ديوان ابن زيدون

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:١٧ ، ٢٣ نوفمبر ٢٠١٥
ديوان ابن زيدون

أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون المخزومي، من أشهر الشعراء والكتاب في العصر الأندلسي، برع بالنثروالشعر، له ديوان شعر تميز بالرقة والعذوبة والصور الشعرية المبتكرة.


ديوان ابن زيدون

قل للوزير وقد قطعت بمدحه

قل للوزير وقد قطعت بمدحه
زمني فكان السجن منه ثوابي

لا تخش في حقّي بما أمضيته
من ذاك فيّ ولا توقّ عتابي

لم تخط في أمري الصواب موفّقاً
هذا جزاء الشاعر الكذّاب


هذا الصباح على سراك رقيبا

هذا الصباح على سراك رقيبا
فصلي بفرعك ليلك الغربيبا

ولديك أمثال النجوم قلائد
ألفت سماءك لبّةً وتريبا

لينب عن الجوزاء قرطك كلّما
جنحت تحثّ جناحها تغريبا

وإذا الوشاح تعرّضت أثناؤه
طلعت ثريّا لم تكن لتغيبا

ولطالما أبديت إذ حيّيتنا
كفّاً هي الكفّ الخضيب خضيبا

أظنينةً دعوى البراءة شأنها
أنت العدوّ فلم دعيت حبيبا

ما بال خدّك لا يزال مضرّجاً
بدم ولحظك لا يزال مريبا

لو شئت ما عذّبت مهجة عاشق
مستعذب في حبّك التعذيبا

ولزرته بل عدته إنّ الهوى
مرض يكون له الوصال طبيبا

ما الهجر إلّا البين لولا أنّه
لم يشح فاه به الغراب نعيبا

ولقد قضى فيك التجلّد نحبه
فثوى وأعقب زفرةً ونحيبا

وأرى دموع العين ليس لفيضها
غيض إذا ما القلب كان قليبا

ما لي وللأيّام لجّ مع الصبا
عدوانها فكسا العذار مشيبا

محقت هلال السنّ قبل تمامه
وذوى بها غصن الشباب رطيبا

لألمّ بي ما لو ألمّ بشاهق
لانهال جانبه فصار كثيبا

فلئن تسمني الحادثات فقد أرى
للجفن في العضب الطرير ندوبا

ولئن عجبت لأن أضام وجهور
نعم النصير لقد رأيت عجيبا

من لا تعدّي النائبات لجاره
زحفاً ولا تمشي الضراء دبيبا

ملك أطاع الله منه موفّق
ما زال أوّاباً إليه منيبا

يأتي رضاه معادياً وموالياً
ويكون فيه معاقباً ومثيبا

متمرّس بالدهر يقعد صرفه
إن قام في نادي الخطوب خطيبا

لا يوسم الرأي الفطير به ولا
يعتاد إرسال الكلام قضيبا

تأبى ضرائبه الضروب نفاسةً
من أن تقيس به النفوس ضريبا

بسّام ثغر البشر إن عقد الحبا
فرأيت وضّاحاً هناك مهيبا

ملأ النواظر صامتاً ولربّما
ملأ المسامع سائلاً ومجيبا

عقد تألّف في نظام رياسة
نسق اللآلئ منجباً ونجيبا

يغشى التجارب كهلهم مستغنياً
بقريحة هي حسبه تجريبا

وإذا دعوت وليدهم لعظيمة
لبّاك رقراق السماح أديبا

همم تنافسها النجوم وقد تلا
في سؤدد منها العقيب عقيبا

ومحاسن تندى رقائق ذكرها
فتكاد توهمك المديح نسيبا

كالآس أخضر نضرةً والورد أحمر
بهجةً والمسك أذفر طيبا

وإذا تفنّن في اللسان ثناؤه
فافتنّ لم يكن المراد غريبا

غالى بما فيه فغير مواقع
سرفاً ولا متوقّع تكذيبا

كان الوشاة وقد منيت بإفكهم
أسباط يعقوب وكنت الذيبا

وإذا المنى بقبولك الغضّ الجنى
هزّت ذوائبها فلا تثريبا

أنا سيفك الصدئ الّذي مهما تشأ
تعد الصقال إليه والتذريبا

كم ضاق بي من مذهب في مطلب
فثنيته فسح المجال رحيبا

وزها جناب الشكر حين مطرته
بسحائب النعمى فردّ خصيبا


أجدّ ومن أهواه في الحبّ عابث

أجدّ ومن أهواه في الحبّ عابث
