شعر نزار قباني عن الحب

شعر نزار قباني عن الحب

أعنف حب عشته

تلومني الدنيا إذا أحببتهُ
كأني .. أنا خلقتُ الحبَّ واخترعتُهُ
كأنني على خدودِ الوردِ قد رسمتهُ
كأنني أنا التي ..
للطيرِ في السماءِ قد علّمتهُ
وفي حقولِ القمحِ قد زرعتهُ
وفي مياهِ البحرِ قد ذوّبتهُ
كأنني .. أنا التي
كالقمرِ الجميلِ في السماءِ
قد علّقتُه
تلومُني الدنيا إذا
سمّيتُ منْ أحبُّ .. أو ذكرتُهُ
كأنني أنا الهوى
وأمُّهُ .. وأختُهُ
من حيثُ ما انتظرتهُ
مختلفٌ عن كلِّ ما عرفتهُ
مختلفٌ عن كلِّ ما قرأتهُ
وكلِّ ما سمعتهُ
لو كنتُ أدري
أنهُ نوعٌ منَ الإدمانِ .. ما أدمنتهُ
لو كنتُ أدري أنهُ
بابٌ كثيرُ الريحِ.. ما فتحتهُ
لو كنتُ أدري أنهُ
عودٌ من الكبريتِ.. ما أشعلتهُ
هذا الهوى .. أعنفُ حبٍّ عشتهُ
فليتني حينَ أتاني فاتحاً
يديهِ لي .. رددْتُهُ
وليتني من قبلِ أن يقتلَني .. قتلتُهُ
هذا الهوى الذي أراهُ في الليلِ
أراهُ .. في ثوبي
وفي عطري .. وفي أساوري
أراهُ .. مرسوماً على وجهِ يدي
أراهُ منقوشاً على مشاعري
لو أخبروني أنهُ
طفلٌ كثيرُ اللهوِ والضوضاءِ ما أدخلتهُ
وأنهُ سيكسرُ الزجاجَ في قلبي لما تركتهُ
لو أخبروني أنهُ
سيضرمُ النيرانَ في دقائق
ويقلبُ الأشياءَ في دقائق
ويصبغُ الجدرانَ بالأحمرِ والأزرقِ في دقائق
لكنتُ قد طردتهُ
يا أيّها الغالي الذي
أرضيتُ عني الله .. إذْ أحببتهُ
أروعُ حبٍّ عشتهُ
فليتني حينَ أتاني زائراً
بالوردِ قد طوّقتهُ
وليتني حينَ أتاني باكياً
فتحتُ أبوابي لهُ .. وبستهُ[١]

