بحث عن سيرة الرسول عليه الصلاة و السلام

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٢١ ، ١٧ أغسطس ٢٠١٥
بحث عن سيرة الرسول عليه الصلاة و السلام

محمد صلى الله عليه وسلم

محمدٌ صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء والمرسلين الذي ابتعثه الله تعالى إلى الإنس والجن هادياً وبشيراً وداعياً إلى الإسلام الدين الذي ارتضاه الله تعالى كآخر الأديان السماوية للأمّة جميعها حتى قيام الساعة، فعاش عليه الصلاة والسلام حياته بأكملها منذ بعثته إلى وفاته داعياً إلى الله وفي سبيل إيصال هذه الرسالة والذي نجح في إيصالها وجعلها محفورةً في القلوب إلى يومنا هذا بعونٍ من الله تعالى وبنصرة أصحابه له عليه السلام.


ولادته ونشأته

فولد عليه الصلاة والسلام في الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل في مكة المكرمة لأبيه عبدالله بن عبد المطلب وأمّه آمنة بن وهب، فتوفي أبوه قبل ولادته عليه السلام، وبعد ولادته أخذت حليمة السعدية محمداً صلى الله عليه وسلم لترضعه، إذ كانت من عادات العرب إرسال مواليدهم إلى البادية مع المراضع، فعاش عليه الصلاة والسلام هنالك سنتين من الزمن حتى الفطام، وكانت حليمة في هذه الأثناء تأخذه إلى أمّه كلّ بضع أشهرٍ حتى تراه، وبعد السنتين قامت حليمة بإقناع أمّه بتمديد فترة حضانتها له خوفاً عليه من وباء مكة وللبركة التي رأتها منه أثناء فترة حضانته فوافقت على ذلك.


أمّا عند بلغ عليه السلام سنّ السادسة توفيت أمّه أثناء عودتهم من زيارة أخواله فأرجعته أم أيمن حاضنته ومربيته إلى جده عبد المطلب ليكفله ويعيش بين أولاده، ولكن لم يدم هذا طويلاً إذ توفّي جدّه عبد المطلب وهو في سنّ الثامنة، فكفله عمّه أبو طالبٍ بعد ذلك.


لم يكن أبو طالبٍ من أصحاب الأموال الوفيرة في مكة ولذلك اشتغل محمدٌ بالرعي ليساعد عمّه أبا طالب، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعرف بالصادق الأمين في مكة، فكان مستودعاً لأمانات الناس في قريش، وقد نشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم برعاية الله تعالى، ولذلك لم يسجد عليه السلام لصنمٍ قط ولم يشرب الخمر في حياته أيضاً، وعندما بلغ عليه السلام خمسةً وعشرين عاماً تزوج من خديجة بنت خويلد بعدما رأته من أمانته أثناء تجارته بأموالها إلى الشام.


البعثة وبداية الدعوة

بعث عليه السلام بعد ذلك وهو في الأربعين من عمره في غار حراء في شهر رمضان، فقد كان عليه الصلاة والسلام يحزم طعامه وشرابه ويذهب إلى الغار كي يتأمل ويعبد الله تعالى حتى قبل بعثته عليه الصلاة والسلام، فنزل عليه جبريل بصورته للمرة الأولى ففزع منه الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال له إقرأ فأجابه عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أميّاً لا يعرف القراءة أو الكتابة، فأعادها عليه مرةً أخرى، وفي الثالثة قرأ عليه خمس آياتٍ من سورة العلق.


فعاد بعدها الرسول إلى خديجة فزعاً، فأخذته إلى ورقة بن نوفل ابن عمّها والذي بشّره بالنبوة، وانقطع عنه الوحي بعد ذلك لمدة أربعين يوماً نزل عليه الوحي بعدّة بآيات سورة المدّثر، وبدأ بعدها النبي بالدعوة إلى الإسلام سرّاً فكان أوّل من أسلم به زوجته خديجة ثمّ صاحبه أبو بكرٍ الصديق وزيد بن حارثة وعلي بن أبي طالب، واستمر في الدعوة سرّاً لثلاث سنواتٍ خوفاً من قريش فكانوا يجتمعون في دار الأرقم بن أبي الأرقم.