وأوفي له بالعهد إذ هو ناكث

حبيب نأى عنّي مع القرب والأسى
مقيم له في مضمر القلب ماكث

جفاني بإلطاف العدا وأزاله
عن الوصل رأي في القطيعة حادث

تغيّرت عن عهدي وما زلت واثقاً
بعهدك لكن غيّرتك الحوادث

وما كنت إذ ملّكتك القلب عالماً
بأنّي عن حتفي بكفّي باحث

فديتك إنّ الشوق لي مذ هجرتني
مميت فهل لي من وصالك باعث

ستبلى الليالي والوداد بحاله
جديد وتفنى وهو للأرض وارث

ولو أنّني أقسمت أنّك قاتلي
وأنّي مقتول لما قيل حانث


هل لداعيك مجيب

هل لداعيك مجيب
أم لشاكيك طبيب

يا قريباً حين ينأى
حاضراً حين يغيب

كيف يسلوك محبّ
زانه منك حبيب

إنّما أنت نسيم
تتلقّاه القلوب

قد علمنا علم ظنّ
هو لا شكّ مصيب

أنّ سرّ الحسن ممّا
أضمرت تلك الجيوب


يا دمع صب ما شئت أن تصوبا

يا دمع صب ما شئت أن تصوبا

ويا فؤادي آن أن تذوبا

إذ الرزايا أصبحت ضروبا

لم أر لي في أهلها ضريبا

قد ملأ الشوق الحشا ندوبا

في الغرب إذ رحت به غريبا

عليل دهر سامني تعذيبا

أدنى الضنى إذ أبعد الطبيبا

ليت القبول أحدثت هبوبا

ريح يروح عهدها قريبا

بالأفق المهدي إلينا طيبا

تعطّرت منه الصبا جيوبا

يبرد حرّ الكبد المشبوبا

يا متبعاً إساده التأويبا

مشرّقاً قد سئم التغريبا

أما سمعت المثل المضروبا

أرسل حكيماً واستشر لبيبا

إذا أتيت الوطن الحبيبا

والجانب المستوضح العجيبا

والحاضر المنفسح الرحيبا

فحيّ منه ما أرى الجنوبا

مصانع تجتذب القلوبا

حيث ألفت الرشأ الربيبا

مخالفاً في وصله الرقيبا

كم بات يدري ليله الغربيبا

لمّا انثنى في سكره قضيبا

تشدو حمام حليه تطريبا

أرشف منه المبسم الشنيبا

حتّى إذا ما اعتنّ لي مريبا

شباب أفق همّ أن يشيبا

بادرت سعياً هل رأيت الذيبا

هصرته حلو الجنى رطيبا

أهاجري أم موسعي تأنيبا

من لم أسغ من بعده مشروبا

ما ضرّه لو قال لا تثريبا

ولا ملام يلحق القلوبا

قد طال ما تجرّم الذنوبا

ولم يدع في العذر لي نصيبا

إن قرّت العين بأن أؤوبا

لم آل أن أسترضي الغضوبا

حسبي أن أحرّم المغيبا

قد ينفع المذنب أن يتوبا


أما وألحاظ مراض صحاح

أما وألحاظ مراض صحاح
تصبي وأعطاف نشاوى صواح

لفاتن بالحسن في خدّه
ورد وأثناء ثناياه راح

لم أنس إذ باتت يدي ليلةً
وشاحه اللاصق دون الوشاح

ألممت بالألطف منه ولم
أجنح إلى ما فيه بعض الجناح

لأصفينّ المصطفى جهوراً
عهداً لروض الحسن عنه انتضاح

جزاء ما رفّه شرب المنى
وأذّن السعي بوشك النجاح

يسّرت آمالي بتأميله
فما عداني منه فوز القداح

لم أشم البرق جهاماً ولم
أقتدح الصمّ ببيض الصفاح

من مثله لا مثل يلفى له
إن فسدت حال فعزّ الصلاح

يا مرشدي جهلاً إلى غيره
أغنى عن المصباح ضوء الصباح

ركين ما تثني عليه الحبا
يهفو به نحو الثناء ارتياح

ذو باطن أقبس نور التقى
وظاهر أشرب ماء السماح

أنظر تر البدر سناً واختبر
تجده كالمسك إذا ميث فاح

إيه أبا الحزم اهتبل غرّةً
ألسنة الشكر عليها فصاح

لا طار بي حظّ إلى غاية
إن لم أكن منك مريش الجناح

عتباك بعد العتب أمنيّة
ما لي على الدهر سواها اقتراح

لم يثنني عن أمل ما جرى
قد يرقع الخرق وتؤسى الجراح

فاشحذ بحسن الرأي عزمي يرع
