قصائد أبي الطيب المتنبي

كتابة - آخر تحديث: ٠٦:٢٨ ، ٢٦ فبراير ٢٠١٩
قصائد أبي الطيب المتنبي

واحر قلباه ممن قلبه شبم

وَاحَرّ قَلْباهُ ممّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ

وَمَنْ بجِسْمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ

ما لي أُكَتِّمُ حُبّاً قَدْ بَرَى جَسَدي

وَتَدّعي حُبّ سَيفِ الدّوْلةِ الأُمَمُ

إنْ كَانَ يَجْمَعُنَا حُبٌّ لِغُرّتِهِ

فَلَيْتَ أنّا بِقَدْرِ الحُبّ نَقْتَسِمُ

قد زُرْتُهُ وَسُيُوفُ الهِنْدِ مُغْمَدَةٌ

وَقد نَظَرْتُ إلَيْهِ وَالسّيُوفُ دَمُ

فكانَ أحْسَنَ خَلقِ الله كُلّهِمِ

وَكانَ أحسنَ ما في الأحسَنِ الشّيَمُ

فَوْتُ العَدُوّ الذي يَمّمْتَهُ ظَفَرٌ

في طَيّهِ أسَفٌ في طَيّهِ نِعَمُ

قد نابَ عنكَ شديدُ الخوْفِ وَاصْطنعتْ

لَكَ المَهابَةُ ما لا تَصْنَعُ البُهَمُ

أَلزَمتَ نَفسَكَ شَيئاً لَيسَ يَلزَمُها

أَن لا يُوارِيَهُم أَرضٌ وَلا عَلَمُ

أكُلّمَا رُمْتَ جَيْشاً فانْثَنَى هَرَباً

تَصَرّفَتْ بِكَ في آثَارِهِ الهِمَمُ

عَلَيْكَ هَزْمُهُمُ في كلّ مُعْتَرَكٍ

وَمَا عَلَيْكَ بهِمْ عارٌ إذا انهَزَمُوا

أمَا تَرَى ظَفَراً حُلْواً سِوَى ظَفَرٍ

تَصافَحَتْ فيهِ بِيضُ الهِنْدِ وَاللِّممُ

يا أعدَلَ النّاسِ إلاّ في مُعامَلَتي

فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخصْمُ وَالحكَمُ

أُعِيذُها نَظَراتٍ مِنْكَ صادِقَةً

أن تحسَبَ الشّحمَ فيمن شحمهُ وَرَمُ

وَمَا انْتِفَاعُ أخي الدّنْيَا بِنَاظِرِهِ

إذا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الأنْوارُ وَالظُّلَمُ

سَيعْلَمُ الجَمعُ ممّنْ ضَمّ مَجلِسُنا

بأنّني خَيرُ مَنْ تَسْعَى بهِ قَدَمُ

أنَا الذي نَظَرَ الأعْمَى إلى أدَبي

وَأسْمَعَتْ كَلِماتي مَنْ بهِ صَمَمُ

أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا

وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ


ما أجدر الأيام والليالي

مَا أجْدَرَ الأيّامَ وَاللّيَالي

بأنْ تَقُولَ مَا لَهُ وَمَا لي

لا أنْ يكونَ هكَذا مَقَالي

فَتىً بنِيرانِ الحُروبِ صَالِ

مِنْهَا شَرَابي وَبهَا اغْتِسَالي

لا تَخطُرُ الفَحشاءُ لي ببَالِ

لَوْ جَذَبَ الزّرّادُ مِنْ أذْيَالي

مُخَيِّراً لي صَنْعَتَيْ سِرْبَالِ

مَا سُمْتُهُ زَرْدَ سِوَى سِرْوَالِ

وَكَيفَ لا وَإنّمَا إدْلالي