الدعوة الجهرية في مكة

وأمّا عندما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إسلامه هو الفارق فيما بين الدعوة السرّية والجهريّة، فسمّي لذلك رضي الله عنه بالفاروق، فبدأت بداية المعاداة بين كفار قريش والمسلمين، فمات من مات تحت حصار قريش ونجّى البعض الآخر تحت التعذيب أيضاً، حتى أذن الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة إذ إنّ ملكها لا يظلم عنده أحد، وإثر ذلك قام الكفار ببدء الحصار على بني هاشم.


إذ إنّ بني هاشم رفضوا تسليم محمدٍ عليه الصلاة والسلام إلى قريشٍ كي يقتلوه، فقام بنو هاشم جميعهم من المسلمين وغير المسلمين ما عدا أبي لهب في شِعبٍ من شعاب مكة ليحموه عليه الصلاة والسلام فاستمرّ الحصار لمدّة ثلاث سنوات توفّي فيه عمّه أبو طالب وزوجته خديجة بنت خويلد نتيجة الحصار، حتى أكلت الأرضة الصحيفة التي كتبتها قريش ما عدا كلمة باسمك اللهم فانتهى الحصار بذلك.


بعد ذلك خرج عليه الصلاة والسلام إلى الطائف لدعوة من فيها إلّا أنّه لم يلق الترحاب هنالك، بل بعث عليه بنو ثقيف أولادهم يرمونه بالحجارة عليه الصلاة والسلام، فالتجأ عليه الصلاة والسلام إلى الله تعالى كي ينصره فبعث له بملك الجبال مع جبريل عليه السلام يطلب منه أن يطبق الجبال على أهل مكة، إلّا أنّ رفض ذلك لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله تعالى.


بعد ذلك في العاشر من البعثة حدثت رحلة الإسراء والمعراج التي صعد فيها الرسول عليه الصلاة والسلام إلى السماوات العليا بعدما عرج إليها من المسجد الأقصى على ظهر البراق، فأمر الله تعالى المسلمين بالصلاة خلال هذه الرحلة، وبعد ذلك حصلت بيعة العقبة الأولى في السنة الحادية عشر للبعثة والثانية في الثالث عشر من البعثة واللتين أسفرتا عن هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة.


الهجرة النبوية

بعد بيعة العقبة الثانية اشتدّ البلاء والتعذيب على المسلمين في مكة المكرمة، فأذن لهم عليه الصلاة والسلام بالهجرة إلى المدينة، فبدؤوا يهاجرون واحداً تلو الآخر، فمنهم من كان يهاجر سرّاً من الضعفاء خوفاً على حياتهم، ومنهم من الأقوياء من كان يهاجر في العلن كعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان آخر من بقي في مكّة المكرمة محمدٌ عليه الصلاة والسلام وأبو بكرٍ الصديق وعليٌّ بن أبي طالب والضعفاء والمحبوسون الذين لا يستطيعون السفر، وعندها اجتمعت قريش على أن يبعثوا من كلّ قبيلةٍ منهم رجلاً ليقتلوا محمداً قبل هجرته فيتوزّع دمّه بين القبائل كلّها فلا يكون لبني هاشم ثأرٌ من أي قبيلة.


