قصائد الشاعر أحمد شوقي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:٥٩ ، ١٠ مارس ٢٠١٩
قصائد الشاعر أحمد شوقي

قف بروما وشاهد الأمر واشهد

قِفْ بروما وشاهد الأمرَ

واشهد أَن للمُلك مالكاً سبحانَه

دولة ٌ في الثرى وأَنقاضُ مُلكٍ

هَدم الدهرُ في العُلا بنيانه

مَزقت تاجهَ الخطوبُ وألقت

في الترابِ الذي أرى صولجانه

طللٌ عند دمنة عند رسمٍ

ككتابٍ محا البلى عنوانه

وَتماثيلُ كَالحقائقِ تَزدا

دُ وُضوحاً عَلى المَدى وَإبانَه

مَن رَآها يَقولُ هَذي مُلوكُ

الدَهرِ هَذا وَقارهُم وَالرَزانَه

وَبَقايا هَياكلٍ وَقُصور

بَينَ أَخذِ البِلى وَدفعِ المَتانَه

عَبثَ الدَهرُ بِالحَواريِّ فيها

وَبيليوسَ لَم يَهب أُرجوانَه

وَجرَت هاهُنا أُمورٌ كِبارٌ

واصَل الدَهرُ بَعدها جَريانه

راحَ دينٌ وَجاءَ دينٌ وَولّى

مُلك قَومٍ وَحلَّ مَلك مَكانَه

وَالّذي حَصلَ المُجدّون إِهرا

قُ دِماء خَليقةٍ بِالصيانَه

لَيتَ شِعري إِلامَ يَقتتلُ النا

سُ عَلى ذي الدَنيَّة الفتانَه

بَلدٌ كانَ لِلنَصارى قَتاداً

صارَ مُلكَ القُسوسِ عَرشُ الدِيانَه

وَشُعوب يَمحونَ آيَة عيسى

ثمّ يُعلونَ في البَرِيةِ شانَه

وَيُهينونَ صاحِبَ الروحِ مَيتاً

وَيُعزونَ بَعدَهُ أَكفانَه

عالمٌ قُلب وَأَحلامُ خَلق

تَتَبارى غَباوَةً وَفَطانَه

رَومَة الزَهوِ في الشَرائعِ وَالحِك

مَة في الحُكمِ وَالهَوى وَالمَجانَه

وَالتَناهي فَما تَعدّى عَزيزاً

فيكِ عِز وَلا مَهيناً مَهانَه

ما لِحي لَم يُمسِ مِنكِ قَبيلٌ

أَو بِلادٌ يُعدها أَوطانَه

يُصبِحُ الناسُ فيكِ مَولى وَعبداً

وَيَرى عَبدُكِ الوَرى غِلمانَه

أَينَ مُلك في الشَرقِ وَالغَربِ عالٍ

تَحسُد الشَمسُ في الضُحى سُلطانَه

قادِرٌ يَمسَخُ المَمالكَ أَعما

اً وَيُعطي وَسيعَها أَعوانَه

أَينَ مالٌ جَبيتهِ وَرَعايا

كُلهُم خازِنٌ وَأَنتِ الخَزانَه

أَينَ أَشرَافُكِ الّذينَ طَغَوا في الدَه

رِ حتّى أَذاقَهُم طُغيانَه

أَينَ قاضيكِ ما أَناخَ عَليه

أَينَ ناديكِ ما دَهى شَيخانَه

قَد رَأَينا عَليك آثارَ حُزنٍ

وَمِنَ الدورِ ما تَرى أَحزانَه

اِقصِري وَاسأَلي عَنِ الدَهرِ مِصراً

هَل قضت مَرتَين مِنه اللُبانه

إِنّ مَن فَرّق العِبادَ شُعوبا

جَعلَ القِسطَ بَينها ميزانَه

هَبك أَفنيتِ بِالحدادِ اللَيالي

لَن تَردّى عَلى الوَرى رومانَه


ولد الهدى فالكائنات ضياء

  • وبمناسبة مولد الرسول قال أحمد شوقي:[٢]

وُلدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ

وَفمُ الزَمانِ تَبسم وَثناءُ

الروحُ وَالملأُ المَلائكُ حَولهُ

لِلديـنِ وَالـدُنـيـا بِه بُشراءُ

وَالعَرش يَزهو وَالحَظيرة تَزدَهي

وَالمُنتهى وَالسدرةُ العَصماءُ

وَحديقَة الفُرقان ضاحِكةُ الرُبا

بالتُرجُم انِ شذِيّة غَناءُ

وَالوحيُ يَقطرُ سَلسلا مِن سَلسَل

وَاللَوح وَالـقـلـمُ البَديعُ رُواء

نُظِمت أَسامي الرُسل فَهي صَحيفةٌ

في اللوحِ وَاسمُ مُحمَّد طُغراءُ

اِسـمُ الـجَـلالةِ في بَديعِ حُروفه

أَلِـف هُـنـالـكَ وَاِسم طَهَ الباءُ

يا خَير مَن جاءَ الوُجودَ تَحية

مِن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا

بَيت الـنَـبـيينَ الّذي لا يَلتقي

إِلّا الحنائفُ فيهِ وَالحنفاءُ

خَير الأُبـوةِ حازَهُـم لَك آدَم

دونَ الأَنام وأَحرزَت حوّاء

هُم أَدرَكـوا عِز النبوَّة وَاِنتهت

فـيها إِليكَ العِزّة القَعساءُ

خُلقَت لِبيتِك وَهوَ مَخلوق

لَها إِن العَظائِـم كُفؤها العُظماء

بِـكَ بَـشرَ الـلَهُ السَماءَ فَزيّنت

وَتضوّعَـت مِـسكا بِكَ الغَبراءُ

وَبدا مُحياكَ الَّـذي قَسَماته

حَـقّ وَغُرتُه هدىً وَحياءُ

وَعَليه مِن نورِ النُبوةِ رَونق

وَمنَ الخليلِ وَهديِهِ سيماءُ

أَثنى المَسيحُ عَليه خَلفَ سَمائِه

وَتهَللت وَاِهـتزتِ العَذراءُ

يَـوم يَتيه عَلى الزمانِ صباحهُ

وَمساؤُه بِمحمّدٍ وَضّاء

الحق عالي الرُكنِ فيهِ مُظفرٌ

في الملك لا يَعلو عَليه لِواءُ

ذُعِرت عُروشُ الظالمين فَزلزلَت

وَعَـلت عَلى تيجانِهِم أَصداءُ

وَالنارُ خاوِيةُ الجَوانِبِ حَولهم

خَمدت ذَوائِبها وَغاضَ الماءُ

وَالآيُ تَترى وَالخَوارقُ جَمة

جِبريلُ رَوّاحٌ بِها غَـداءُ

نِعم اليَتيمُ بَدت مَخايلُ فَضلهِ

وَاليُتمُ رِزقٌ بَعضهُ وَذكاءُ

في المهدِ يُستسقى الحَيا بِرَجائهِ

وَبِقَصدهِ تُستدفَع البَأساءُ

بِسِوى الأَمانةِ في الصِبا وَالصدقِ لَم

يَعرِفهُ أَهـلُ الصِدقِ وَالأُمَناءُ

يا مَن لَهُ الأَخلاقُ ما تَهوى العُلا

مِنها وَما يَـتعشقُ الكُبراء

لَو لَم تُـقِـم ديناً لَقامَت وَحدَها

ديناً تُضيءُ بِنورِه الآناءُ

زانَتك في الخلُقِ العَظيمِ شَمائِل

يُغرى بِهِنّ وَيولعُ الكرَماءُ

أَما الجَمالُ فَأَنت شَمسُ سَمائه

وَمَلاحَةُ الـصِدّيقِ مِنك أَياءُ

وَالحُسن مِن كَرمِ الوُجوهِ وَخيرهُ

ما أوتِيَ القُوادُ وَالزُعَماء

فَإِذا سَخوتَ بَلَغتَ بِالجودِ المَدى

وَفَعَلتَ ما لا تَفعَلُ الأنواءُ

وَإِذا عَفوتَ فَقادِراً وَمقَدراً

لا يَستَهينُ بِعفوِكَ الجهَلاءُ

