تفسير سورة الكهف للقرطبي

تفسير سورة الكهف للقرطبي


تفسير المقطع الأول

يشتمل المقطع الأول من سورة الكهف: الآيات (1-31)، ومن أبرز ما ورد في تفسير القرطبي للآيات في هذا المقطع ما يأتي:

  • (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا* إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)[١]

تحمل هذه الآية توجيهاً للنبي بعدم العجلة حين وعد الذين سألوه عن الروح والفتية وذي القرنين بأنه سيعطيهم الإجابة غداً، ولكنه لم يقل "إن شاء الله"؛ فاحتبس الوحي لمدة أسبوعين حتى اشتد الأمر عليه، وبدأ الكفار يستهزئون.[٢]

فجاء التوجيه التربوي بأن لا يقول في أمرٍ من الأمور إني سأفعل غداً كذا وكذا، إلا أن يُعلق ذلك بمشيئة الله -عز وجل-؛ تأدباً مع مقامه -تعالى-، وقوله: (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) حذفٌ للإيجاز، "وتقديره: إلا أن تقول إلا أن يشاء الله".[٢]

  • (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)[٣]

أي سبحان الله ما أبصره وأسمعه! فلا أحد أبصر ولا أسمع منه -سبحانه-، ولا مانع من حمل معنى (أَبْصِرْ بِهِ)؛ أي عليك أن تنير بصيرتهم بوحي ربك، وأن تسمِع به العالم، فيكونان أمرين له -عليه السلام-.[٤]

وهنالك معنى ثالث محتمل، وهو: عليك أن تبصرهم بما قال الله فيهم، وأن تسمِعهم، ولو كان يسوءهم،[٤] وقد أيّد الأخفش القول الأول، وقال: "ما أبصره وأسمعه، كما تقول: "أكرِم به" أي: ما أكرمه".[٥] 

تفسير المقطع الثاني

يشتمل المقطع الثاني من سورة الكهف: الآيات (32-59)، ومن أبرز ما ورد في تفسير القرطبي للآيات في هذا المقطع ما يأتي:

  • (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)[٦]

جمع هذا الأسلوب الخطابي ثلاثة أغراض: توبيخ من المؤمن لصاحبه الكافر، وردٌّ على شبهته حين قال: (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا)،[٧] ووصية له في المستقبل، وفي الجملة حذف تقديره: "هذه الجنة هي ما شاء الله".[٨]

وقدره كل من الزجاج والفراء بقولهما: "الأمر ما شاء الله، أو: هو ما شاء الله"؛ أي الأمر بمشيئة الله -تعالى-، وحاصل جميع التقديرات: ما اجتمع لك من المال والثمر فهو بقدرة الله -تعالى- وقوته، لا بقدرتك ولا بقوتك، فلو شاء لنزع البركة منه وهلك.[٨]

  • (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ)[٩]

تشبيه الدنيا بالماء من وجوه، منها: الماء دائم التحرك لا يستقر في موضع؛ وكذلك الدنيا متغيرة لا تبقى ثابتة على أحد، كما أن الماء لا يستقيم على حالة واحدة وكذلك الدنيا، إضافة لأن الماء يفنى ويتبخّر أو يغور؛ وكذلك الدنيا تفنى سريعاً.[١٠]

وأيضاً الماء لا يلمسه أحد إلا ولا يبتلَّ بسببه؛ وكذلك الدنيا لا يسلم أحدٌ ممن دخلها مِن فتنتها وآفاتها، كما أنَّ التوازن في مطلوب بقدرٍ محدد ليكون نافعاً منبتاً، فإذا تجاوزه صار ضاراً مهلكاً، والدنيا زيادتها تضر بصاحبها.[١٠]

تفسير المقطع الثالث

يشتمل المقطع الثالث من سورة الكهف: الآيات (60-82)، ومن أبرز ما ورد في تفسير القرطبي للآيات في هذا المقطع ما يأتي:

  • (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)[١١]