لكن الله تعالى بعث جبريل إليه صلى الله عليه وسلم فأخبره بخطتهم وأمره ألّا ينام في مضجعه في تلك الليلة، ففعل ذلك عليه الصلاة والسلام وجعل عليّاً ينام في مكانه ليرجع الأمانات التي كانت عنده لأهل مكة حتى بعد معاداتهم له إلى أصحابها، فخرج في تلك الليلة بحفظ الله تعالى من بين الرجال الذين كانوا على بابه يريدون قتله من دون أن يروه، فانطلق هو وأبو بكرٍ إلى غار ثور، وطلب من عبدالله بن أريقط أن يوافيهما إلى غار ثور بعد ثلاث ليالٍ ليكون دليلهما إلى المدينة، فلحقت قريش أثر النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ إلى الغار إلّا أنّ الله تعالى حفظهما مرةً أخرى فبنى العنكبوت بيته على باب الغار فلم تكتشف قريش وجودهما في الغار، وبعد ذلك انطلق عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة فوصل إلى قباء قبل ذلك ومكث فيها أربعة أيامٍ أسّس فيها مسجد قباء، وانطلق بعدها إلى المدينة المنورة في يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من العام الثالث عشر للبعثة.


فاستقبل أهل المدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بالترحاب الشديد وبدؤوا ينشدون له الأنشودة الشهيرة (طلع البدر علينا)، وقد كان أوّل ما فعله عليه الصلاة والسلام هو بناء للمسجد النبوي الشريف الذي تمّ اختيار موقعه في مكان وقوف ناقته عليه السلام والتي كانت مأمورةً من عند الله تعالى، فاشترى عليه الصلاة والسلام تلك الأرض من الغلامين اليتيمين التي كانت لهما، فبنى عليه الصلاة والسلام المسجد هو وصحبه فكانت القبلة فيه هي المسجد الأصى والتي تحوّلت فيما بعد إلى الكعبة المشرفة، وبنى حجرات زوجاته أيضاً إلى جانب المسجد النبوي وآخى بين المهاجرين والأنصار.


بداية القتال وغزوات الرسول

أمّا فيما بعد فأذن الله تعالى للمسلمين أن يبدؤوا القتال فقال الله تعالى:” أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ” فبذلك بدأت غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم والسرايا، فكانت هنالك 27 غزوةً اشترك في تسعٍ منها و47 سرية، ولم يقتل عليه الصلاة والسلام في طوال حياته أحداً عدا أبيٍّ بن خلف والذي قتله في غزوة أحد.


بداية القتال غزوة بدر الكبرى

فكانت أولى سراياه عليه الصلاة والسلام هي سرية حمزة بن عبد المطلب بعد سبعة أشهرٍ من الهجرة، إذ خرج ومعه ثلاثون رجلاً من المهاجرين يعترضون قافلةً لقريش إلّا أن الحرب لم تحصل في تلك السرية، وتبعتها أيضاً بعض الغزوات والسرايا الأخرى حتى حدثت غزوة بدرٍ الكبرى والتي كانت أوّل معركةٍ فاصلةٍ تحدث بين المسلمين وكفار قريش، فحدثت تلك الغزوة في منطقة بدرٍ بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتصر المسلمون في تلك المعركة فقتل منهم أربعة عشر رجلاً ومن المشركين 70 رجلاً وأسر المسلمون سبعين آخرين أسلم منهم ستة عشر، وكان مقدار فداء كلٍّ منهم بمقدار ما يمتلكه من أموال، ومن لم يملك كان فداؤه أن يعلم عشرةً من صبيان المدينة.


حدثت بعد غزوة بدر العديد من الغزوات والتي كانت منها غزوة بني قينقاع والتي هي أولّ معركة بين المسلمين ويهود المدينة والتي كانت نتيجةً لقيام اليهود بكشف عورة أحد المسلمات في سوق المدينة وقتلهم المسلم الذي دافع عنها وقتل فاعل هذا الأمر، فأسفرت تلك الغزوة والتي حاصر فيها المسلمون يهود بني قينقاع مدة خمس عشرة ليلة إلى نفيهم من المدينة المنورة.