بِفارِسِ المَجْرُوحِ وَالشَّمَالِ

أبي شُجاعٍ قاتِلِ الأبطالِ

سَاقي كُؤوسِ المَوْتِ وَالجِرْيالِ

لمّا أصَارَ القُفْصَ أمْسِ الخالي


أعددت للغادرين أسيافا

أعْدَدْتُ للغَادِرِينَ أسْيَافَا

أجْدَعُ مِنْهُمْ بِهِنّ آنَافَا

لا يَرْحَمُ الله أرْؤساً لَهُمُ

أطَرْنَ عَن هامِهِنّ أقْحَافَا

ما يَنْقِمُ السّيفُ غَيرَ قِلّتِهمْ

وَأنْ تَكُونَ المِئُونَ آلافَا

يا شَرّ لَحْمٍ فَجَعْتُهُ بدَمٍ

وَزَارَ للخامِعَاتِ أجْوَافَا

قد كنتَ أُغنيتَ عن سؤالِكَ بي

مَنْ زَجَرَ الطّيرَ لي وَمَنْ عَافَا

وَعَدْتُ ذا النّصْلَ مَن تعَرّضَهُ

وَخِفْتُ لمّا اعترَضْتَ إخْلافَا

لا يُذكَرُ الخَيرُ إنْ ذُكِرْتَ وَلا

تُتْبِعُكَ المُقْلَتَان تَوْكَافَا

إذا امْرُؤٌ راعَني بِغَدْرَتِهِ

أوْرَدْتُهُ الغَايَةَ التي خَافَا


عذل العواذل حول قلبي التائه

عَذْلُ العَواذِلِ حَوْلَ قَلبي التّائِهِ

وَهَوَى الأحِبّةِ مِنْهُ في سَوْدائِهِ

يَشْكُو المَلامُ إلى اللّوائِمِ حَرَّهُ

وَيَصُدُّ حينَ يَلُمْنَ عَنْ بُرَحائِهِ

وبمُهْجَتي يا عَاذِلي المَلِكُ الذي

أسخَطتُ أعذَلَ مِنكَ في إرْضائِهِ

إنْ كانَ قَدْ مَلَكَ القُلُوبَ فإنّهُ

مَلَكَ الزّمَانَ بأرْضِهِ وَسَمائِهِ

ألشّمسُ مِنْ حُسّادِهِ وَالنّصْرُ من

قُرَنَائِهِ وَالسّيفُ مِنْ أسمَائِهِ

أينَ الثّلاثَةُ مِنْ ثَلاثِ خِلالِهِ

مِنْ حُسْنِهِ وَإبَائِهِ وَمَضائِهِ

مَضَتِ الدّهُورُ وَمَا أتَينَ بمِثْلِهِ

وَلَقَدْ أتَى فَعَجَزْنَ عَنْ نُظَرَائِهِ


أما الفراق فإنه ما أعهد

أمّا الفِراقُ فإنّهُ ما أعْهَدُ

هُوَ تَوْأمي لوْ أنّ بَيْناً يُولَدُ

ولَقَد عَلِمْنا أنّنا سَنُطيعُهُ

لمّا عَلِمْنَا أنّنَا لا نَخْلُدُ

وإذا الجِيادُ أبا البَهِيِّ نَقَلْنَنا

عَنكُم فأرْدأُ ما ركِبتُ الأجوَدُ

مَن خَصّ بالذّمّ الفراقَ فإنّني

مَن لا يرَى في الدهر شيئاً يُحمَدُ


أرى حللا مطواة حسانا

أرَى حُلَلاً مُطَوَّاةً حِسَاناً

عَداني أنْ أراكَ بها اعْتِلالي

وهَبْكَ طَوَيتَها وخرَجتَ عنها

أتَطوي ما عَلَيكَ من الجَمالِ

وإنّ بها وإنّ بهِ لَنَقْصاً

وأنتَ لها النّهايةُ في الكَمالِ

لَقَدْ ظَلّتْ أواخِرُها الأعالي

مَعَ الأُولى بجِسْمِكَ في قِتالِ

تُلاحِظُكَ العُيُونُ وأنتَ فيها

كأنّ علَيكَ أفْئِدَةَ الرّجالِ

متى أحصَيْتُ فَضلَكَ في كَلامٍ

فقَدْ أحصَيتُ حَبّاتِ الرّمالِ