قصائد عن الوطن لمحمود درويش

كتابة - آخر تحديث: ٠٦:٠٧ ، ٢٧ فبراير ٢٠١٩
قصائد عن الوطن لمحمود درويش

قصيدة عن الصمود

لو يذكر الزيتون غارسه

لصار الزيت دمعا !

يا حكمة الأجداد

لو من لحمنا نعطيك درعا !

لكنّ سهل الريح ،

لا يعطي عبيد الريح زرعا !

إنّا سنقلع بالرموش

الشوك والأحزان ... قلعا !

وإلام نحمل عارنا وصليبنا !

والكون يسعى ...

سنظل في الزيتون خضرته ،

وحول الأرض درعا !!

إنّا نحبّ الورد ،

لكنّا نحبّ القمح أكثر

ونحبّ عطر الورد ،

لكن السنابل منه أطهر

فاحموا سنابلكم من الأعصار

بالصدر المسمّر

هاتوا السياج من الصدور ...

من الصدور؛ فكيف يكسر ؟؟

اقبض على عنق السنابل

مثلما عانقت خنجر!

الأرض، والفلاح ، والإصرار ،

قل لي: كيف تقهر...

هذي الأقانيم الثلاثة،

كيف تقهر ؟

قصيدة على هذه الأرض

على هذه الأرض ما يستحق الحياة: تردد إبريل، رائحة الخبزِ

في الفجر، آراء امرأة في الرجال، كتابات أسخيليوس ، أول

الحب، عشب على حجرٍ، أمهاتٌ تقفن على خيط ناي، وخوف

الغزاة من الذكرياتْ.

على هذه الأرض ما يستحق الحياةْ: نهايةُ أيلولَ، سيّدةٌ تترُكُ

الأربعين بكامل مشمشها، ساعة الشمس في السجن، غيمٌ يُقلّدُ

سِرباً من الكائنات، هتافاتُ شعب لمن يصعدون إلى حتفهم

باسمين، وخوفُ الطغاة من الأغنياتْ.

على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ: على هذه الأرض سيدةُ

الأرض، أم البدايات أم النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارتْ

تسمى فلسطين. سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة


قصيدة بطاقة هوية

سجل

أنا عربي

ورقم بطاقتي خمسون ألف

وأطفالي ثمانية

وتاسعهم سيأتي بعد صيف

فهل تغضب

سجل

أنا عربي

وأعمل مع رفاق الكدح في محجر

وأطفالي ثمانية

أسل لهم رغيف الخبز

والأثواب والدفتر

من الصخر

ولا أتوسل الصدقات من بابك

ولا أصغر

أمام بلاط أعتابك

فهل تغضب

سجل

أنا عربي

أنا اسم بلا لقب

صبور في بلاد كل ما فيها

يعيش بفورة الغضب

جذوري

قبل ميلاد الزمان رست

وقبل تفتح الحقب

وقبل السرو والزيتون

وقبل ترعرع العشب

أبي من أسرة المحراث

لا من سادة نجب

وجدي كان فلاحا

بلا حسب ولا نسب

يعلمني شموخ الشمس قبل قراءة الكتب

و بيتي كوخ ناطور

من الأعواد والقصب

فهل ترضيك منزلتي

أنا اسم بلا لقب

سجل

أنا عربي

ولون الشعر فحمي

ولون العين بني

وميزاتي

على رأسي عقال فوق كوفية

وكفى صلبة كالصخر

تخمش من يلامسها

وعنواني

أنا من قرية عزلاء منسية

شوارعها بلا أسماء

وكل رجالها في الحقل والمحجر

يحبون الشيوعية

فهل تغضب

سجل

أنا عربي

سلبت كروم أجدادي

وأرضاً كنت أفلحها

أنا وجميع أولادي

ولم تترك لنا ولكل أحفادي

سوى هذي الصخور

فهل ستأخذها

حكومتكم كما قيلا

إذن

سجل برأس الصفحة الأولى

أنا لا أكره الناس

ولا أسطو على أحد

ولكني إذا ما جعت

آكل لحم مغتصبي

حذار حذار من جوعي

ومن غضبي


الآن في المنفى

الآن، في المنفى ... نعم في البيتِ،

في الستّينَ من عُمْرٍ سريعٍ

يُوقدون الشَّمعَ لك

فافرح، بأقصى ما استطعتَ من الهدوء،

لأنَّ موتاً طائشاً ضلَّ الطريق إليك

من فرط الزحام.... وأجّلك

قمرٌ فضوليٌّ على الأطلال,

يضحك كالغبي

فلا تصدِّق أنه يدنو لكي يستقبلك

هُوَ في وظيفته القديمة، مثل آذارَ

الجديدِ ... أعادَ للأشجار أسماءَ الحنينِ

وأهمَلكْ

فلتحتفلْ مع أصدقائكَ بانكسار الكأس.

في الستين لن تجِدَ الغَدَ الباقي

لتحملَهُ على كتِفِ النشيد ... ويحملكْ

قُلْ للحياةِ، كما يليقُ بشاعرٍ متمرِّس:

سيري ببطء كالإناث الواثقات بسحرهنَّ

وكيدهنَّ. لكلِّ واحدةْ نداءُ ما خفيٌّ:

هَيْتَ لَكْ / ما أجملَكْ!

سيري ببطءٍ، يا حياةُ ، لكي أراك

بِكامل النُقصان حولي. كم نسيتُكِ في

خضمِّكِ باحثاً عنِّي وعنكِ. وكُلَّما أدركتُ

سرَاً منك قُلتِ بقسوةٍ: ما أّجهلَكْ!

قُلْ للغياب: نَقَصتني

وأنا حضرتُ ... لأُكملَكْ!