غزوة أحد

وأمّا بعد غزوة بدرٍ بسنةٍ واحدة سعى كفار قريشٍ إلى الانتقام من المسلمين فحدثت غزوة أحد والتي نتج عنها خسارة المسلمين نتيجة مخالفة الرماة لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم وحنكة خالد بن الوليد العسكرية والذي لم يكن مسلماً بعد، وكما أسفرت عن قتل عدد من المسلمين منهم حمزة بن عبد المطلب وإصابة الرسول صلى الله عليه وسلم بالعديد من الإصابات والجروح والكسور.


غزوة الخندق

فيما بعد حدثت ثاني معارك الرسول مع يهود المدينة من بني النضير نتيجة نقضهم للصحيفة التي كانت بينهم وبين المسلمين ومحاولتهم لقتل الرسول عليه الصلاة والسلام، فأسفرت هذه المعكرة عن إجلائهم من المدينة وعن غزوة الخندق، والتي حدثت بعد أن حرض اليهود قريشاً وغطفان إلى مهاجمة المسلمين لينتقموا منهم فخرجت عددٌ من القبائل والتي وصل عددهم إلى عشرة آلاف مقاتل إلى المدينة للقضاء على الرسول، فسمّيت بغزوة الأحزاب، ولكن المسلمين انتصروا في هذه المعركة بعد أخذه صلى الله عليه وسلم بمشورة سلمانٍ الفارسيّ وحفر الخندق هو والصحابة الكرام في ستة أيامٍ فاحتمى بها المسلمون.


كانت من نتائج معركة الخندق أيضاً حدوث غزوة بني قريظة نتيجةً لغدرهم المسلمين في غزوة الخندق ومخالفتهم للعهد الذي بينهم بسماحهم للمشركين بدخول المدينة من جهتهم، ولكنهم لم يفلحوا في ذلك، فتحصن يهود بني قريظة في حصونهم بعد انتهاء المعركة وأمر الله تعالى المسلمين بغزوهم مباشرةً بعد انتهاء الحرب، فحاصرهم المسلمون خمساً وعشرين ليلةً حتى أتعبهم الحصار وأعلنوا استسلامهم، فطلب عليه الصلاة والسلام من سعد بن معاذ أن يحكم فيهم فحكم بأن يقتلوا وتفرق نساؤهم وأولادهم بين المسلمين عبيداً.


صلح الحديبية

فيما بعد أراد الرسول عليه الصلاة والسلام الذهاب إلى العمرة في السنة السادسة للهجرة فأرادت قريشٌ قتاله لمنعه من ذلك، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم رفض القتال وبعث عثمان بن عفانٍ إلى مكة ليفاوض أهلها، وأسفر ذلك عن صلح الحديبية والذي نصّ على أن يعود المسلمون لأداء العمرة في السنة التالية، وأن يردّ المسلمون أيّ شخصٍ يأتيهم من مكة مسلماً من دون إذنٍ منهم وألّا يحدث هذا في حال قدوم شخصٍ من المدينة إلى مكة، وأن يستمر هذا الصلح لمدّة عشر سنوات وأنّ أيّ شخصٍ يدخل في حلف أيٍّ من الطرفين تسري عليه هذه الشروط، فتحلل الرسول ومن معه من الإحرام وعاد المسلمون إلى المدينة.


ما بعد الصلح

حدثت بعد ذلك عددٌ من الغزوات بعدما أمن المسلمون جانب قريشٍ، كغزوة خيبر التي حصلت مع يهود خيبر، وغزوة مؤتة التي حدثت مع الروم في مؤتة في جنوبي الأردن، والتي حدثت نتيجة قتل الغساسنة لرسول رسول الله الحارث بن عمير الأزدي بعدما أرسل الرسول عدداً من الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام في فترة الهدوء، فأرسل عليه الصلاة والسلام ثلاثة آلافٍ من المسلمين لمقاتلة الروم في مواجهة مائة ألفٍ منهم، وأسفرت الحرب عن مقتل قائدي المسلمين الثلاث الذين وضعهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالترتيب وتسلّم خالد بن الوليد القيادة بمشورة المسلمين والذي استطاع بحنكته وبخطةٍ عسكريةٍ فذّة أن يجعل المسلمين ينسحبوا ويعودوا إلى المدينة المنورة.