سأقول لكِ أُحِبُّكِ

سَأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
حينَ تنتهي كلُّ لُغَاتِ العشق القديمة
فلا يبقى للعُشَّاقِ شيءٌ يقولونَهُ.. أو يفعلونَهْ..
عندئذ ستبدأ مُهِمَّتي..
في تغيير حجارة هذا العالمْ..
وفي تغيير هَنْدَسَتِهْ..
شجرةً بعد شجرة..
وكوكباً بعد كوكبْ..
وقصيدةً بعد قصيدة..
سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
وتضيقُ المسافةُ بين عينيكِ وبين دفاتري..
ويصبحُ الهواءُ الذي تتنفَّسينه يمرُّ برئتيَّ أنا..
وتصبحُ اليدُ التي تضعينَها على مقعد السيّارة..
هي يدي أنا..
سأقولها، عندما أصبح قادراً،
على استحضار طفولتي، وخُيُولي، وعَسَاكري،
ومراكبي الورقية..
واستعادةِ الزَمَن الأزرق معكِ على شواطئ بيروتْ..
حين كنتِ ترتعشين كسمَكةٍ بين أصابعي..
فأغطّيكِ، عندما تَنْعَسينْ،
بشَرْشَفٍ من نُجُوم الصيفْ..
سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
وسنابلَ القمح حتى تنضجَ.. بحاجةٍ إليكِ..
والينابيعَ حتى تتفجَّرْ..
والحضارةَ حتى تتحضَّرْ..
والعصافيرَ حتى تتعلَّمَ الطيرانْ..
والفراشات حتى تتعلَّمَ الرَسْم..
وأنا أمارسَ النبوة
بحاجةٍ إليكِ..
سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
عندما تسقط الحدودُ نهائياً بينكِ وبين القصيدة..
ويصبح النومُ على وَرَقة الكتابة
ليسَ الأمرُ سَهْلاً كما تتصوَّرينْ..
خارجَ إيقاعاتِ الشِّعرْ..
ولا أن أدخلَ في حوارٍ مع جسدٍ لا أعرفُ أن أتهجاه..
كَلِمَةً كلمة..
ومقطعاً مقطعاً...
إنني لا أعاني من عُقْدَة المثقّفينْ..
لكنَّ طبيعتي ترفضُ الأجسادَ التي لا تتكلَّمُ بذكاءْ...
والعيونَ التي لا تطرحُ الأسئلة..
إن شَرْطَ الشهوَة عندي، مرتبطٌ بشَرْط الشِّعْرْ
فالمرأةُ قصيدةٌ أموتُ عندما أكتُبُها..
وأموتُ عندما أنساها..
سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
عندما أبرأُ من حالة الفُصَام التي تُمزِّقُني..
وأعودُ شخصاً واحداً..
سأقُولُها، عندما تتصالحُ المدينةُ والصحراءُ في داخلي.
وترحلُ كلُّ القبائل عن شواطئ دمي..
الذي حفرهُ حكماءُ العالم الثالث فوق جَسَدي..
التي جرّبتُها على مدى ثلاثين عاماً...
فشوَّهتُ ذُكُورتي..
وأصدَرَتْ حكماً بِجَلْدِكِ ثمانينَ جَلْدَهْ..
بِتُهْمةِ الأنوثة...
لذلك. لن أقولَ لكِ (أُحِبّكِ).. اليومْ..
ورُبَّما لن أَقولَها غداً..
فالأرضُ تأخذ تسعةَ شُهُورٍ لتُطْلِعَ زهْرَهْ
والليل يتعذَّبُ كثيراً.. لِيَلِدَ نَجْمَهْ..
والبشريّةُ تنتظرُ ألوفَ السنواتِ.. لتُطْلِعَ نبيَّاً..
فلماذا لا تنتظرينَ بعضَ الوقتْ..
لِتُصبِحي حبيبتي؟؟.
بِتُهْمةِ الأنوثة...[٢]

