حكم وعبر دينية

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٤٧ ، ١٠ فبراير ٢٠١٦
حكم وعبر دينية

حكم وعبر دينية

أخفى الله سبحانه وتعالى القبول لتبقى القلوب على وجل، وأبقى أبواب التوبة مفتوحةً ليبقى الأمل موجوداً، وجعل العبرة بالخواتيم لئلا يحتقر أحدٌ أحداً مهما بلغ من العمل، ونذكر في هذا المقال بعضاً من الحكم والعبر الدّينية، ونماذج من أقوال الصّالحين والصّحابة رضوان الله عليهم.


خُطب أبو بكر الصديق

عن عبد الله بن عكيم قال: خطبنا أبو بكر فقال:" أمّا بعد: فإنّي أوصيكم بتقوى الله عزّ وجلّ، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تخلطوا الرّغبة بالرّهبة، وأن تجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإنّ الله عزّ وجلّ أثنى على زكريا وعلى أهل بيته، فقال:" إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ". ثمّ اعلموا عباد الله أنّ الله عزّ وجلّ قد ارتهن بحقّه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم، لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره، فصدّقوا قوله، وانتصحوا كتابه، واستبصروا فيه ليوم الظلمة، فإنّما خلقكم للعبادة، ووكّل بكم الكرام الكاتبين، يعلمون ما تفعلون.

ثمّ اعلموا عباد الله إنّكم لتغدون وتروحون في أجل قد غُيِّبَ عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل لله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي، فتردّكم إلى سوء أعمالكم، فإنّ قوماً جعلوا آجالهم لغيرهم، فنسوا أنفسهم، فنهاكم أن تكونوا أمثالهم. الوحاء الوحاء، النّجاء النّجاء، إنّ وراءكم طالباً حثيثاً، مَرُّه سريع "، رواه ابن أبي شيبة، وأبو نعيم، والحاكم، وغيرهم.

وعن موسى بن عقبة، أنّ أبا بكر الصّديق كان يخطب فيقول:" الحمد لله ربّ العالمين، أحمده وأستعينه، ونسأله الكرامة فيما بعد الموت، فإنّه قد دنا أجلي وأجلكم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالحقّ بشيراً، ونذيراً، وسراجاً منيراً، " لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ "، ومن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد ضلّ ضلالاً مبيناً.

أوصيكم بتقوى الله، والاعتصام بأمر الله الذي شرع لكم وهداكم به، فإنّ جوامع هدى الإسلام بعد كلمة الإخلاص السّمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم، فإنّه من يطع ولي الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فقد أفلح، وأدّى الذي عليه من الحقّ، وإيّاكم واتباع الهوى، فقد أفلح من حفظ من الهوى، والطمع، والغضب.

وإيّاكم والفخر، وما فخر من خلق من تراب، ثمّ إلى التراب يعود، ثمّ يأكله الدّود، ثمّ هو اليوم حيّ وغداً ميّت؟! فاعملوا يوماً بيوم، وساعةً بساعة، وتوقوا دعاء المظلوم، وعدّوا أنفسكم في الموتى، واصبروا فإنّ العمل كله بالصّبر، واحذروا والحذر ينفع، واعملوا والعمل يقبل، واحذروا ما حذّركم الله من عذابه، وسارعوا فيما وعدكم الله من رحمته وثوابه، وافهموا تفهموا، واتقوا توقوا، فإنّ الله قد بيّن لكم ما أهلك به مَنْ كان قبلكم، وما نجا به مَنْ نجا قبلكم، قد بيّن لكم في كتابه حلاله وحرامه، وما يحبّ من الأعمال وما يكره، فإنّي لا ألوكم ونفسي، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

