تعريف الشعر الحر

تعريف الشعر الحر

تعريف الشعر الحر

الشعر الحر؛ هو أحد أنواع الشعر العربي، الذي يجري وفق القواعد العروضية للقصيدة العربية، ولا يخرج عنها، حيث يلتزم بالتفعيلات الرئيسة للبحر الشعري، لكن يتحرر من نمط القافية الواحدة وشكل القصيدة العمودية، إذ تقول نازك الملائكة: "هو شعر ذو شطر واحد ليس له طول ثابت، إنّما يصح أن يتغير عدد التفعيلات من شطر إلى شطر، ويكون هذا التغيير وفق قانون عروضي يتحكم فيه".[١]

تُكمل نازك قولها: "فأساس الوزن في الشعر الحر أنّه يقوم على وحدة التفعيلة والمعنى البسيط الواضح لهذا الحكم أنّ الحرية في تنويع عدد التفعيلات أو أطوال الأشطر تشترط بدءًا أن تكون التفعيلات في الأسطر متشابهة تمام التشابه".[١]

يقول الدكتور عز الدين إسماعيل معلقًا على القافية في الشعر الحر: "فالقافية في الشعر الجديد ببساطة نهاية موسيقية للسطر الشعري هي أنسب نهاية لهذا السطر من الناحية الإيقاعية، ومن هنا كانت صعوبة القافية في الشعر الجديد وكانت قيمتها الفنية كذلك... فهي في الشعر الجديد لا يُبحث عنها في قائمة الكلمات التي تنتهي نهاية واحدة، وإنّما كلمة "ما" من بين كل كلمات اللغة، يستدعيها السياقان المعنوي والموسيقي للسطر الشعري".[١]

في ضوء ما سبق، يُمكن استخدام البحور الخليلية المفردة والمزدوجة، إلّا أنّ البحور الصافية هي أفضلها؛ لأنّها تعتمد على تفعيلة مفردة غير ممزوجة، وذلك تفاديًا من الوقوع في الأخطاء العروضية واختلال الوزن، أو الجمع بين عدة بحور في القصيدة الواحدة.[١]

نشأة الشعر الحر

بدأت حركة الشعر الحر عام 1947م في العراق، وانطلقت بعد ذلك وامتدت للعالم العربي أجمع، وكانت أُولى القصائد حرة الوزن قصيدة "الكوليرا" لنازك الملائكة سنة 1947م، وكانت هذه القصيدة على وزن البحر المتدارك، وتلا هذه القصيدة في العام نفسه قصيدةً لبدر شاكر السياب على وزن بحر الرمل بعنوان "هل كان حبًا" من ديوان "أزهار ذابلة".[٢]

إنّ ظهور هاتين القصيدتين لم يُعلق عليه في المجلات كثيرًا، وكان التعليق الوحيد على هذه الظاهرة في تلك القصيدتين في مجلة "العروبة"، حيث اعتبر ذلك نقلةً نوعيةً في أسلوب الوزن، وبعد سنتين أيّ في عام 1949م صدر ديوان "شظايا ورمل" لنازك الملائكة، وتضمن عدة قصائد حرة، وأشارت إلى أوجه التجديد التي تتضمنها هذه القصائد، كما بينت مواضع الاختلاف مع القصيدة العمودية.[٢]

أُثيرت العديد من الآراء والانتقادات التي وُجهت إلى شكل القصيدة الجديد، فانقسم الوسط الأدبي بين مؤيد ومعارض لهذا الشكل، وفي آذار عام 1950م صدر ديوان "ملائكة وشياطين" لشاعر عراقي جديد هو عبد الوهاب البياتي، وتلاه شاذل طاقة في العام ذاته، حيث صدر له ديوان يتضمن قصائد حرة تحت عنوان "المساء الأخير"، ومن ثم صدر ديوان "أساطير" لبدر شاكر السياب، وتتالت الدواوين بعد ذلك والدعوات إلى الشعر الحر.[٢]

رواد الشعر الحر

أهم رواد الشعر الحر فيما يأتي:[٣]

  • نازك الملائكة

تُعد من رواد الشعر الحر؛ وذلك لجرأتها وإقدامها والثقة العالية التي امتلكتها في موهبتها الشعرية، حيث وضعت أصول التجديد في الشعر، وسعت إلى خلق روح الإبداع في مستوياته الفنية.

  • بدر شاكر السياب

ساهم السياب في الخروج من النمطية السائدة إلى التنويع والتغيير في الشعر، وذلك بدءًا من ديوانه "أساطير".

  • عبد الوهاب البياتي

فهو من خلال ديوانه "ملائكة وشياطين" أسهم في دعم حركة الشعر الحر وتطوره.[٢]

مميزات الشعر الحر

تتلخص مميزات الشعر الحر فيما يأتي:[٤]

  • التجديد في موسيقى الشعر

فنازك الملائكة رائدة هذا النوع الشعري اعتمدت تقسيم البحور إلى بحور صافية وممزوجة، فالأولى يتألف شطرها من تكرار تفعيلة واحدة ستة مرات، مثل: الكامل، الرمل، الهزج، الرجز، المتقارب والمتدارك، أما الثانية فيتم فيها ذكر تفعيلتين متماثلتين، تليهما تفعيلة مختلفة في الشطر الواحد، مثل: البحر السريع والوافر.

