تفسير سورة العصر

تفسير سورة العصر

تفسير سورة العصر

والعصر إن الإنسان لفي خسر

قال الله -تعالى-: (وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)،[١] الواو: للقسم، وهنا يقسم الله تعالى بالعصر، وإنّ الله تعالى لا يقسم إلا بعظيم، وإذا أقسم الله -تعالى- بأي شيء فقد عظمه، وللعصر، معانٍ، منها:[٢]

  • الدهر: نقول: في هذا العصر القديم؛ يعني الدهور السابقة، وجمعه؛ أعصار، وعصور؛ فعلى هذا المعنى أقسم بالدهر؛ لما يتضمنه الدهر من العجائب.
  • وقت ما بين الظهر والمغرب: يقسم الله تعالى بمخلوقاته؛ ليدلّ على مدى دقة صنعته، كما أقسم بالليل، والنهار، والشمس، والضحى، وغيرها من الأوقات.
  • صلاة العصر: يقسم الله -تعالى- بصلاة العصر؛ تأكيدا على مكانتها؛ لأن الله تعالى دعا للمحافظة عليها، قال الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّـهِ قَانِتِينَ)،[٣] وجاء في بيان معنى الصلاة الوسطى، عن عبدالله: (حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ، حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، أَوِ اصْفَرَّتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «شَغَلُونَا عَنِ ‌الصَّلَاةِ ‌الْوُسْطَى، صَلَاةِ الْعَصْرِ، مَلَأَ اللهُ أَجْوَافَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ نَارًا).[٤]


وقوله: (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)، جاءت كلمة (الإنسان) مُعرّفة، والتعريف هنا للاستغراق؛ أي تستغرق كل إنسان دون استثناء، وقد تضمنت هذه الكلمات توكيدين؛ حرف (إنّ)، واللام في كلمة (لفي)، يؤكد الله تعالى أن الإنسان خاسر في كل شيء؛ لأنه أطلق كلمة (خُسر) ولم يقيدها بنوع معين من الخسران، فهو خاسر في معاشه ومآله، ودينه ودنياه.[٢]


الأصناف الذين استثنتهم السورة من الخسران

في قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) دلت الآية على أن كل إنسان، خاسر خسراناً كبيراً، لكن جاءت الآية التالية لتستثني من ذلك الخسران، بعض الناس، قال الله -تعالى-: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[٥] استثنت الآية من الخسران، ما يأتي:


الذين آمنوا وعملوا الصالحات

قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، استثنى الله تعالى من الخسران المؤمنين والصالحين، الذين صدقوا الله ووحدوه، والتزموا أوامره، واجتنبوا نواهيه، والتزموا الصراط المستقيم.[٦]


المتواصون بالحق  

تفسير (الحقّ) في هذه الآية، له معان كثيرة، منها:[٧]

  • الله تعالى: لأن الحق من أسماء الله تعالى.
  • التوحيد: لآن الشرك باطل، وتوحيد الله تعالى هو الحقّ.
  • القرآن: القرآن حق منزل من الله لا ريب فيه.
  • الموت: الموت حقيقة، يؤمن بها الكافر والمؤمن، وكل الخلق يؤمنون بالموت، ويدركونه.

والذين يتواصون على هذه الأشياء، بغض النظر عن معناها؛ فإنهم ليسوا خاسرين.


المتواصون بالصبر 

تفسير (الصبر) في هذه الآية، له معانِ كثيرة، منها:[٨]

  • الصبر على المعاصي: لأن كثيرا من المعاصي تكون بسبب الشهوات، ومن أصعب أنواع الصبر أن تصبر عن شهوتك.
  • الصبر على الطاعات: أكثر الطاعات لا تتمّ إلا بمشقة، والقيام بالأعمال الشاقّة، وترك راحة النفس، تحتاج إلى صبر.

والمسلمون ينصح بعضهم على فعل الطاعات، وترك المعاصي، وهذا هو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.


التعريف بسورة العصر

سورة العصر، سورة مكية، عدد آياتها ثلاث، ولم يرد في سبب نزول سورة العصر شيء، أما قصة عمرو بن العاص مع مسيلمة الكذاب، وذلك أن مسيلمة لما سمع السورة قال: وأنا أنزل علي مثلها، فألّف على الفور سورة، فهذا لا يعد من أسباب النزول؛ لأنه جرى بعد نزول السورة، وسبب النزول يكون في الوقت نفسه.[٩]


ومن فضائل هذه السورة؛ أنه كان الرجلان من الصحابة لا يتفرقان إلا بعد قراءة السورة، وأن الشافعي قال في فضلها: "لو تدبر الناس هذه السورة، لوسعتهم".[٩]


ما يستفاد من سورة العصر

سورة العصر على قصرها، حَوَت كنوزاً من المعاني، ويستفاد من سورة العصر ما يأتي:

  • التأكيد على أفضلية صلاة العصر، والاهتمام بها.
  • الإنسان بدون إيمان وعمل صالح وصبر يخسر في الدنيا والآخرة.
  • ضرورة الإيمان بالله تعالى، والقيام بالعمل الصالح؛ لتجنب الخسارات الدنيوية والدينية.
  • التأكيد على تواصي المؤمنين فيما بينهم وتناصحهم، في عمل المعروف، وفي ترك المنكر.


أقسم الله تعالى أنّ الإنسان خاسر لا حدود لخسارته، إلا إن اهتدى بالإيمان بالله تعالى والعمل الصالح، وتواصى مع من يعرفهم من المؤمنين بالحق والصبر.



المراجع

  1. سورة العصر، آية:1-2
  2. ^ أ ب أبو حيان الظاهري (1423)، البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (الطبعة 2)، بيروت:دار الكتب العلمية، صفحة 350، جزء 7.
  3. سورة البقرة، آية:238
  4. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن ابن مسعود، الصفحة أو الرقم:627، صحيح.
  5. سورة العصر، آية:3
  6. ابن جرير الطبري (1422)، تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن (الطبعة 1)، صفحة 614، جزء 24. بتصرّف.
  7. الماوردي، تفسير الماوردي (النكت والعيون)، بيروت لبنان:دار الكتب العلمية، صفحة 334، جزء 6.
  8. أبو المظفر السمعاني (1418)، تفسير القرآن (الطبعة 1)، الرياض:دار الوطن، صفحة 279، جزء 6. بتصرّف.
  9. ^ أ ب ابن كثير (1420)، تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (الطبعة 2)، صفحة 479، جزء 8. بتصرّف.
7 مشاهدة
للأعلى للأسفل