واعلموا أنّكم ما أخلصتم لله من أعمالكم فربّكم أطعتم، وحظّكم حفظتم، واغتبطتم، وما تطوعّتم به فاجعلوه نوافل بين أيديكم، تستوفوا بسلفكم، وتعطوا أجركم حين فقركم وحاجتكم إليها. ثمّ تفكروا عباد الله في إخوانكم وصحابتكم الذين مضوا، قد وردوا على ما قدموا فأقاموا عليه، وحلوا في الشّقاء والسّعادة فيما بعد الموت، إنّ الله ليس له شريك، وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيراً، ولا يرصف عنه سوءاً إلا بطاعته واتباع أمره، فإنّه لا خير في خير بعده النّار، ولا شرّ في شرّ بعده الجنّة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلوا على نبيّكم - صلّى الله عليه وسلّم - والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته "، أخرجه ابن أبي الدّنيا. (1)


خُطب عثمان بن عفان

عن الحسن أنّ عثمان بن عفان خطب النّاس، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:" أيّها الناس اتقوا الله فإنّ تقوى الله غُنم، وإنّ أكيس الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، واكتسب من نور الله نوراً لظلمة القبر، وليخش عبد أن يحشره الله أعمى وقد كان بصيراً، وقد يكفي الحكيم جوامع الكلم، والأصمّ ينادى من مكان بعيد. واعلموا أنّ من كان الله له لم يخف شيئاً، ومن كان الله عليه فمن يرجو بعده؟! "، رواه الدينوري وابن عساكر.

وعن عثمان أنّه كان يقول في خطبته:" إذا قام الإمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا وأنصتوا، فإنّ للمنصت الذي لا يسمع من الحظّ مثل ما للمستمع المنصت "، رواه مالك في الموطئ. (1)


مواعظ إبراهيم الخليل

حدّثنا أبو عبيد: قال حدثنا عبّاد بن عبّاد قال: حدّثنا واصل مولى أبي عيينة، عن موسى بن عبيدة قال: نزلت على صيفي بن هلال، فذكر عبادته واجتهاده، وكان صاحب كتب، وكانت له سراويلان، إحداهما عليه والأخرى معلقة، فإذا رابه من هذه شيء، أنزل تلك ثمّ غسل هذه، قال: فسألته عن ذلك، فقال:" إنّي وجدت في بعض ما أنزل الله من الكتب أنّ الله أوحى إلى إبراهيم، أن يا إبراهيم أنت خليلي، وأطوع من في الأرض لي، فإذا قمت تصلي لي وتعبدني، فإن استطعت ألا ترى الأرض عورتك فافعل ". (2)


تبصر في نفسك

يا من نسي العهد القديم وخان، من الذي سوّاك في صورة الإنسان؟ من الذي غذّاك في أعجب مكان؟ من الذي بقدرته استقام الجثمان؟ من الذي بحكمته أبصرت العينان؟ من الذي بصنعته سمعت الأذنان؟ من الذي وهب العقل فاستبان للرشد وبان؟ من الذي بارزته بالخطايا وهو يستر العصيان؟ من الذي تركت شكره فلم يؤاخذ بالكفران؟ إلى كم تخالفني وما يصبر على الخلاف الأبوان، وتعاملني بالغدر الذي لا يرضاه الإخوان، وتنفق في خلافي ما عزّ عندك وهان، ولو علم النّاس منك ما أعلم، ما جالسوك في مكان، فارجع إليّ في ذلك فأنا المعروف بالإحسان.

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحبّ إلا للحبيب الأوّل

كم منزل في الأرض يألفه الفتى

وحنينه أبداً لأوّل منزل.

يا مبارزاً بالقبيح مهد عذرك، يا مواصلاً نقض العهود جانب غدرك، يا مديماً للتواني تدبّر أمرك، يا مؤثراً ما يفنى على ما يبقى خالفت خبرك، يا لاهياً في أيّام العوافي والله ما تترك، يا واقفاً مع الأماني ضيّعت عمرك، يا فارحاً بقصره تذكّر قبرك، يا حاملاً أثقال الذّنوب هلا خفّفت ظهرك؟ سار الصّالحون إلى ذكرنا وآثرت هجرك، وسمعت سيرهم وضيّعت أجرك.

