تفسير سورة البروج

تفسير سورة البروج

شرح آيات سورة البروج

وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ

قال -تعالى-: (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ)؛[١]يقسم الله -تعالى- بالسماء الّتي فيها الكواكب، والنجوم الكثيرة المنتشرة في أرجاء السماء.[٢]


وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ...وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ

قال -تعالى-: (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)؛[٣]أقسم الله -تعالى- أيضًا باليوم الموعود، واتفقوا على أنّه يوم القيامة، وتنوّعت الآراء في المقصود من (وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)، على الأقوال التالية:[٤]

  • قيل بأن الشاهد هو يوم الجمعة والمشهود هو يوم عرفة، فقد قال القشيري بأن يوم الجمعة شاهد على كل شخص بما عمل فيه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمْعَةِ).[٥]
  • قيل بأنّ الشاهد هو يوم التروية، والمشهود هو يوم عرفة.
  • قيل بأنّ الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر، وهو قول علي بن أبي طالب.
  • قيل بأنّ المشهود هو يوم القيامة، وهو قول الحسين بن علي بن أبي طالب، وذلك لقوله -تعالى-: (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)، وبناء على هذا القول فقد تنوعت الأقوال في الشاهد إلى الأقوال الآتية:
    • قيل بأنّه الله -تعالى-، لقوله -تعالى-: (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً)،[٦](قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ).[٧]
    • قيل بأنّه محمد -صلى الله عليه وسلّم-، لقوله -تعالى-: (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً}،[٨] {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً).[٩]
    • قيل بأنّهم الأنبياء، قال -تعالى-: (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ).[٨]
    • قيل بأنّه عيسى -عليه السلام-، والمشهود هم أمة عيسى، لقوله -تعالى-: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ).[١٠]
    • قيل بأنّه الإنسان، لقوله -تعالى-: (كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)،[١١] وقيل بإنّه أعضاء الإنسان، لقوله -تعالى-: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ).[١٢]
    • قيل بأنّه الأمة، والمشهود هم باقي الأمة، لقول -تعالى-: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ).[١٣]
    • قيل بأنّهم الحفظة، والمشهود هم بني الإنسان.
    • قيل بأنّها الليالي والأيام.


قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ...وَهُمْ عَلى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ

قال -تعالى-: (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ* النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ* إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ* وَهُمْ عَلى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ)،[١٤][١٥] قصّة أصحاب الأخدود، قود ورد فيها بأن رجلًا يُدعى بيوسف بن ذي نواس، كان قد حفر حفرة في الأرض، وكان قد أوقد فيها نارًا، ليلقي فيها كل وحّد الله -تعالى-.[١٦]


وكان قد آمن من قومه عدد ليس بالقليل، فأمرهم بأن يتركوا التوحيد والإيمان بالله -تعالى-، وهددّهم بالحرق في النار، فرفضوا مطلبه، فألقاهم كلهم في النار، واحدًا تلو الآخر، حتى جاء على امرأة لها طفل رضيع، فأشفقت عليه، فعرضوا عليه مرة أخرى الكفر، فرفضت، فضربوها، حتى نطق رضيعها فقال لها بأن أمامها نارًا لن تطفئ أبدأًا، فقامت فألقت نفسها في النار، فجعل الله -تعالى- أرواحهم في الجنّة.[١٦]


وعلاوة على تعذيبهم وقتلهم، لمجرد التهمة الإيمان بالله -تعالى- وتوحيده، فكان أصحاب يوسف بن ذي نوّاس جالسون على طرف الخدن وهم ينظرون ويراقبون سقوط المؤمنين في النار، ومراقبة أشكالهم وهم يعذّبون في النار.[١٦]


وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا...وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ

قال -تعالى-: (وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ *الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)،[١٧][١٨]


في الآية الكريمة تعجّب من ظلم أصحاب الأخدود للمؤمنين، فقد ارتكبوا أشنع الجرائم وأفظعها، إذ أنّه لا لجريمة من شانها أن تلقي أصحابها في النار أحياء.[١٩]


ومحل العجب بأن أصحاب الأخدود كانوا متهودين، فكانوا يؤمنون بالله -تعالى- وحده، ولا يشركون به، فكيف يعذبون أناسًا فعلوا مثلهم تمامًا، وهذا إنْ كان أصحاب الأخدود يهودًا، وإن كانوا مشركين، فالملك غضب لفعلتهم لكونهم وحدّوا الله، وهو مشرك به،[١٩] فالله وما له من الصفات العليا، حقيق بالمؤمنين بأن يُمدحوا على إيمانهم بالله -تعالى-، فهو مستحق للعبادة، وانتهت الآيات الكريمة، بوعيد لأصحاب الأخدود بالعذاب، ووعد للمؤمنين بالثواب العظيم.[٢٠]


إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ...ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ

قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ).[٢١][٢٢]


ما يجمع الفريقين الجزاء من الله -تعالى-، فالّذين عذّبوا المؤمنين على حسن صنيعهم، ثم لم تراجعوا عن تعذيبهم، أو حتى لم يتوبوا بعدما قتلوا المؤمنين، سيكون جزاؤهم في الآخرة عذاب نار جهنّم الحارقة، إذ إنّ الجزاء من جنس العمل، ففي عدم توبتهم خير دليل على إصرارهم على الكفر، وأمّا المؤمنين الموحّدين الذين عملوا الصالحات، وتجنبوا ما يغضب الله -تعالى-، وثبتوا على دينهم، على الرغم من شدة العقبات الّتي واجهوها، فلهم الثواب العظيم في الجنة؛ جنات تجري من تحتها الانهار، خالدين في النعيم المقيمن وهذا هو الفوز الأكبر.[٢٢]


إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ...فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ

قال -تعالى-: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ* إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ* وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ* ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ* فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ)،[٢٣][٢٤]


في هذه الآية طمأنة للمؤمنينن وترهيب للكفار، فإن الله -عز وجل- عذابه شديد، يبدأ العذاب على المشركين في الحياة الدنيا، ثم يعيده مرة أخرى في الحياة الآخرة، كذلك هو الغفور الذي يغفر الذنوب، فيستر على العبد ما قد صدر عنه، وهو الّذي يحب عباده الموحّدين، وفي اقتران الودود بالغفور بأنّ الله -تعالى- يغفر لمن تاب ويحبّه، فهو سبحانه، يحب التوّابين.[٢٤]


وفي قوله (يبدئ ويعيد)،[٢٥] تفسيران عن السلف؛ وهما:[٢٤]

  • أنّه يعذّب في الدنيا ويعيد العذاب في الآخرة وهو قول ابن عباس، وهو الراجح.
  • أنّه يبدئ الخلق ثم يعيده، وهو قول الضحّاك.


هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ...بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ

قال -تعالى-: (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ)،[٢٦] انتقلت الآيات الكريمة، للحديث عن بعض طغاة الزمن، وهم جنود وملأ فرعون وقوم ثمود، وما كان منهم من أذى كانوا قد أوقعوه على أنبيائهم، وفي ذلك توسية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ بأنّ ما يتعرّض له، قد تعرّض له الأنبياء من قبله.[٢٧]


وفيه أيضًا تنبه لكفار قريش بأنّهم إذا ما استمرّوا في تكذيبهم، فستكون عاقبتهم كعاقبة من قبلهم من الكفار، ومع ذلك لم يتّعظ كفار مكة ولم ينتهوا عن الإعلاراض والاستهزاء بل وتعذيب المسلمين، بل زادوا عنادًا، في التصدّي للإسلام، ولرسول الإسلام، وللقرآن الكريم.[٢٧]


وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ...فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ

قال -تعالى-: (وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ* بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ)،[٢٨] اختتمت الآيات الكريمة بالحديث عن قدرة الله -تعالى- على أن ينزل العقاب على أهل مكة، كما حدث للطغاة من قبل، وقد زعم المشركين أقوال باطلة عن القرآن الكريم، فبيّن الله -تعالى- هنا عظمة وتقديس القرآن الكريم وما في من الامور المفصليّة المهمة، التي يحتاجها الإنسان في حياته، من أحكام الدين والدنيا، وهذا القرآن محفوظ عند الله -تعالى- من التحريف والتبديل فهو مكتوب في اللوح المحفوظ فمنع الشياطين من الوصول إليه، ومن اللوح المحفوظ تم نسخ القرآن الكريم والكتب السماوية.[٢٩]


يستفاد مما سبق بأن عاقبة كل الطغاة ستكون بالهلاك في الدنيا، أو الإمهال إلى الآخرة، وبأن الثابتين على الدين، الّذن واجهوا العديد من العقبات جرّاء توحيدهم لله -تعالى-، أعد لهم الله -تعالى- الثواب العظيم، والنعيم المقيم، فلا ييأس الداعية من أي عقبات يواجهها في سبيل دعوته.