سؤال موسى للخضر سؤال تلطُّف من المتعلم لمعلمه، وفيه المبالغة بحسن الأدب، وكأنه سأل الخضر: هل مسيري معك يتفق لهواك ويخف عليك بلا إثقال؟ وفي هذه الآية دليل على أنَّ على المتعلم أن يتبع العالم حتى وإن تفاوتت المراتب بينهما.[١٢]

ولا يُظنُّ بأنَّ في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى، فالخضر إن كان ولياً فموسى أفضل منه؛ لأنه نبي والنبي أفضل من الولي، وحتى إن كان نبياً، فموسى فضله بأنه من أولي العزم.[١٢]

  • (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)[١٣]

أسند الخضر بناء الجدار إلى الله (فَأَرَادَ رَبُّكَ)؛[١٤] لأنَّ ذلك فيه خير كله فأضافه إلى الله -تعالى-، ولكنه أضاف عيب السفينة إلى نفسه (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا)؛[١٥] رعايةً للأدب؛ لأنها لفظة عيب فتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه.[١٦]

ولكنه قال في الغلام: (فَأَرَدْنَا)،[١٧] فكأنه أضاف القتل إلى نفسه، والتبديل إلى الله -تعالى-،[١٦] وقيل: لأن القتل كان منه، وإزهاق الروح كان من الله -عز وجل-.[١٨]

تفسير المقطع الرابع

يشتمل المقطع الرابع من سورة الكهف: الآيات (83-نهاية السورة)، ومن أبرز ما ورد في تفسير القرطبي للآيات في هذا المقطع ما يأتي:

  • (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا)[١٩]

قال لهم ذو القرنين: صحيح أنَّ الله -تعالى- بسط لي من الأسباب ما فيه أعظم من أموالكم، وأنا مستغنٍ عن الحاجة لكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان -أي برجال وعمل منكم بالأبدان والآلة- كي أبني لكم بها الردم المطلوب، وفي هذه الآية دليل على أن الحاكم فرضٌ عليه أن يقوم بحماية رعاياه، وسد فرجتهم، وإصلاح ثغورهم، من أموالهم التي تفي عليهم.[٢٠]

  • (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)[٢١]

ومن شؤم الرياء أنه قد يُفضي بصاحبه إلى استهزاء الناس به، ويذكرون في ذلك حكايات، منها: أن طاهر بن الحسين قال لأبي عبد الله المروزي: منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عبد الله؟ قال: دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائم، فقال يا أبا عبد الله سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين.[٢٢] وحكى الأصمعي أن أعرابياً صلى فأطال وكان إلى جانبه قوم، فقالوا: ما أحسن صلاتك؟ فقال: وأنا مع ذلك صائم.[٢٢]

المراجع

  1. سورة الكهف، آية:23-24
  2. ^ أ ب شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، صفحة 385.
  3. سورة الكهف، آية:26
  4. ^ أ ب شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، صفحة 388. بتصرّف.
  5. الأخفش الأوسط، معانى القرآن، صفحة 429.
  6. سورة الكهف، آية:39
  7. سورة الكهف، آية:35
  8. ^ أ ب شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، صفحة 406. بتصرّف.
  9. سورة الكهف، آية:45
  10. ^ أ ب شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، صفحة 412. بتصرّف.
  11. سورة الكهف، آية:66
  12. ^ أ ب شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، صفحة 17. بتصرّف.
  13. سورة الكهف، آية:82
  14. سورة الكهف، آية:82
  15. سورة الكهف، آية:79
  16. ^ أ ب شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، صفحة 39. بتصرّف.
  17. سورة الكهف، آية:81
  18. الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، صفحة 302.
  19. سورة الكهف، آية:95
  20. شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، صفحة 60.
  21. سورة الكهف، آية:110
  22. ^ أ ب شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، صفحة 71. بتصرّف.
17 مشاهدة
للأعلى للأسفل