إن أردت صحبة المتّقين فاشرح لليقين صدرك، وإن أحببت حلاوة العواقب فاستعمل صبرك، إن حلا شراب مناجانتا فبدّد خمرك، إن طاب لك سماع ذكرنا فاكسر زمرك، اعتبر عن خلّ الثرى والكفان، وتفكّر في البلاء، وتذكّر ذاك الرّفاق، فما بينك وبين هذا الآفات إلا أن تعاين الوفاة. (3)


عد إلى ربك

أيّها العبد: تناه عن قبيح فعلك قبل انبثاث جهلك، وانظر لنفسك في أمرك قبل حلولك في قبرك. كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز:" أمّا بعد، فكأنّك بالدّنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل "، ووعظ أعرابي ابنه، فقال:" لا الدّهر يعظك، ولا الأيّام تنذرك، والسّاعات تعدّ عليك، والأنفاس تعدّ منك، أحبّ أمريك إليك أردّهما بالمضرّة عليك ".

ووجد على حجر مكتوب:" ابن آدم، لو رأيت ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك، ولرغبت في الزّيادة في عملك، ولقصرت من جهلك وحيلك، وإنّما يلقاك ندمك إذا زلّت قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وباعدك الولد القريب، ورفضك الولد والنّسيب، فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد، فاعمل ليوم القيامة، قبل الحسرة والنّدامة ".

وقف قوم على راهب فقالوا:" إنّا سائلوك، أفمجيبنا أنت؟ فقال: لا تكثروا فإنّ النّهار لم يرجع، والعمر لن يعود، والطالب حثيث في طلبه، ذو اجتهاد، فقالوا: ما على الخلق غداً عند مليكهم؟ قال: على نيّاتهم، قالوا: فأنّى الموئل؟ فقال: إلى المقدّم، قالوا: فأوصنا، قال: تزوّدوا على قدر سفركم، فإنّ خير الزّاد ما بلغ البغية ".

يا هذا: لا تجزع لرؤية ملك الموت، وتعال وأنت تشاهد فيها عملك، عمرك قليل، وقد ضيّعت أكثره، فكيف شعورك في البقيّة، ولعلّ هذا اليوم الآخر، والليلة الأخيرة، فما أرخص ما يباع عمرك، وما أغفلك عن السّرى، إنّما المرض نهاية الصّحة، والفرق قرين الوصلة، والأيّام ترحل، ولابد من مسّة بدن والحبيب مفارق، والمرء رهن مصائب.

الأيام تنقضي حتى يواري جسمه في رمسه، فمؤجّل يلقي الردى في غيره، ومعجّل يلقي الردى في نفسه، الدّنيا لمن فهم قنطرة العبور، وسوق التّزود، ومطهرة التّنظيف، وزراعة للحصاد، فأمّا للعاقل فهي مفرّقة المجامع، ومحزنة الرّبوع، ومجرّبة الدّموع. من نال من دنياه أمنيته أسقطت الأيّام منها الألف.

اطلب فيها قدر بلغتك، وخذ مقدار حاجتك، خصّها خصوص المسافر في طلب علف بعيره، اطلب الدّنيا قدر الحاجة، واطلب الآخرة على حسب الطاقة، هذا ولو أنّك بلغت إلى الحمى التّوكل لاستراح قلبك، وغذّاك الله كما يغذّي الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً. (3)


المراجع

(1) بتصرّف عن كتاب موعظة الحبيب وتحفة الخطيب/ علي بن سلطان الهروي القاري/ دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري- دبي/ الطبعة الأولى.

(2) بتصرّف عن كتاب الخطب والمواعظ لأبي عبيد/ أبو عبيد القاسم الهروي البغدادي/ مكتبة الثقافة الدينية/ الطبعة الأولى.

(3) بتصرّف عن كتاب مواعظ ابن الجوزي- الياقوتة/ جمال الدين أبو الفرج الجوزي.