منّي العدا أليس شاكي السلاح


واشفع فللشافع نعمى بما
سنّاه من عقد وثيق النواح

إنّ سحاب الأفق منها الحيا
والحمد في تأليفها للرياح

وقاك ما تخشى من الدهر من
تعبت في تأمينه واستراح


أتهجرني وتغصبني كتابي

أتهجرني وتغصبني كتابي
وما في الحقّ غصبي واجتنابي

أيجمل أن أبيحك محض ودّي
وأنت تسومني سوء العذاب

فديتك كم تغضّ الطرف دوني
وكم أدعوك من خلف الحجاب

وكم لي من فؤادك بعد قرب
مكان الشيب في نفس الكعاب

أعد في عبدك المظلوم رأياً
تنال به الجزيل من الثواب

وإن تبخل عليه فربّ دهر
وهبت له رضاك بلا حساب


أحمدت عاقبة الدواء

أحمدت عاقبة الدواء
ونلت عافية الشفاء

وخرجت منه مثلما
خرج الحسام من الجلاء

وبقيت للدنيا فأنت
دواؤها من كلّ داء

وورثت أعمار العدى
وقسمتها في الأولياء

ياخير من ركب الجياد
وسار في ظلّ اللواء

واجتال يوم الحرب قدماً
واحتبى يوم الحباء

بشراك عقبى صحّة
تجري إلى غير انتهاء

في دولة تبقى بقاء
الدهر آمنة الفناء

ومسرّة يفضي بها
زمن كحاشية الرداء

واشرب فقد لذّ النسيم
ورقّ سربال الهواء

لنرى بك البهو المطلّ
يميس في حلل البهاء

وبقيت مفديّاً بنا
إن نحن جزنا في الفداء


قل لأبي حفص ولم تكذب

قل لأبي حفص ولم تكذب
يا قمر الديوان والموكب

ما لأبي صفوان مألوفنا
أبرق في الألفة عن خلّب

ولم يعد إلّا كما يتّقي
مسترق السمع من الكوكب

عنّفه بالله على فعله
واشتم وإن لم يستقم فاضرب

وعاطه صهباء مشمولةً
يرى لها المشرق في المغرب

وليشرب الأكثر من كأسه
واعمد إلى فضلته فاشرب

عقوبة أحسن بها سنّةً
في مثله من حسن مذنب

وباكرا الطيب وروحا له
فأنتما في زمن طيّب


قد بعثناه ينفع الأعضاء

قد بعثناه ينفع الأعضاء
حين يجلو بلطفه السخناء

جاء يزهى بمستشفّ رقيق
يخدع العين رقّةً وصفاء

تنفذ العين منه في ظرف نور
ملأته أيدي الشموس ضياء

أكسبته الأيّام برد هواء
فهو جسم قد صيغ ناراً وماء

منظر يبهج القلوب وطعم
تشكر النفس عهده استمراء

لذّة الوصل ناله بعد يأس
كلف طالما تشكّى الجفاء

يفضح الشهد طعمه كلّما قيس
إليه ويخجل الصهباء

فضل السابق المقدّم في النضج
فأزرى بطعمه إزراء

غير أنّي بعثت هذا غذاءً
يشتهيه الفتى وذاك دواء

ملطف يبرد المزاج إذا
جاش التهاباً ويقمع الصفراء


سرّك الدهر وساء

سرّك الدهر وساء
فاقن شكراً وعزاء

كم أفاد الصبر أجراً
واقتضى الشكر نماء

أنت إن تأس على
المفقود إلفاً واجتباء

فاسل عنه غيرةً
واحتمل الرزء إباء

أيّها المعتضد المنصور
ملّيت البقاء

وتزيّدت مع الأيّام
عزّاً وعلاء

إنّما يكسبنا الحزن
عناءً لا غناء

أنت طبّ أنّ داء الموت
قد أعيا الدواء

فتأسّ إنّ ذاك
الخطب غال الأنبياء

وسيفنى الملأ الأعلى
إذا ما الله شاء

حبّذا هدي عروس
دفنها كان الهداء

عمّرت حيناً وماء
المزن شكلين سواء

ثمّ ولّت فوجدنا
أرج المسك ثناء

جمعت تقوى وإخباتاً
وفضلاً وذكاء

ستوفّى من جمام الكوثر
العذب رواء

حيث تلقى الأتقياء
السعداء الشهداء

هان ما لاقت عليها
أن غدت منك فداء

غنم أحبابك أن تبقى
وإن عمّوا فناء

فالبس الصنع ملاءً
واسحب السعد رداء

ورث الأعداء
أعمارهم والأولياء