ألا تجلسينَ قليلاً

ألا تجلسينَ قليلاً
ألا تجلسين؟
فإن القضية أكبرَ منكِ.. وأكبرَ مني..
كما تعلمين..
وما كان بيني وبينكِ..
لم يكُ نقشاً على وجه ماء
ولكنه كان شيئاً كبيراً كبيراً..
كهذي السماء
فكيف بلحظةِ ضعفٍ
نريد اغتيالَ السماء؟..
ألا تجلسين لخمس دقائقَ أخرى؟
ففي القلب شيءٌ كثير..
وحزنٌ كثيرٌ..
وليس من السهل قتلُ العواطف في لحظات
وإلقاءُ حبكِ في سلةِ المهملات..
فإن تراثاً من الحبِ.. والشعرِ.. والحزن..
والخبز.. والملحِ.. والتبغ.. والذكريات
يحاصرنا من جميع الجهات
فليتكِ تفتكرينَ قليلاً بما تفعلين
فإن القضيةَ..
أكبرُ منكِ.. وأكبرُ مني..
كما تعلمين..
ولكنني أشعر الآن أن التشنج ليس علاجاً
لما نحن فيهِ..
وأن الحمامةَ ليست طريقَ اليقين
وأن الشؤون الصغيرة بيني وبينكِ..
ليست تموتُ بتلك السهولة
وأن المشاعرَ لا تتبدلُ مثل الثياب الجميلة..
أنا لا أحاولُ تغييرَ رأيكِ..
إن القرارَ قرارُكِ طبعاً..
ولكنني أشعر الآن أن جذورك تمتد في القلبِ،
ذاتَ الشمالِ ، وذات اليمين..
فكيف نفكُّ حصارَ العصافير، والبحرِ،
والصيفِ، والياسمينْ..
وكيف نقصُّ بثانيتين؟
شريطاً غزلناه في عشرات السنين..
- أسكب كأساً لنفسي..
-وأنتِ؟
تذكرتُ أنكِ لا تشربين..
أنا لست ضد رحيلكِ.. لكن..
أفكر أن السماء ملبدةٌ بالغيوم..
وأخشى عليكِ سقوطَ المطر
فماذا يضيركِ لو تجلسين؟
لحين انقطاع المطرْ..
وما يضيركِ؟
لو تضعينَ قليلاً منَ الكحل فوق جفونكِ..
أنتِ بكيتِ كثيراً..
ومازال وجهكِ رغم اختلاط دموعك بالكحل
مثلَ القمرْ..
أنا لست ضدّ رحيلكِ..
لكنْ..
لديَّ اقتراح بأن نقرأ الآن شيئاً من الشعرِ.
علَّ قليلاً من الشعرِ يكسرُ هذا الضجرْ..
تقولينَ إنكِ لا تعجبين بشعري!!
سأقبل هذا التحدي الجديدْ..
بكل برودٍ.. وكل صفاء
وأذكرُ..
كم كنتِ تحتفلينَ بشعري..
وتحتضنينَ حروفي صباحَ مساءْ..
وأضحكُ..
من نزواتِ النساء..
فليتكِ سيدتي تجلسين
فإن القضية أكبر منكِ .. وأكبرُ مني..
كما تعلمين..
أما زلتِ غضبى؟
إذن سامحيني..
فأنتِ حبيبةُ قلبي على أي حال..
سأفرضً أني تصرفتُ مثل جميع الرجال
ببعض الخشونة..
وبعض الغرورْ..
فهل ذاك يكفي لقطع جميع الجسورْ؟
وإحراقِ كل الشجر..
أنا لا أحاول ردَّ القضاء وردَّ القدر..
ولكنني أشعر الآنَ..
أن اقتلاعكِ من عَصَب القلب صعبٌ..
وإعدام حبكِ صعبٌ..
وعشقكِ صعبٌ
وكرهكِ صعبٌ..
وقتلكِ حلمٌ بعيد المنالْ..
فلا تعلني الحربَ..
إن الجميلاتِ لا تحترفن القتالْ..
ولا تطلقي النارَ ذات اليمين،
وذاتَ الشمال..
ففي آخر الأمرِ..
لا تستطيعي اغتيالَ جميع الرجالْ..
لا تستطيعي اغتيالَ جميع الرجالْ..[٣]