أثر سورة البروج على المرء المسلم

مما ياتي بعض من الآثار الإيجابية لسورة البروج على حياة المسلم، وهي كما يأتي:[٣٠]

  • يدرك المسلم بأنّ النصر للمؤمن آت لا محالة، والعقاب للمسيئين لهذا الدين الإسلامي لا مفرّ منه، فيسير المسلم في حياته في طريق الدعوة مطمئن للثواب الّذي ينتظره، غير آبهٍ لما يواجهه من عقبات.
  • يدرك المسلم قوة المؤمنين السابقين الثابتين، فيأخذ من حياتهم دروسًا في الثبات والصبر، ليستعن بهم على عقبات الدعوة، وما يلاقيه من العصاة الكفار.
  • يدرك المسلم بقسم الله -تعالى- بعظمته وقدرته سبحانه المطلقة وملكه لهذا الكون، بأن العاقبة في النهاية ستكون لا محالة للمؤمنين.
  • يدرك المسلم مشهدًا من مشاهد يوم القيامة من شهادة الملائكة على بني الإنسان على أعمالهم، فيسعى المسلم إلى ان يحسن سعيه في الحياة الدنيا، استعداد لهذا اليوم العظيم المهيب.
  • يدرك المسلم بأنّ قد يعمل صالحًا ويقابل على عمله بالسوء، فهذا ليس المعيار الصحيح لصحّة عمله، فالمعيار الصحيح هو رضا الله تعالى.
  • يدرك المسلم بأن الله تعالى يحب المسلم التائب، فيكثر المسلم من التوبة إلى الله -تعالى-، ويحرص على الإخلاص في ذلك.
  • يدرك المسلم بأنّ فتنة المسلمين والمسلمات أمر موجود من قديم الزمان، فما على المسلم إلّا الثبات كما ثبت الّذين من قبله.


يستفاد مما سبق بأن معيار الصحة في ما يعمله الإنسان؛ هو رضا الله -تعالى-، بالإضافة إلى انّ فتنة المؤمنين، السائرين في طريق الدعوة؛ أمر غير مستحدث، فالفتنة موجودة منذ قديم الزمن، والطغاة ما هم إلا أجيال متعاقبة، إلّا أنّه العاقبة ستكون في النهاية لعباد الله -تعالى-.


المراجع

  1. سورة البروج، آية:1
  2. جعفر شرف الدين، الموسوعة القرانية، صفحة 168. بتصرّف.
  3. سورة البروج، آية:2-3
  4. شمس الدين القرطبي، تفسير القرطبي، صفحة 283-284. بتصرّف.
  5. رواه تخريج المسند، في شعيب الأرناؤوط، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم:352، ضعيف.
  6. سورة النساء، آية:79
  7. سورة الانعام، آية:19
  8. ^ أ ب سورة النساء ، آية:41
  9. سورة الاحزاب، آية:45
  10. سورة المائدة، آية:117
  11. سورة الاسراء، آية:14
  12. سورة النور، آية:24
  13. سورة البقرة، آية:143
  14. سورة البروج، آية:1-5
  15. القرطبي، تفسير القرطبي، صفحة 286.
  16. ^ أ ب ت مقاتل بن سليمان، تفسير مقاتل، صفحة 647-648. بتصرّف.
  17. سورة البروج، آية:8-9
  18. القرطبي، تفسير القرطبي، صفحة 294.
  19. ^ أ ب ابن عاشور، التحرير والتنوير، صفحة 244-243. بتصرّف.
  20. ابن عاشور، التحرير والتنوير، صفحة 244. بتصرّف.
  21. سورة البروج، آية:10-11
  22. ^ أ ب وهبة الزحيلي، التفسير الوسيط للزحيلي، صفحة 2853. بتصرّف.
  23. سورة البروج، آية:12-16
  24. ^ أ ب ت مساعد الطيار، تفسير جزء عم للشيخ مساعد الطيار، صفحة 111-110. بتصرّف.
  25. سورة البروج، آية:13
  26. سورة البروج، آية:17-19
  27. ^ أ ب الواحدي، التفسير البسيط، صفحة 397-398. بتصرّف.
  28. سورة البروج ، آية:20-22
  29. القرطبي، تفسير القرطبي، صفحة 298. بتصرّف.
  30. جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، صفحة 167-171. بتصرّف.
4 مشاهدة
للأعلى للأسفل