العقد الاجتماعي (كتاب)

العقد الاجتماعي (كتاب)

التعريف بكتاب العقد الاجتماعي

جاء جان جاك روسو إلى العالم 1712م يتيم الأم فتربّى عند خاله، بعدما فرّ والده من جنيف مسقط رأسه بسبب مشكلة حدثت له مع أحد الضباط، فقام خاله بإرساله إلى كاهن ليرعى شؤونه لكنه لم يلبث عنده أكثر من عامين ثم أرسله ليتتلمذ عند موَّثِق لكنه لم يصمد عنده بسبب ازدراء المعلم له، فذهب ليعمل عند نحّات لكنه تركه بسبب سوء المعاملة، حتى غادر برفقة أصدقائه جنيف عام 1728م.[١]

وبعدها قصد ابن السادسة عشر دير (كونفنيون) حيث تعلّم هناك مبادئ الكاثوليكية وترك البروتستانية، وانضم إلى دير (بتورين) فما لبث هناك زمنًا حتى هرب بسبب شعوره بفساد الدير، ورجع بعدها روسو إلى الشارع وأتعبه الفقر حتى كاد أن يموت جوعًا إلى أن وجد عملًا في حانوت ثم خادمًا عند أسرة نبيلة، ثمّ أخذ بنسخ القطع الموسيقية داخل ليون حتّى صار مربيًّا لأبناء حاكم ليون.[١]
انتقل روسو بعدها إلى باريس عام 1741م وجدّ هناك في كسب لقمة عيشه وهناك تعرف على امرأة قرويّة بسيطة أحبّها وأصبحت زوجته لاحقًا، وبينما هذا هو الحال أعلنت أكاديمية ديجون عن مسابقة عنوانها "هل أدّى تقدم العلوم والفنون إلى إفساد الأخلاق أو إصلاحها؟" ليشترك روسو فيها مقدمًا أفكاره في ذكر سلبيات الحضارة المدنية وأنّ التطور في العلوم أفسد الأخلاق بلا شكّ ليفوز بذلك في هذه المسابقة.[٢]

نشر بعد ذلك رسالة بعنوان "أصل التفاوت" ثم كتاب " الاقتصاد السياسي"، ليخرج بعدها "العقد الاجتماعي" 1762م ليكون لاحقًا دستورًا للثورة الفرنسية،[٣] بدأ روسو بكتابة العقد الاجتماعي بعد 1755م عقب إصداره كتاب الاقتصاد السياسي، لينشَر في سنة 1762م في 170 صفحة،[٤] حيث يُعدّ من أهم كتب الفلسفة الاجتماعية عبر السنين، وقد تمت ترجمته إلى عدة لغات، أمّا العربية منها فقد تولّاها الأستاذ عادل زعيتر.[٥]

سبب كتابة العقد الاجتماعي

لقد عانى جان جاك روسو من الفقر والعدم المساواة في الفرص داخل مجتمعه، وعند انتقاله إلى باريس كره الحياة المدنية والحضارية بسبب طبيعة المجتمع الطبقي داخل المدينة، ووجود الخدم وعدم المساواة في التعامل والتقييم المبني على أسس ظاهرية، وكان يرى أنّ السيادة يجب أن تكون في يد الشعب وأن يتحول الحكم إلى جمهوري.[٦]

قد تحقق هذا المطلب بعد ثلاثين عامًا من صدور العقد الاجتماعي إبّان الثورة الفرنسية، ورأى أنّ وظيفة النظام الاجتماعي والسياسي هي حماية حقوق الأفراد لا ظلمهم وسلبهم حرياتهم وحقوقهم، فكان هذا الكتاب فيضٌ من غيظ لِما رآه وقاساه داخل المجتمع تحت سلطة هذا النظام السياسي والاجتماعي،[٦] وقد كان روسو يرى أن لديه مواهب لا بدّ أن يستفيد منها أحد ما حول العالم فوضع جهده في إخراج هذا الكتاب القيّم.[٧]


أبرز المواضيع في كتاب العقد الاجتماعي

تنوّعت المواضيع التي تطرّق لها روسو في العقد متحدثا عن الشعب والقانون والمجتمع وصلاحه ومنها الآتي:[٨]

المجتمعات الأولى

المجتمع الأول في الطبيعة هو الأسرة التي يكبر بها المرء تحت رعاية والده، وعندما يكبر الابن ولا يعود بحاجة إلى الحماية من والده فإنّه يستقل ويبدأ بالعناية بنفسه وحياته الخاصة، وكذلك أمر الرئيس في الدولة، فعليه أن يكون كالأب في المنزل ويتحمل رعاية وحماية المواطنين الذين هم تحت قيادته، ليس بدافع الحب الأبويّ بالطبع إنّما بحب القيادة وتحمل المسؤولية، فالرئيس هو صورة الأب والمواطنون هم صورة الأولاد، وهم لا يتخلون عن حريتهم واستقلالهم إلّا لمنفعتهم داخل دولتهم.[٩]

العبودية

يولد جميع النّاس أحرارًا، وتنازُل الإنسان لسلطانه يُعدّ تنازلًا عن إنسانيته وطبيعتها، ونزع الحرية عن أيّ إنسانٍ هو انتزاعٌ لأدب أعماله، وحقوقه، وهو عقدٌ باطلٌ أن يمنح المواطنون أنفسهم للسلطان فهم غير ملزمين على أن يقدموا شيئًا لشخص معنيّ بعمل كلّ شي لهم.[١٠]