فتح مكة

وأمّا الحدث الأعظم والذي طال انتظاره من المسلمين ألّا وهو فتح مكة، وحدث هذا الفتح نتيجة نقض بني كنانة لصلح الحديبية بعد دخولهم في حلف قريش، فأغاروا على بني خزاعة والذين كانوا قد دخلوا في حلف المسلمين وأعانتهم قريش على ذلك، فاستنصر بنو خزاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فنصرهم وخرج على مكة بعشرة آلاف مقاتلٍ في العاشر من رمضان من السنة التاسعة للهجرة، فدخل المسلمون مكة من جهاتٍ عدةٍ بقيادة خالدٍ بن الوليد والزبير بن العوام وأبي عبيدة بين الجراح وأعطى عليه الصلاة والسلام الأمان لمن دخل دار أبي سفيان ومن أغلق عليه بابه ومن دخل المسجد الحرام، وأمّر عليه الصلاة والسلام ألّا يقاتل المسلمون إلّا من قاتلهم، فانتهى الفتح من دون قتالٍ في جميع الأطراف عدا في مجموعة خالد بن الوليد والتي حدث فيها القتال وأسفر عن قتل اثني عشر رجلاً، وعندما وصل عليه الصلاة والسلام إلى الكعبة المشرفة طاف بها وهدم الأصنام التي حولها والتي كانت 360 صنماً، وأعطى الحرية لأهل قريش، وأخبر الأنصار بعد أن راودهم الشكّ بأنّه سيعيش معهم حتى وفاته صلى الله عليه وسلم.


ما بعد الفتح

بعد وقتٍ قصيرٍ من فتح مكة حدثت غزوة حنين بعد أن تحالفت بعض القبائل العربية وعلى رأسهم هوزان وثقيف على حرب المسلمين، فخرج عليه الصلاة والسلام بعد تسعة عشر يوماً من فتح مكة ومعه اثني عشر ألف مقاتل، وهو ما أثار الكبر في قلوب المسلمين وجعلهم يقعون في فخٍ نصبته لهم هوزان وجعلهم يهربون، فبقي محمدٌ عليه الصلاة والسلام وبعضٌ من أصحابه، ولكن المسلمين أعادوا التجمّع مرّةً أخرى وانتصروا في المعركة، ولحق المسلمون هوزان وثقيف إلى الطائف فحاصرها المسلمون أربعين يوماً في غزوة الطائف حتى يئسوا وعادوا بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام فأتته هوزانٌ بعدها مسلمين.


كان فتح مكّة أيضاً وانتشار الإسلام في الأرض قد أثار الروم، فهيؤوا الجيوش هم وحلفاؤهم من العرب لمحاربة المسلمين، فلما وصلت الأنباء إليه صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في ثلاثين ألف مقاتل ومعهم عشر آلاف فرس، في جيشٍ عرف بجيش العسرة والذي كان جهازه صعباً للقحط الذي كان يصيب المسلمين في ذلك الوقت، فخرج عليه الصلاة والسلام وأصحابه إلى غزوة تبوك ولكن لم يحصل قتال في تلك المعركة لخوف الروم من المسلمين ومن عددهم فأقاموا في تبوكٍ عشرين ليلةً عادوا بعدها إلى المدينة آمنين، وبعدها توالت القبائل من شتى البقاع إليه صلى الله عليه وسلم معلنين إسلامهم فيما سمّي بعام الوفود وهو العام التاسع للهجرة.