حُب بلا حدود

يا سيِّدتي:
كنتِ أهم امرأةٍ في تاريخي
قبل رحيل العامْ.
أنتِ الآنَ.. أهمُّ امرأةٍ
بعد ولادة هذا العامْ..
أنتِ امرأةٌ لا أحسبها بالساعاتِ وبالأيَّامْ.
أنتِ امرأةٌ..
صُنعَت من فاكهة الشِّعرِ..
ومن ذهب الأحلامْ..
أنتِ امرأةٌ.. كانت تسكن جسدي
قبل ملايين الأعوامْ..
يا سيِّدتي:
يالمغزولة من قطنٍ وغمامْ.
يا أمطاراً من ياقوتٍ..
يا أنهاراً من نهوندٍ..
يا غاباتِ رخام..
يا من تسبح كالأسماكِ بماءِ القلبِ..
وتسكنُ في العينينِ كسربِ حمامْ.
لن يتغيرَ شيءٌ في عاطفتي..
في إحساسي..
في وجداني.. في إيماني..
فأنا سوف أَظَلُّ على دين الإسلامْ..
يا سيِّدتي:
لا تَهتّمي في إيقاع الوقتِ وأسماء السنواتْ.
أنتِ امرأةٌ تبقى امرأةً.. في كلَِ الأوقاتْ.
سوف أحِبُّكِ..
عند دخول القرن الواحد والعشرينَ..
وعند دخول القرن الخامس والعشرينَ..
وعند دخول القرن التاسع والعشرينَ..
وسوفَ أحبُّكِ..
حين تجفُّ مياهُ البَحْرِ..
وتحترقُ الغاباتْ..
يا سيِّدتي:
أنتِ خلاصةُ كلِّ الشعرِ..
ووردةُ كلِّ الحرياتْ.
يكفي أن أتهجى اسمك..
حتى أصبحَ مَلكَ الشعرِ..
وفرعون الكلماتْ..
يكفي أن تعشقني امرأةٌ مثلكِ..
حتى أدخُلَ في كتب التاريخِ..
وتُرفعَ من أجلي الراياتْ..
يا سيِّدتي
لا تَضطربي مثلَ الطائرِ في زَمَن الأعيادْ.
لَن يتغيرَ شيءٌ منّي.
لن يتوقّفَ نهرُ الحبِّ عن الجريانْ.
لن يتوقف نَبضُ القلبِ عن الخفقانْ.
لن يتوقف حَجَلُ الشعرِ عن الطيرانْ.
حين يكون الحبُ كبيراً..
والمحبوبة قمراً..
لن يتحول هذا الحُبُّ
لحزمَة قَشٍّ تأكلها النيرانْ...
يا سيِّدتي:
ليس هنالكَ شيءٌ يملأ عَيني
لا الأضواءُ..
ولا الزيناتُ..
ولا أجراس العيد..
ولا شَجَرُ الميلادْ.
لا يعني لي الشارعُ شيئاً.
لا تعني لي الحانةُ شيئاً.
لا يعنيني أي كلامٍ
يكتبُ فوق بطاقاتِ الأعيادْ.
يا سيِّدتي:
لا أتذكَّرُ إلا صوتُكِ
حين تدقُّ نواقيس الآحادْ.
لا أتذكرُ إلا عطرُكِ
حين أنام على ورق الأعشابْ.
لا أتذكر إلا وجهُكِ..
حين يهرهر فوق ثيابي الثلجُ..
وأسمعُ طَقْطَقَةَ الأحطابْ..
ما يُفرِحُني يا سيِّدتي
أن أتكوَّمَ كالعصفور الخائفِ
بين بساتينِ الأهدابْ...
ما يَبهرني يا سيِّدتي
أن تهديني قلماً من أقلام الحبرِ..
أعانقُهُ..
وأنام سعيداً كالأولادْ...
يا سيِّدتي:
ما أسعدني في منفاي
أقطِّرُ ماء الشعرِ..
وأشرب من خمر الرهبانْ
ما أقواني..
حين أكونُ صديقاً
للحريةِ.. والإنسانْ...
يا سيِّدتي:
كم أتمنى لو أحببتُكِ في عصر التَنْويرِ..
وفي عصر التصويرِ..
وفي عصرِ الرُوَّادْ
كم أتمنى لو قابلتُكِ يوماً
في فلورنسَا.
أو قرطبةٍ.
أو في الكوفَةِ
أو في حَلَبٍ.
أو في بيتٍ من حاراتِ الشامْ...
يا سيِّدتي:
كم أتمنى لو سافرنا
نحو بلادٍ يحكمها الغيتارْ
حيث الحبُّ بلا أسوارْ
والكلمات بلا أسوارْ
والأحلامُ بلا أسوارْ
يا سيِّدتي:
لا تَنشَغِلي بالمستقبلِ، يا سيدتي
سوف يظلُّ حنيني أقوى مما كانَ..
وأعنفَ مما كانْ..
أنتِ امرأةٌ لا تتكرَّرُ.. في تاريخ الوَردِ..
وفي تاريخِ الشعْرِ..
وفي ذاكرةَ الزنبق والريحانْ...
يا سيِّدةَ العالَمِ
لا يُشغِلُني إلا حُبُّكِ في آتي الأيامْ
أنتِ امرأتي الأولى.
أمي الأولى
رحمي الأولُ
شَغَفي الأولُ
شَبَقي الأوَّلُ
طوق نجاتي في زَمَن الطوفانْ...
يا سيِّدتي:
يا سيِّدة الشِعْرِ الأُولى
هاتي يَدَكِ اليُمْنَى كي أتخبَّأ فيها..
هاتي يَدَكِ اليُسْرَى..
كي أستوطنَ فيها..
قولي أيَّ عبارة حُبٍّ
حتى تبتدئَ الأعيادْ[٤]



المراجع

  1. "أعنف حب عشته"، الديوان.
  2. "سأقول لك أحبك"، بوابة الشعراء.
  3. "ألا تجلسين قليلا"، الديوان.
  4. "حب بلا حدود"، الديوان.
983 مشاهدة
للأعلى للأسفل