. بتصرف
  4. ميشيل متياس (2001)، الصداقة قيمة أخلاقية مركزية- سلسلة عالم المعرفة، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، صفحة 240-260.
  5. ^ أ ب ت عيسى الشماس (2012)، "الصداقة عند الشباب الجامعي"، مجلة جامعة دمشق، العدد 2، صفحة 19-20.
  6. عيسى الشماس (2012)، "الصداقة عند الشباب الجامعي"، مجلة جامعة دمشق، العدد 2، صفحة 21-22.