حجة الوداع

وأمّا فيما بعد حصلت ما عرفت بحجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة والتي ذهب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى مكة المكرمة ليحجوا فيها، وقد سميت بهذا لأنها كانت آخر حجةٍ يحجها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته والتي ودع فيها المسلمين، كما أنّها سميت بحجة البلاغ لأنّه عليه الصلاة والسلام بلّغ المسلمين بما يحلّ لهم وما يحرم عليهم وأشهد الله على ذلك، وكانت هي الحجة الوحيدة التي حجها الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة بعد أن فرض الحج على المسلمين.


علّم النبيّ عليه الصلاة والسلام المسلمين مناسك الحج وخطب في المسلمين خطبة الوداع في التاسع من ذي الحجة في عرفة، والتي ذكر فيها حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأمرهم بأن يتّقوا الله في النساء والاستعصام بكتاب الله تعالى وسنته عليه الصلاة والسلام، ونزلت الآية القرآنية التي دلّت على اكتمال الإسلام والتي كان فيها وداعٌ له صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى:"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا".


وفاته صلى الله عليه وسلم

أمّا وفاته صلى الله عليه وسلم فهي التي حدثت في الثاني عشر من ربيع الأول في العام الحادي عشر للهجرة، فابتدأ مرضه عليه الصلاة والسلام في أواخر شهر صفر من ذلك العام وكان قد أمر أسامة بن زيد أن يخرج بالمسلمين لمحاربة الروم في فلسطين، إلّا أنّ مرضه عليه الصلاة والسلام أخّره عن ذلك فلم يخرجوا إلّا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فعندما بدأ مرضه والذي ابتدأ بالحمى والصداع الشديد والإغماء الذي كان يحصل له من شدة الألم، فاستأذن زوجاته أن يطبّب في بيت عائشة رضي الله عنها فوافقن على ذلك، وكان أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه يصلي في الناس في مرضه، فكان يوصي الناس في مرضه بالصلاة وما ملكت أيمانهم، وعندما كان يوم وفاته عليه الصلاة والسلام خرج إلى الناس وهم يصلون الفجر ففرحوا بذلك ظنّاًء منهم بشفائه عليه الصلاة والسلام، إلّا أنّه عاد إلى حجر عائشة رضي الله عنها وتوفي هنالك وقد أتمّ 63 عاماً.


عندما سمع الناس بهذا الخبر أصابتهم الصدمة الكبيرة فمنهم من لم يصدق الخبر كعمر بن الخطاب ولكن أبو بكرٍ الصديق خرج مسرعاً إلى الناس وخطب فيهم فقال: ألا من كان يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإنّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، وقرأ عليهم:”وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ”، فكان ذلك اليوم هو أظلم يومٍ يمرّ على المسلمين وفي حياة البشرية جمعاء، كما كان يوم مولده هو أكثر الأيام إشراقاً في حياة البشر، فدفن عليه الصلاة والسلام في مكان وفاته في حجر عائشة رضي الله عنها بعدما قام بتغسيله علي بن أبي طالبٍ والفضل بن العباس وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد، وشقران مولى محمد وعليه ثيابه، وأنزله عليٌّ والعباس وولداه إلى القبر ودخل الناس عليه أفواجاً يصلون عليه من دون أن يأمهم أحد، ورشّ بلال رضي الله عنه على قبره الشريف الماء ورفعه عن الأرض في ليلة الأربعاء.


أمّا هذا فهو موجزٌ بسيط عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم احتوى على بعض اللقطات والعناوين الرئيسيّة من حياته من دون تفصيلٍ فيها، فحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة كانت مدار بحثٍ للعديد من المؤرخين إلى يومنا هذا كونه عليه الصلاة والسلام أعظم شخصيةٍ مرت في تاريخ البشرية حتى في نظر المفكرين والمؤرخين الغربيين، فهنالك العديد من سلاسل الكتب التي تحتوي على سيرته صلى الله عليه وسلم والتي تتكون من عددٍ كبير من المجلدات، فيمكن استقاء الكثير من العبر من سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم عند دراستها بأدقّ تفاصيلها.