حق الحياة والموت

إنّ غاية العقد الاجتماعي هو سلامة الطرفين في الدولة، ومن يخرق هذا العقد فقد استحق العقاب، لأنّه انتهك حُرمة القوانين، وحينئذ تُصبح سلامة الدّولة مناقضة لسلامته، فالدولة يجب أن تُحاسب مخترقيه القوانين لتحمي المواطنين، ولكنّها أيضًا يجب أن تُفكر بحلّ العفو لأنّه ما من إنسان لا يمكن تعديله بمنحه فرصة لأن يكون أفضل، وإذا كانت إدارة الدولة حَسنة فإن الجرائم نفسها ستقلّ لا بكثيرة الإعدامات والعقوبات بل بمنح المواطنين احتياجاتهم فلا تدفعهم نحو الجريمة من الأصل.[١١]

علامات الحكومة الصالحة

إنّ تحديد علامة واضحة لصلاح الحكومة أمر مُثير للجدل، فالنّاس تختلف في الفصل في الكثير من القضايا، فهناك من يرى أنّ الحكومة الأصلح هي المستبدة، وهناك من يرى اللينة، وبعضهم يعتقد بضرورة العقوبات على الجرائم وهناك من يذهب إلى العمل على منعها، ولكنّ روسو يرى أنّ الدولة التي يعمّرها مواطنوها دون عونٍ خارجي أو تجنيس للجاليات هي الأصلح بلا ريب، وأنّ الحكومة التي يُفنى فيها الرعايا ويقلّون هي الأسوأ.[١٢]

آراء نقدية حول كتاب العقد الاجتماعي

إنّ كتاب العقد الاجتماعي على ما جاء به من نظريات تخصّ حكم الدّولة وأمور الشعب تعرض للعديد من الانتقادات منها:[٨]

  • إنّ الإسلام نزل على النّاس يحوي نظامًا سياسيًا متكامل العناصر يعطي كل ذي حقٍّ حقه، وينظم علاقة السّلطة بالشعب، واضعًا نظامًا لحقوق الأفراد والمساواة الاجتماعية والعدالة، وأنّ اتخاذ العقد الاجتماعي وتجسيد تجربته في الثورة الفرنسية على عالمنا العربي يضرّ بالضرورة بتعاليم السلطة الدينية في دولنا العربية، إذ إنّ من ينادي به فهو ينادي بتحييد السّلطة الدينية والنظام الدينيّ عن الحكم.[٨]
  • يرى الأستاذ علي صبيح التميمي أنّ العقد الاجتماعي نظرية خيالية وغير صحيحة من الناحية التاريخية؛ لأنّها تفترض أنّ الإنسان كان يحيا في عزلة قبل قيام الدول، وهو أمر خاطئ لأنّ الحضارات والمجتمع كان قائمًا قبل وجود الدّول.[١٣]
  • إنّ العقد الاجتماعي يتبدل تبعًا للظروف والأزمنة كسائر العلوم الإنسانية التي تتصف بعدم الثبات، لأنّها تتصل بالسلوك الإنساني المتبدّل باستمرار، كما أنّه لا يوجد دولة عبر التاريخ كانت قد قامت عن طريق العقد.[١٤]


اقتباسات من كتاب العقد الاجتماعي

العقد الاجتماعي كتابٌ زاخرٌ بالفلسفة الاجتماعية السياسية ومما ذُكر فيه هذه الاقتباسات:[٨]

  • "أفضّل الحرية مع الخطر على السّلم مع العبودية"[١٥]
  • "نوقش كثيرًا في جميع الأزمنة حول أحسن شكلٍ للحكومة، دون النظر إلى أنّ أحسن الأشكال في بعض الأحول هي أسوأها في أحوالٍ أخرى".[١٦]
  • "تنازل الإنسان عن حرّيته يعني تنازلًا عن صفة الإنسان فيه، وتنازلًا عن الحقوق الإنسانية وواجباته ولا يوجد تعويضٌ ممكنٌ لمن يتنازل عن كلّ شيء".[١٧]
  • عمّروا الأرض بشكل متساوٍ، واحملوا عين الحقوق إلى كلّ مكان، واحملوا الرخاء والحياة إلى كلّ مكان، فهكذا تُصبح الدولة أقوى وأصلح".[١٨]

المراجع

  1. ^ أ ب جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، صفحة 9-12. بتصرّف.
  2. جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، صفحة 9-12. بتصرّف.
  3. جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، صفحة 9-14. بتصرّف.
  4. جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، صفحة 12-14. بتصرّف.
  5. جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، صفحة 4-5. بتصرّف.
  6. ^ أ ب جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، صفحة 15. بتصرّف.
  7. جان جاك روسو، اعترافات روسو، صفحة 74. بتصرّف.
  8. ^ أ ب ت ث محروس بسيوني، نظرية العقد الاجتماعي في ميزان الاسلام، صفحة 6. بتصرّف.
  9. خضرة حنان، مفهوم العقد الاجتماعي بين روسو ولوك مذكرة ماستر، صفحة 64. بتصرّف.
  10. جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، صفحة 32.
  11. جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، صفحة 62. بتصرّف.
  12. جان اجك روسو، العقد الاجتماعي، صفحة 114. بتصرّف.
  13. علي صبيح التميمي، فسلفة الحقوق والحريات السياسية وموانع التطبيق، صفحة 97. بتصرّف.
  14. خيري فرجاني، العقد الاجتماعي والتحول من الدولة الدينية الى المدنية، صفحة 11. بتصرّف.
  15. جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، صفحة 109. بتصرّف.
  16. جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، صفحة 94. بتصرّف.
  17. جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، صفحة 32. بتصرّف.
  18. جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، صفحة 123. بتصرّف.
11 مشاهدة
للأعلى للأسفل