حكم تهذيب اللحية

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:٣٧ ، ٣٠ يوليو ٢٠١٧
حكم تهذيب اللحية

الزِّينة في الإسلام

دعا الإسلام إلى الاهتمام بالمظهر الخارجيّ للمُسلم، ورغَّبه في أن يعتني بهيئته ومَظهره ولباسه؛ بل أمَر بأخذ الزِّينة ونَدَب إليها في نصوصٍ شرعيَّةٍ عديدةٍ من القرآن الكريم وسنَّة النَّبي -عليه الصَّلاة والسلَّام-، فلم يكن الأمر في الشَّرع بالأحكام المتعلّقة بالعقيدة والإيمان والعبادة والطاعة فحسب، بل كان الاهتِمام بالمظهر وحسنه مُوازياً للاهتمام بالأحكامِ الشرعية الأخرى.


رَبط الإسلام الاهتمامَ بالمَظهر في كثيرٍ من الأحيان بأحكامٍ عباديَّةٍ وعمليَّة، كما جاء في قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)،[١] وكَذلك ربطه بالغسل والوضوء لأداء الصلوات، كما في قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ ...)،[٢] وغيرها الكَثير من الأحكام التي فيها اهتمامٌ بالمَظهر وفي جوهرها ترغيبٌ بالتزيّن والتَّجمُّل قدر المستطاع من غير سرفٍ وزيادةٍ، ولا تبخيسٍ وتفريط؛ ليكون المسلم في ظاهره وباطنه وجوهره ومخبره على أفضل حالٍ وهيئةٍ تُرضي الله تعالى وتسرُّه، وكذلك تسرُّ سائر النَّاس وتحبِّبهم به خِلقةً وخُلقاً.


بيّن النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- جملةً من الأمور عدَّها سننًا للفطرة على كلِّ مسلمٍ أن يقوم ويعتني بها ولا يُهملها؛ إذ هي جزء من الفطرة السَّليمة لكلِّ مسلم، وهذه الأمور كما جاء في حديث النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- فيما روته عنه أمُّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- هي: (عشرٌ من الفِطرةِ: قصُّ الشَّاربِ، وإعفاءُ اللِّحيةِ، والسِّواكُ، واستِنشاقُ الماءِ، وقصُّ الأظفارِ، وغسلُ البراجمِ، ونَتفُ الإبطِ، وحلْقُ العانةِ، وانتقاصُ الماءِ. قال زكريَّاءُ: قال مصعبٌ: ونَسيتُ العاشرةَ، إلَّا أن تَكونَ المضمضةَ، زاد قُتيبةُ: قال وكيعٌ: انتقاصُ الماءِ يعني الاستنجاءَ)، وتالياً في هذا المقال حديثٌ عن إحدى سُنن الفطرة، وهي اللحية، وتعريفٌ بما هي، وتَوضيحٌ لحكمها وحكم إعفائها، وبيانٌ لحكم تهذيب اللحية، وأقوال أهلُ العلم فيها.


تعريف اللحية وحكمها

تعريف اللحية

يَقول ابن منظور: اللحية من اللِّحي وهو منبت اللحية من الإنسان، وتجمع على أَلحٍ، وقد تجمع جمع تكثيرٍ على لُحِيٍّ، ويُقال: رجلٌ ألحى ولحياني أي طويل اللحية، واللحية اسمٌ للشعر الذي ينبت على الخدين والذَّقن،[٣] فالمُراد باللحية الشعر النَّابت على الخدَّين والذَّقن وجانبي الوَجه.[٤]


حكم اللحية

ذَهب جُمهور الفُقهاء من الحَنفيَّة والمالكيَّة والحَنابلة والشَّافعيَّة في قَولٍ عندهم إلى وجوب اللحية وحُرمة حلقها في حين ذهب الشَّافعيَّة في المُعتمد من مذهبهم إلى القول بكراهة حلق اللحية لا حُرمته،[٤] واستدلّ الجُمهور على حُرمة حلق اللحية بما رواه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام-: (خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشواربَ)،[٥] وكَذلك ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -عليه الصَّلاة والسَّلام- قال: (جُزُّوا الشَّواربَ وأرخوا اللِّحَى، خالِفوا المجوسَ).[٦]