  • اعتماد نظام التفعيلة

فالشعر الحر يُسمى أحيانًا بشعر التفعيلة، حيث عوض نظام التفعلية عن نظام البيت وعجزه بكميات متساوية، حسب رأي الدكتور عز الدين إسماعيل.

  • التجديد في القافية

حيث لم يرفض شعراء الشعر الحر فكرة القافية، إنّما حاولوا التنويع فيها؛ لإعطاء جمالية خاصة لهذا النوع من الشعر.

نماذج من الشعر الحر

نماذج من الشعر الحر فيما يأتي:

قصيدة: الكوليرا

قالت نازك الملائكة:[٥]

سكَن الليلُ
أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ
في عُمْق الظلمةِ، تحتَ الصمتِ، على الأمواتْ
صَرخَاتٌ تعلو، تضطربُ
حزنٌ يتدفقُ، يلتهبُ
يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ
في كل فؤادٍ غليانُ
في الكوخِ الساكنِ أحزانُ
في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ
في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ
هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ
طَلَع الفجرُ
أصغِ إلى وَقْع خُطَى الماشينْ
في صمتِ الفجْر، أصِخْ، انظُرْ ركبَ الباكين
عشرةُ أمواتٍ، عشرونا
لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا
اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين
مَوْتَى، مَوْتَى، ضاعَ العددُ
مَوْتَى، موتَى، لم يَبْقَ غَدُ
في كلِّ مكانٍ جَسَدٌ يندُبُه محزونْ
لا لحظَةَ إخلادٍ لا صَمْتْ
هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ
الكوليرا
في كَهْفِ الرُّعْب مع الأشلاءْ
في صمْت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءْ
استيقظَ داءُ الكوليرا
حقْدًا يتدفّقُ موْتورا
هبطَ الوادي المرِحَ الوُضّاءْ
يصرخُ مضطربًا مجنونا
لا يسمَعُ صوتَ الباكينا
في كلِّ مكانٍ خلَّفَ مخلبُهُ أصداءْ
في كوخ الفلاّحة في البيتْ
لا شيءَ سوى صرَخات الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
في شخص الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ
الصمتُ مريرْ
لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ
حتّى حَفّارُ القبر ثَوَى لم يبقَ نَصِيرْ
الجامعُ ماتَ مؤذّنُهُ
الميّتُ من سيؤبّنُهُ
لم يبقَ سوى نوْحٍ وزفيرْ
الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ
يبكي من قلبٍ ملتهِبِ
وغدًا لا شكَّ سيلقفُهُ الداءُ الشرّيرْ
يا شبَحَ الهيْضة ما أبقيتْ
لا شيءَ سوى أحزانِ الموتْ
الموتُ، الموتُ، الموتْ
يا مصرُ شعوري مزَّقَهُ ما فعلَ الموتْ

قصيدة: إلى أمي

قال محمود درويش:[٦]

أحنُّ إلى خبز أمي
وقهوة أُمي
ولمسة أُمي
وتكبر فيَّ الطفولةُ
يومًا على صدر يومِ
وأعشَقُ عمرِي لأني
إذا مُتُّ،
أخجل من دمع أُمي!
خذيني، إذا عدتُ يومًا
وشاحًا لهُدْبِكْ
وغطّي عظامي بعشب
تعمَّد من طهر كعبك
وشُدّي وثاقي…
بخصلة شعر…
بخيطٍ يلوَّح في ذيل ثوبك…
عساني أصيرُ إلهًا
إلهاً أصيرْ
إذا ما لمستُ قرارة قلبك!
ضعيني، إذا ما رجعتُ
وقوداً بتنور ناركْ...
وحبل غسيل على سطح دارك
لأني فقدتُ الوقوف
بدون صلاة نهارك
هَرِمْتُ، فردّي نجوم الطفولة
حتى أُشارك
صغار العصافير
درب الرجوع...
لعُشِّ انتظارِك!

المراجع

  1. ^ أ ب ت ث الجامعة المستنصرية، الشعر الحر، صفحة 1-5. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث نازك الملائكة، كتاب قضايا الشعر المعاصر، صفحة 35-40. بتصرّف.
  3. الدكتور عبدالله خضر حمد، قضايا الشعر العربي الحديث، صفحة 111-113. بتصرّف.
  4. عبد السلام صحراوي، الشعر الحر و بناء القصيدة عند نازك الملائكة و بدر شاكر السياب، صفحة 35-38. بتصرّف.
  5. "الكوليرا"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 27/6/2022.
  6. "إلى أمي"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 27/6/2022.
604 مشاهدة
للأعلى للأسفل