وَإِذا رَحِمتَ فَأَنتَ أُم أَو أَب

هَذانِ في الدُنيا هُما الرُحَماءُ

وَإذا غَضِبتَ فَإِنَّما هِيَ غَضبةٌ

في الحَقّ لا ضِغنٌ وَلا بَغضاءُ

وَإِذا رَضيتَ فَذاكَ في مَرضاتِه

وَرِضى الكَثيرِ تَحَلم وَرياء

وَإِذا خَطَبت فَلِلمَنابرِ هِزة

تَعرو النَدِي وَللقُلوبِ بُكاء

وَإِذا قَضيت فَلا اِرتِياب كأَنما

جاءَ الخُصومَ مِنَ السَماءِ قَضاءُ

وَإِذا حَمَيتَ الماءَ لَم يورَد وَلَو

أَن القَياصرَ وَالمُلوكَ ظِماءُ

وَإِذا أَجَرتَ فَأَنتَ بَيتُ اللَهِ لَم

يَدخُل عَلَيهِ المُستَجيرَ عَداءُ

وَإِذا مَلَكـتَ النَفسَ قُمتَ بِبرها

وَلَوَ اَن ما مَلَكَت يَداكَ الشاءُ

وَإِذا بَنَيتَ فَخَيرُ زَوجٍ عِشرة

وَإِذا اِبتَنيتَ فَدونَكَ الآباءُ

وَإِذا صَحبتَ رَأى الوَفاءَ مُجَسماً

في بُردكَ الأَصحابُ وَالخلَطاءُ

وَإِذا أَخَذتَ العَهدَ أَو أَعطَيتهُ

فَجَميعُ عَهدِكَ ذِمةٌ ووَفاءُ

وَإِذا مَـشَيتَ إِلى العِدا فَغضَنفرٌ

وَإذا جَرَيتَ فَإِنكَ النَكباءُ

وَتَمدّ حِلمَكَ لِلسَفيهِ مُدارِياً

حَتّى يَضيقَ بِعَرضِكَ السُفهاءُ

في كلِّ نَفسٍ مِن سُطاكَ مَهابَة

وَلكُل نَفسٍ في نَداكَ رَجاءُ


قصيدة وداع فروق

تجلد للرحيل فما استطاعا

وداعا جنة الدنيا وداعا

عسى الأيام تجمعني فإني

أرى العيش افتراقا واجتماعا

ألا ليت البلاد لها قلوب

كما للناس تنفطر التياعا

وليت لدى فروق بعض بثي

وما فعل الفراق غداة راعا

أما والله لو علمت مكاني

لأنطقت المآذن والقلاعا

حوت رق القواضب والعوالي

فلما ضفتها حوت اليراعا

سألت القلب عن تلك الليالي

أكن لياليا أم كن ساعا

فقال القلب بل مرت عجالا

كدقاتي لذكراها سراعا

أدار محمد وتراث عيسى

لقد رضياك بينهما مشاعا

فهل نبذ التعصب فيك قوم

يمد الجهل بينهم النزاعا

أرى الرحمن حصن مسجديه

بأطول حائط منك امتناعا

فكنت لبيته المحجوج ركنا

وكنت لبيته الأقصى سطاعا

هواؤك والعيون مفجرات

كفى بهما من الدنيا متاعا

وشمسك كلما طلعت بأفق

تخطرت الحياة به شعاعا

وغيدك هن فوق الأرض حور

أوانس لا نقاب ولا قناعا

حوالى لجة من لازورد

تعالى الله خلقا وابتداعا

يروح لجينها الجاري ويغدو

على الفردوس آكاما وقاعا[٣]


المراجع

  1. أحمد شوقي، "قف بروما وشاهد الأمر واشهد"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 2019-2-23.
  2. أحمد شوقي، "ولد الهدى فالكائنات ضياء"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 2019-2-23.
  3. أحمد شوقي (1988)، الشوقيات، بيروت: دار العودة، صفحة 154-155.