حكم تهذيب اللحية

يمكن تناول تهذيب اللحية وحكمه، ببيان صور التَّهذيب وما يتضمَّنه على النحو الآتي:[٣]

  • أخذ ما زاد عن القبضة: يُرادُ به قصُّ أو حلقُ ما زاد من اللحية عن قبضة اليد؛ إذ يُمسك بشعر اللحية بقبضة اليد فما زاد عنها يُحلق، وأخذ ما زاد عن القبضة جائزٌ عند جملةٍ من الفقهاء منهم الحنفيَّة والحنابلة، واستنَدَ القائلون بالجَواز إلى فعل عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- فيما رُوي عنه كما جاء في صحيح البخاري: (...وكان ابنُ عمرَ: إذا حجَّ أو اعتمر قبض على لحيتِه، فما فضل أخذَه)،[٥] ومن الفقهاء من لم يُجز الأخذ من اللحية حتى ما زاد عن القبضة، كالإمام النووي مُستنداً في رأيه إلى ظاهر النَّص الذي ورد عن النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- بإعفاء اللحية وإرخائها في قوله -عليه الصَّلاة والسَّلام- السَّابق الذِّكر: (وأرخوا اللحى)، فتبقى بناءً على أصحاب هذا القول اللحية على حالها، ولا يؤخذ منها لا من طولها ولا من عرضها لا بتقصيرٍ ولا بغيره.
  • العناية باللحية بالأخذ بما زاد منها إذا تشوّهت بإفراط طولها وعرضها: فإنَّ الرجل إذا طال شعر لحيته وزاد عرضها بكثافة الشعر بصورةٍ مفرطةٍ فإنَّ من الفُقهاء من يَرى جواز الأخذ منها في هذه الحالة، لأنَّه إذا لم يأخذ منها وهي على هذه الشاكلة يُعرّض نَفسهُ للسخرية من الآخرين، أو رُبّما كانت مدعاةً للشهرة المنهي عنها؛ لفحش طولها أو عرضها، كما أنَّ تهذيب شعر اللحية والعناية بمظهرها داخلٌ في أمر النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام-: (من كانَ لَهُ شَعرٌ فليُكرمْهُ)،[٧] وفي هذا اتباعٌ للتوجيه الربَّاني بأخذ الزينة عند قصد المسجد وغيره، وكذلك اتباعٌ للنهج النَّبوي الذي أخبرت عنه أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: (كان لا يفارقُ مسجدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سواكَه ومشطَه وكان ينظرُ في المرآةِ إذا سرَّح لحيتَه).[٨]


مظاهر العناية باللحية

لِلعناية باللحية مَظاهر عدَّةٌ أجازَها الشّرع وندب إليها، ومن هَذه المظاهر:[٤]

  • تطييب اللحية وترجيلها: والمراد بالتَّطيب أي تعطير اللحية ودهنها بالعطر، وأمَّا الترجيل فيراد به تسريح شعر اللحية، وهي من الأمور المندوبة، بل هي من النظافة التي حثَّ عليها الشرع وأمر بها، وتطيب اللحية فعل النَّبي -عليه الصَّلاة والسلام- كما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالت: (كنتُ أُطَيِّبُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأطيَبِ ما يجدُ، حتى أجدَ وَبيصَ الطِّيبِ في رأسِه ولحيتِه).[٩]
  • صبغ اللحية: فإنَّ من السُّنَّة صبغ الرجل للحيته إذا بدا فيها الشيب وظهر فيها البياض.

المراجع

  1. سورة الأعراف، آية: 31.
  2. سورة المائدة، آية: من الآية 6.
  3. ^ أ ب ابن منظور (1414هـ)، لسان العرب (الطبعة الثالثة)، بيروت: دار صادر، صفحة 243، جزء 15. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت مجموعة من العلماء، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: دار الصفوة، صفحة 222-228، جزء 35.
  5. ^ أ ب رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 5892.
  6. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 260.
  7. رواه الألباني، في صحيح أبي داود، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 4163، حسنٌ صحيح.
  8. رواه الهيثمي، في مجمع الزوائد، عن عائشة بنت أبي بكر، الصفحة أو الرقم: جزء5، صفحة174.
  9. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عائشة بنت أبي بكر، الصفحة أو الرقم: 5923.