شرح حديث يا غلام سمِّ الله

شرح حديث يا غلام سمِّ الله

موضوعات حديث يا غلام سمِّ الله

عن عمر بن أبي سلمة -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ في حِجْرِ رَسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ-، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ، فَقالَ لِي: (يا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بيَمِينِكَ، وَكُلْ ممَّا يَلِيكَ)،[١] وهذا الحديث متفق على صحّته، وفي رواية للبخاري ورد فيها: "فَما زَالَتْ تِلكَ طِعْمَتي بَعْدُ"،[٢] أي أنّ عمر يذكر التزامه بأمر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- منذ أمره به، وعمر هو ربيب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- من زوجته أم سلمة -رضي الله عنها، وقد اشتمل هذا الحديث على أهم آداب الطعام، وفيما يأتي تفصيل ذلك.


الحث على التسمية قبل الأكل

ورد الحثّ على التسمية قبل الأكل في هذا الحديث وفي أحاديث أخرى، ومنها قول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (إذا أكَلَ أحدُكُم فليذكُرِ اسمَ اللهِ تعالى، فإن نسِيَ أن يذكرَ اسمَ اللهِ تعالى في أوَّلِهِ فليقُلْ: بسمِ اللهِ أوَّلَهُ وآخرَهُ)،[٣] وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: (إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قالَ الشَّيْطَانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ، وإذَا دَخَلَ، فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وإذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قالَ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالْعَشَاءَ).[٤]


وقد تعدّدت أقوال الفقهاء وشرّاح الحديث فيما يخصّ حكم التسمية قبل الأكل، فقد ذكر الملّا علي القاري أنّ الجمهور ذهبوا لكون التسمية قبل الأكل من الأمور المندوبة،[٥] وقال ابن بطّال إنّها سنّة مؤكّدة؛ وذلك لأنّ من نسي أن يُسمّي في بداية طعامه فله أن يُسمّي في آخره،[٦] وقد قال ابن عثيمين: إنّه يجب على المسلم أن يُسمّي الله -تعالى- عند ابتداء الأكل، فيقول "بسم الله" أو "بسم الله الرحمن الرحيم"، وإنّ الطعام لا يحلّ له بدون التسمية، وإنّ الشيطان يُشاركه في طعامه إذا لم يُسمّ.[٧]


الحث على الأكل باليد اليمنى 

ورد الأمر بالأكل باليد اليمين والنهي عن الأكل بالشمال في هذا الحديث النبوي وفي أحاديث أخرى، ومنها قول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (لا تَأْكُلُوا بالشِّمالِ، فإنَّ الشَّيْطانَ يَأْكُلُ بالشِّمالِ)،[٨] وقال أيضًا: (إذا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بيَمِينِهِ، وإذا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بيَمِينِهِ فإنَّ الشَّيْطانَ يَأْكُلُ بشِمالِهِ، ويَشْرَبُ بشِمالِهِ)،[٩] وقد ذكر النووي أنّ الأمر هنا للندب، وأنّ الأكل باليمين هو من سنن الطعام وآدابه، وأنّه يمكن للمسلم أن يأكل بالشمال إذا كان لديه عذر؛ كوجود مرض في يده اليمنى وما شابه.[١٠]


وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنّ الأكل باليمين واجب وليس مندوب؛ وذلك لورود الوعيد على الأكل بالشمال، فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: (أنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بشِمَالِهِ، فَقالَ: كُلْ بيَمِينِكَ، قالَ: لا أَسْتَطِيعُ، قالَ: لا اسْتَطَعْتَ، ما مَنَعَهُ إلَّا الكِبْرُ، قالَ: فَما رَفَعَهَا إلى فِيهِ).[١١]


الحث على الأكل مما يلي الآكل

يُعلّم رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الأدب الثالث من آداب الطعام وهو الأكل ممّا يلي المسلم، ومعنى ذلك: هو أن يأكل المسلم من أمامه، ولا يمدّ يده إلى جهة غيره، فيأكل من أمامه ليبارك لهم في الطعام، ولا يكون في نفس بعضهم شيء على الآخر؛[١٢] يعني كأنه يقول: لا تأكل من حافة غيرك، بل كل من الذي يليك؛ لأنك إذا اعتديت على حافة غيرك فهذا سوء أدب، إلا إذا كان الطعام أنواعا، مثل أن يكون هناك لحم في غير الذي يليك فلا بأس أن تأكل أو ما أشبه ذلك، فلا بأس حينها.[١٣]


ما يستفاد من الحديث 

اشتمل الحديث السابق على العديد من الفوائد، ومنها ما يأتي:

  • أهمية تعليم الأطفال الصغار آداب الطعام، وأثر ذلك في استمرارهم على هذه العادات الطيّبة عندما يكبرون.
  • التعليم في الصغر أكثر نفعًا وأثرًا من التعليم في الكبر.
  • رحمة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بربيبه، وحرصه على تعليمه.
  • أثر الرفق في التعليم والتربية في إعطاء نتائج حسنة وتلّقي المترّبي والمتعلّم للتعليمات والتزامه بها.
  • رُقيّ الدين الإسلامي واشتماله على الكثير من الآداب العظيمة.


ملخّص المقال: حثّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عدّة آداب مهمّة عند تناول الطعام، أوّلها التسمية قبل البدء بالطعام، وإن نسي المسلم فيُسمّي بعد ذلك فيقول: "بسم الله أوله وآخره"، بالإضافة إلى الأكل مما يلي المسلم وعدم مدّ اليد إلى جهة الغير، والأكل باليد اليُمنى، وهذا يبيّن رقيّ الشريعة الإسلامية وجمال آدابها، ورحمة النبيّ بغيره وحرصه على تعليم ذلك للناس.


المراجع

  1. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عمر بن أبي سلمة، الصفحة أو الرقم:2202، حديث صحيح.
  2. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عمر بن أبي سلمة، الصفحة أو الرقم:5376، حديث صحيح.
  3. رواه الألباني، في صحيح أبي داود، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم:3767، حديث صحيح.
  4. رواه مسلم ، في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله، الصفحة أو الرقم:2018، حديث صحيح.
  5. الملا على القاري، كتاب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح [الملا على القاري]، صفحة 2692. بتصرّف.
  6. ابن بطال، كتاب شرح صحيح البخارى لابن بطال، صفحة 460. بتصرّف.
  7. ابن عثيمين، كتاب شرح رياض الصالحين، صفحة 169-170. بتصرّف.
  8. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن جابر بن عبدالله، الصفحة أو الرقم:2019، حديث صحيح.
  9. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم:2020، حديث صحيح.
  10. النووي، كتاب شرح النووي على مسلم، صفحة 191-193. بتصرّف.
  11. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن سلمة بن الأكوع، الصفحة أو الرقم:2021، حديث صحيح.
  12. أحمد حطيبة، كتاب شرح رياض الصالحين، صفحة 2.
  13. ابن عثيمين، كتاب شرح رياض الصالحين، صفحة 171-172. بتصرّف.
4 مشاهدة
Top Down